ليلى شهيد.. مأساة المنفى وغربة القبر
عبد الرحيم التوراني
تترقب الأوساط السياسية والثقافية في باريس ورام الله وبيروت، بكثير من الوجل والترقب، جلاء الغموض الذي يكتنف الرحيل المفاجئ للدبلوماسية الفلسطينية البارزة ليلى شهيد، في محل إقامتها بجنوب فرنسا عن عمر ناهز السادسة والسبعين.
فخلف الطبيعة الهادئة لقرى الجنوب الفرنسي، استيقظت الأسئلة الصعبة مع مباشرة الشرطة الفرنسية تحقيقاتها للوقوف على الأسباب الدقيقة للوفاة، في وقت باتت فيه أخبار هذا الرحيل مادة دسمة للمواقع الإخبارية الفرنسية التي تحاول فك شفرات النهاية الغامضة لواحدة من أكثر النساء الفلسطينيات تأثيراً في التاريخ الحديث.
في الوقت الذي أكدت فيه عائلة الراحلة نبأ الوفاة، تسربت فرضيات أولية تشير إلى احتمالية الانتحار، وهي الفرضية التي أثارت موجة عارمة من الرفض والاستنكار بين محبيها وأصدقائها.. يرى الرافضون لهذه الرواية أن حصر رحيل قامة وطنية كليلى شهيد في الانتحار هو محاولة لتبسيط المشهد واختزاله في أزمات شخصية عابرة، متجاهلين الثقل الوجودي والوطني الذي كانت تحمله على كاهلها.. فليلى التي كانت لسنوات صوتا فلسطينيا صادحا في أوروبا، كانت تعاني انتحاراً معنويا يوميا وهي تشاهد من منفاها الاضطراري فصول المجازر والقتل المنهجي الذي يتعرض له شعبها.
وعلى الرغم من إشارة صحيفة “لوموند” الفرنسية إلى معاناتها الطويلة مع مرض خطير نال من جسدها لسنوات، إلا أن محبيها يميلون إلى قراءة موتها كاحتجاج صامت على عجز العالم لا كفعل يأس شخصي.
التفاصيل لا تزال شحيحة.. والضبابية تلف الدقائق الأخيرة من حياة أول امرأة اقتحمت عالم الدبلوماسية الفلسطينية من أبوابه الواسعة، وتركت في عواصم القرار الأوروبية بصمة من الكاريزما والحجة والمنطق لا يمكن لأي تحقيق أمني أن يمحوها.
الجانب الأكثر إيلاما في مأساة الرحيل يكمن فيما تسرب من معلومات حول عزلتها القسرية في سنواتها الأخيرة… ليلى شهيد، التي كانت تملأ المحافل الدبلوماسية وتسيطر على الشاشات بخرجاتها الإعلامية الواثقة، وتحظى بشعبية كاسحة في الرأي العام الفرنسي والأوروبي، وجدت نفسها، بحسب تقارير، وحيدة في قرية نائية بالجنوب، مقطوعة الصلة بالقرار السياسي، والأدهى من ذلك، ما تردد عن قطع مرتبها التقاعدي من قبل السلطة الفلسطينية…
هذا الجفاء السياسي حول أيقونة الدبلوماسية إلى مجرد رقم في سجل المغتربين، وجعلها تعيش مرارة الإقصاء وهي في أمسّ الحاجة إلى الدعم، خاصة في ظل صراعها مع المرض.
لقد دفعت ليلى ثمن استقلاليتها ومواقفها، وبقيت في ذلك “اللامكان” القصي، تراقب العالم الذي كانت يوما محور اهتمامه وهو يدير لها ظهره…
إن هذا الخذلان لم يكن مجرد انقطاع مالي، بل كان انقطاعا رمزيا عن الحاضنة التي أفنت عمرها في خدمتها، مما يجعل من موتها في هذه العزلة صرخة مدوية ضد نكران الجميل السياسي.
مع صمت الرحيل… يرتفع ضجيج السؤال الوجودي.. أين سيوارى جثمان ليلى شهيد؟ وهو السؤال الذي يختصر مأساة الفلسطيني منذ النكبة حتى اللحظة.
تتعدد الخيارات وكلها مرّ:
خيار العودة إلى فلسطين يظل هو الحلم والمبتغى، لكنه يصطدم بجدار الاحتلال الصلب. فمن المتوقع جدا أن يمانع الكيان الصهيوني عودتها، رغم أن الراحلة كانت من أوائل الذين آمنوا بمد جسور الحوار مع القوى الإسرائيلية الداعمة للسلام العادل…
إن المفارقة هنا تكمن في أن من نادت بالعدل تُحرم حتى من حق امتلاك مترين في تراب وطنها.
يقفز خيار مسقط الرأس بيروت.. كحق طبيعي، فهي المدينة التي شهدت صرختها الأولى، لكن هذا الملاذ يبدو اليوم موصدا… فبيروت، عاصمة البلد الصغير المساحة والمثقل بالأوجاع، لم يعد يملك متسعا حتى للموتى، إذ تضيق هنا المقابر بساكنيها… والأكثر قسوة هو واقع الموت المتربص في أزقتها، حيث يخضع وطن جبران لسطوة المسيرات الإسرائيلية التي لا تهدأ جنوبا وشمالا، محولةً فكرة العودة للراحة إلى مجازفة محفوفة بنيران القصف.
خيار المغرب، حيث وطن زوجها ورفيق دربها الأديب محمد برادة… هذا الخيار تفرضه الروابط الوجدانية، لكنه ربما يبقى محكوما باعتبارات سياسية معقدة.
تبقى المنافي.. أن تظل في فرنسا ليكون قبرها شاهدا جديداً على الشتات الفلسطيني في القارة العجوز، كما حدث مع رموز كثر سبقتها.
هل تركت ليلى شهيد وصية تحسم هذا الشتات الجغرافي؟
لعلها لم تكن بحاجة لوصية، فموتها نفسه هو الوصية الكبرى…
إن “اللامكان” هو الثمن المرير والباهظ الذي يدفعه الفلسطيني في منفاه، حيث يتحول حتى القبر إلى موضوع للتفاوض أو المنع.
لقد رحلت ليلى شهيد مخلفة وراءها تاريخا من النضال الأنيق، لتنضم إلى طابور طويل من الفلسطينيين الذين قضوا في بلدان الاغتراب، ولم يجدوا في الختام إلا تراب المنافي ليدفنوا فيه أحلامهم المؤجلة…
إنها تراجيديا الموت في المنفى… حيث يظل القبر، تماماً كما كانت الحياة، شاهدا حياً على قضية شعب لا يزال يبحث عن مستقره الأخير، حيا كان أم ميتاً.
