ماذا لو فعلها ترامب واحتل غرينلاند؟
سمير سكاف
ماذا لو فعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟! ماذا لو تجرأ واحتل جزيرة غرينلاند؟! ماذا يمكن أن يفعل الأوروبيون حينها؟ وماذا عساه يكون ردهم؟!
“نحن نحتاج إلى غرينلاند”.. هذا ما قاله وكرره الرئيس ترامب، مضيفاً: “نحن نريدها من أجل الأمن القومي الأميركي!”. ولم يمانع ترامب من إضافة حجة تتعلق بالنشاط السفن الروسية والصينية حول الجزيرة، تماماً كإحدى الحجج التي استعملها للتلويح بـ “غزو” فنزويلا.
سيكون احتلال غرينلاند، بالنسبة للأوروبيين، بمثابة اعتداء مباشر من الرئيس ترامب ضد أوروبا والأوروبيين كافة؛ وسيكون هذا “الاعتداء” هو الأقسى ضدهم منذ الحرب العالمية الثانية، بل سيفوق بمراحل كل ما لم ولا يقبله الأوروبيون من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حربه مع أوكرانيا.
علماً أن أوكرانيا ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، في حين أن الدنمارك عضو أساسي فيه وفي حلف “الناتو” أيضاً، وجزيرة غرينلاند هي أرض دنماركية تتمتع بحكم ذاتي. إن احتلال الولايات المتحدة للجزيرة سيعتبر رصاصة في قلب العلاقة الأميركية – الأوروبية، ولكمة ستسبب ارتجاجاً في “المخ الأوروبي”؛ وسيكون من شبه المستحيل على الأوروبيين تجاوز هذا الكابوس. كما سيتسبب هذا الاحتلال بشرخ كبير في منظومة العلاقات الدولية الغربية، وبجرح غائر يصعب مداواته.
من جهته، اعتبر الرئيس ترامب أن رفض الدنمارك بيعه الجزيرة هو “إهانة للولايات المتحدة” (كما فعل في ولايته الأولى عندما ألغى زيارته لكوبنهاغن ووصف تصريحات رئيسة وزرائها بالمقرفة). لذلك، فإن التصعيد في ولايته الثانية هذه يتخذ طابعاً عدائياً غير مسبوق؛ فما يريده ترامب الآن هو الاستيلاء على ثروات غرينلاند، التي يعتبرها ملكاً للولايات المتحدة، تماماً كما اعتبر نفط فنزويلا ملكاً لها من قبل.
الاحتلال أم الاستحواذ؟
1- السيناريو الأسوأ:
الاحتلال العسكري إن التصريحات الأخيرة لبعض المسؤولين في إدارة ترامب لم تستبعد “الخيار العسكري” تماماً، حيث وصفوا غرينلاند بأنها “مستعمرة دنماركية”، مذكرين بأن أمريكا هي القوة الحقيقية في “الناتو”. وبالتالي، فإن الخيار العسكري يظل ممكناً طالما أن المنطق السائد هو: “نحن نحتاج إلى غرينلاند“.
2- الاستحواذ أو “الاحتلال الناعم” (الدبلوماسية القسرية):
قد يتم ذلك عبر الضغط على الدنمارك لتقليل دعمها المالي للجزيرة، مما يدفع غرينلاند للبحث عن “شريك” مالي جديد (واشنطن). كما يمكن أن يقرر ترامب تجاوز الحكومة الدنماركية والتعامل مباشرة مع “حكومة غرينلاند المحلية” عبر إغرائها بمليارات الدولارات مقابل الانفصال عن الدنمارك.
ويبدو أن الدخول العسكري إلى غرينلاند “دون قتال” هو الأقرب إلى منطق ترامب، في ظل أرجحية رفض غرينلاند أو الدنمارك “الخضوع باللين“.
تداعيات الأزمة
في كلتا الحالتين، سيخلق هذا الملف أزمة دستورية وأمنية في شمال الأطلسي؛ فالدنمارك ستعتبر ذلك احتلالاً عسكرياً في الحالة الأولى، أو تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية في الحالة الثانية. وستستغل روسيا والصين هذا الانقسام الغربي لتعزيز نفوذهما في المناطق القطبية الأخرى.
أما النتيجة المتوقعة، فهي عزلة أمريكية خانقة داخل “الناتو”؛ فبينما كان الحلفاء يتحدون ضد تهديدات خارجية، سيجدون أنفسهم لأول مرة منذ عام 1945 في مواجهة “أطماع توسعية” من داخل البيت الواحد. ستكون هذه الأزمة هي بالفعل الأقسى على أوروبا، لأنها لا تتعلق بقطعة أرض فحسب، بل بانهيار الثقة التي بنيت عليها التحالفات الغربية لثمانية عقود.
