الخط الأحمر البالستي مؤشر لاندلاع الحرب!

الخط الأحمر البالستي مؤشر لاندلاع الحرب!

سمير سكاف

         “الجنون هو فعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتوقع نتائج مختلفة“.. هذا ما ينسبه البعض للعبقري ألبرت أينشتاين!

وبالقياس الشعبي: “إذا أردت أن تعرف ما سوف يجري في فيينا، يجب عليك أن تعرف ما جرى في جنيف” (بالإذن من إيطاليا والبرازيل وحسني البرزان)!

لن تختلف “مفاوضات” فيينا عن “مفاوضات” جنيف بين الإيرانيين والأمريكيين حول البرنامج النووي والصواريخ الباليستية؛ فالمطالب الأمريكية الأربعة، التي تطالب فيها إيران بـ”الاستسلام” و”الانتحار”، لم تتغير ولن تتغير! وكذلك الرفض الإيراني، في ظل خطر “اغتيال” الأمريكيين للنظام، ما يزال على حاله.

تصفير تخصيب اليورانيوم، تفكيك الصواريخ الباليستية، قطع الأذرع، وديمقراطية النظام؛ أربعة شروط دون تراجع أمريكي، سوى ببعض الشكليات الصغيرة، مما يجعل احتمالات الحرب تسحق احتمالات تجنبها! ذلك ما لم تحقق إيران “مفاجأة الانتحار”، وهو ما يستبعده أي مراقب.

منذ نيسان/أبريل 2025 وحتى اليوم، التقى مبعوثون من فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثماني مرات بالفريق الإيراني المفاوض؛ ضم الفريق الأمريكي بالأساس ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ومن الجهة الأخرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ولم يتم اختراق جدار التباينات ولو بثغرة واحدة!

من مسقط (I): كانت الجولة الأولى بعد رسالة وجهها الرئيس ترامب للمرشد الأعلى الإيراني، وجرت في غرف منفصلة بوساطة عُمانية. إلى روما (I): مع جولة ثانية سريعة تبعت لقاء مسقط بأسبوع واحد. ثم إلى مسقط (II): التي شهدت لأول مرة دخول “خبراء تقنيين” في النقاشات، ومسقط (III) التي سبقت جولة إقليمية للرئيس ترامب في الشرق الأوسط. ثم روما (II): التي قيل إنها سجلت تقدماً (؟!) في أيار/مايو 2025.

وبعد فترة انقطاع طويلة بسبب الضربات العسكرية المتبادلة في حزيران/يونيو 2025، استؤنفت المفاوضات في جنيف؛ أي جولات جنيف (I، II، III)… ولا جديد تحت الشمس! فقد جرت جولتان في منتصف الشهر الجاري، واختتمت جولة ثالثة “مكثفة” البارحة دون الوصول لاتفاق نهائي، مع اتفاق لاستئناف هذه الجولات في فيينا.

فما الذي سيتغير في فيينا؟! على الأرجح لا شيء! فالولايات المتحدة تريد التوصل إلى “صفر مخاطر” عسكرية من الجانب الإيراني، و”صفر تهديد” للأمن الإسرائيلي. وإيران، بذريعة استعمال البرنامج النووي لأغراض سلمية، تحتفظ بإمكانية التوصل لتحقيق قنبلة نووية مع تخصيب يورانيوم بنسبة 60%، بالإضافة إلى امتلاكها لحوالي 3,000 صاروخ باليستي، كما هو متداول.

عقدة ملف الصواريخ الباليستية

تعتبر هذه النقطة هي “عقدة المنشار” في مفاوضات ولاية الرئيس ترامب الحالية؛ إذ يصر الموقف الأمريكي، بإرادة ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، على أن أي اتفاق يجب أن يشمل تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ووقف دعم الوكلاء الإقليميين (أي أن تقطع إيران أذرعها بنفسها!). في حين يتلخص الموقف الإيراني برفض طهران، حتى هذه اللحظة، إدخال الصواريخ في “المفاوضات”، وتصر على أن يقتصر النقاش على الملف النووي ورفع العقوبات فقط، لا غير!

المفاوضات الإيرانية مع “الأوروبيين الثلاثة

لم تقتصر المفاوضات مع إيران على الأمريكيين فقط، فقد لعبت دول “الترويكا الأوروبية” (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) دوراً مزدوجاً كوسطاء وكأطراف ضاغطة أيضاً. ففي لقاء إسطنبول، في تموز/يوليو 2025، التقى دبلوماسيون إيرانيون وأوروبيون لمحاولة إنقاذ الموقف بعد ضربات حزيران/يونيو 2025. وبعد فشل جديد، قامت الدول الأوروبية بتفعيل آلية “الزناد” أو الـ (Snapback) في مجلس الأمن لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، وهو ما تم فعلياً في نهاية أيلول/سبتمبر 2025.

العلاقة المتشنجة مع وكالة الطاقة الذرية من جهته، زار مدير الوكالة “رافائيل غروسي” طهران لتسهيل التفاوض في نيسان/أبريل 2025، لكن إيران هددت لاحقاً بطرد المفتشين. وبعدها، أصدر مجلس محافظي الوكالة قراراً رسمياً يتهم إيران بـ”عدم الامتثال” في حزيران/يونيو 2025، مما مهد الطريق للضربات العسكرية اللاحقة. ومع ذلك، توصل الطرفان لاتفاق تقني لاستئناف بعض عمليات التفتيش في المواقع التي تعرضت للقصف في أيلول/سبتمبر 2025، لكن تنفيذه ظل متعثراً، وما يزال، حتى هذه اللحظة.

حرب، لا حرب..!

في الواقع، جرت أكثر من ثماني جولات رئيسية لما يعتبره البعض “تفاوضاً” (بين مسقط، روما، جنيف، وإسطنبول)، لكنها فشلت جميعها. أما الجولات الحالية والمقبلة، فهي تدور تحت “ظلال الحرب”؛ إذ حشدت واشنطن أكبر قوة عسكرية في المنطقة منذ عام 2003 للضغط على طهران للقبول بشروط ترامب الجديدة.

الأجواء في الغرف “تفاوضية”، لكنها خارجها تقرع طبول الحرب مع اقتراب وصول حاملة الطائرات الأكبر في العالم “جيرالد فورد” إلى المنطقة! فهل تقدم إيران على “الانتحار” و”الاستسلام”، أم أنها تخوض الحرب تحت شعار “عليّ وعلى أعدائي”؟!

بانتظار جولة فيينا، الكل يدرك الجواب، أو يتوقعه على الأقل!

شارك هذا الموضوع

سمير سكاف

كاتب وخبير في الشؤون الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!