مجلة “السينمائي”.. إشراقة بابلية في سماء السينما

مجلة “السينمائي”.. إشراقة بابلية في سماء السينما

عبد الرحيم التوراني

    صدر حديثا العدد الجديد (24) من مجلة السينمائي” العراقية، ليؤكد مجدداً أن الحراك الثقافي في بلاد الرافدين ما زال هو المختبر الذي تُصهر فيه الأفكار وتُصاغ فيه الرؤى الجمالية. المجلة التي يرأس تحريرها الزميل عبد العليم البناء، ويقود دفتها التنفيذية الزميل سعد نعمة، تقدم في هذا العدد وجبة معرفية دسمة تتقصى تضاريس الفكر السينمائي من بغداد إلى الرياض، ومن القاهرة إلى لندن وباريس.

رئيس التحرير الناقد عبد العليم البناء
رئيس التحرير الناقد عبد العليم البناء

في كلمته الافتتاحية “نتطلع لمسيرة سينمائية مكللة بالدعم المستقر”، يضع عبد العليم البناء يده على الجرح والحل في آن واحد، مؤكداً أن فهم السينما لا يبدأ فقط من الاستمتاع البسيط، بل ينتهي عند التغيير المدهش وصياغة الحياة الإنسانية بكل صراعاتها وقيمها.

أفرد العدد ملفاً استثنائياً تحت عنوان “سينما المرأة في العراق، وهو محاولة جادة لاستعادة هوية سينمائية عراقية غُيبت خلف ركام الحروب.

شارك في هذا الملف نخبة من النقاد والباحثين: صالح الصحن، طه الهاشمي، سالم شدهان غبن، علي الياسري، بينما قدم المؤرخ مهدي عباس ببليوغرافيا هامة لنساء عراقيات خلف الكاميرا تتقدمهن الرائدة خيرية المنصور.

الملف لم يكن مجرد رصد، بل صرخة للمساندة في مواجهة “ضآلة الدعم” وصعوبة الاستمرار.

احتفى العدد بنجاح مهرجان بغداد السينمائي الثاني، مبرزاً تحول العاصمة إلى فضاء مفتوح للأفكار تحت رعاية رسمية وفنية واسعة. كما رصد العدد “الدبلوماسية الثقافية” الجديدة من خلال توقيع مذكرة تعاون بين مهرجاني القاهرة وبغداد، التي وصفها د. حكمت البيضاني بأنها بداية مشروع لخلق حوار سينمائي أوسع بين الضفتين.

يتميز هذا العدد بصبغته “الأممية”، حيث نقرأ مساهمات لنقاد عراقيين من مغترباتهم:

– رضا الأعرجي (من الرباط): في دراسة عن مستقبل سينما المرأة.

– إستناد حداد (من أستراليا): حول أفلام الجاليات والذات الراوية.

– سمير حنا خمورو (من باريس): في قراءة للسينما الإيطالية.

– عدنان حسين أحمد (من لندن): في نقد لفيلم “خطوة“.

سلط العدد الضوء على تجربة الإنتاج العراقي- التركي المشترك لفيلم (بابل)، وهو عمل درامي وثائقي يجسد حضارة بابل العريقة، في إشارة إلى قدرة السينما على بناء جسور أكاديمية وفنية تتجاوز الحدود الجغرافية.

في مقالته الختامية، يجزم نقيب الفنانين العراقيين د. جبار جودي بأن عام 2025 كان “عام السينما العراقية” بامتياز، واعداً بأن يكون عام 2026 امتداداً لهذا الوهج، نحو دورة ثالثة لمهرجان بغداد تكون أكثر إشراقاً وعطاءً.

لا تكتفي مجلة “السينمائي” في عددها الـ 24 بملاحقة الخبر، بل تذهب نحو ترسيخ الوعي وإعادة الاعتبار للمهمش والمسكوت عنه. 

لا شك أن مجلة السينمائي تسير اليوم بخطى واثقة لتتبوأ مكانة استثنائية في المشهد الثقافي العربي، فهي ليست مجرد دورية سينمائية متخصصة، بل هي تطمح لتكون بمثابة المعادل الموضوعي للنهضة السينمائية العربية الجديدة في تجلياتها الراهنة.

تكمن أهمية هذه المجلة في قدرتها الفائقة على لمّ شتات العقل النقدي العربي، وربط جسور التواصل بين أقلام المبدعين من بغداد إلى الرباط، ومن باريس إلى لندن، محولةً صفحاتها إلى فضاء حر للحوار الرصين حول قضايا سينما المرأة، والذاكرة الجمالية وأسئلة حرية الإبداع.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!