مجلة “السينمائي” العراقية.. السينما كمرآة للمجتمع وسفير للإبداع
بغداد- خاص:
تأتي مجلة «السينمائي» العراقية في عددها السادس والعشرين، حاملة ملفاً رئيسياً بعنوان «الأفلام الغنائية والموسيقية»، ومواكبة في الوقت نفسه للحراك الذي تعرفه السينما العراقية على المستويين المحلي والدولي.
ويبدو العدد، من خلال افتتاحيته ومواده المتنوعة، حريصاً على تقديم السينما لا باعتبارها مجرد صناعة للفرجة والترفيه، وإنما بوصفها مرآة لتحولات المجتمع ووسيلة لقراءة ما وراء الصورة، وفك شفرات الحكايات وتوثيق نبض صناعة تعيد، بحسب تعبير المجلة، تشكيل الوعي والمشاعر.
وتختار الافتتاحية عنواناً دالاً: «عندما يغني الضوء.. وترقص الشاشة»، لتدخل بالقارئ إلى عالم الملف الرئيسي الذي يحتفي بأحد أعرق الأنواع السينمائية وأكثرها ارتباطاً بالذاكرة الجماعية. فالفيلم الغنائي والموسيقي، كما تقدم المجلة، لم يكتف بنقل الواقع، بل أضاف إليه النغم والإيقاع، وحوّل المشاعر الإنسانية إلى أغنيات ورقصات وموسيقى ظلت حاضرة في ذاكرة أجيال.
ومن هنا، تتوزع مواد الملف بين استعراض تاريخ هذا النوع السينمائي، والوقوف عند كلاسيكياته، ومتابعة التجارب المعاصرة التي أعادت إحياءه بأدوات بصرية جديدة، مع تخصيص مساحة للفيلم الغنائي العراقي، وعناصره، وعلاقته بالسرد والاستعراض، والأغنية باعتبارها مرتكزاً للحكاية السينمائية. كما ينفتح الملف على تجارب عالمية، في مقدمتها السينما الهندية وهوليوود، بما يسمح بقراءة تطور الفيلم الغنائي ضمن سياقات مختلفة.
وفي موازاة ذلك، يفرد العدد حيزاً واسعاً للسينما العراقية وحضورها المتنامي في المشهد الدولي، خصوصاً من خلال المشاركة العراقية في الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان كان السينمائي لعام 2026. وتقدم المجلة الجناح العراقي باعتباره منصة لتعزيز الشراكات وصناعة الإنتاج المشترك، والتعريف بالتجارب العراقية أمام الفاعلين في الصناعة السينمائية العالمية، بما يجعل حضور العراق في كان جزءاً من مسعى أوسع للانتقال بالسينما العراقية من حدود المشاركة إلى فضاء الشراكة والحضور المهني.
وتعزز المجلة هذا التوجه بنشر مشاريع الأفلام التي حصلت على منحة مبادرة دعم السينما، في مادة ذات قيمة توثيقية ومهنية، تشمل أفلاماً روائية ووثائقية طويلة وقصيرة، ومشاريع في التطوير وما بعد الإنتاج، إلى جانب أفلام الرسوم المتحركة. وبذلك يتيح العدد للقارئ التعرف على جانب من المشاريع التي يمكن أن ترسم ملامح المرحلة المقبلة للسينما العراقية، وعلى أسماء وتجارب لجيل جديد من صناع الأفلام.
ويحتل حوار العدد مع الفنان العراقي مقداد عبد الرضا موقعاً بارزاً، حيث يستعيد الفنان المخضرم مسيرته مع المسرح والتلفزيون والسينما والتأليف والإخراج، ويتحدث عن علاقته بالصورة وعن تجربته السينمائية، بما فيها تجربته الوحيدة في الإخراج من خلال فيلم «زيارة إلى الجنة». كما يطرح رؤيته لواقع السينما العراقية، منتقداً ما يعتبره تغليباً للاعتبارات المادية على شروط الإبداع، ومؤكداً أن قيام سينما حقيقية يحتاج إلى منتج قادر على الاستثمار في مختلف الحقول الفنية، لا إلى حسابات ضيقة مرتبطة بالعائد وحده. ويكشف كذلك عن شخصية «جحا» باعتبارها الدور الذي يتمنى أداءه بشكل ملح.
وتتسع بانوراما العدد لتشمل قراءات ومراجعات لأفلام وتجارب سينمائية عراقية وأجنبية، من بينها «النشيد السابع» للمخرج عدي رشيد، وقراءة في جغرافيا الخوف والصحراء والعزلة في السينما الأسترالية، فضلاً عن مادة تستعيد تاريخ السينما العراقية من إدمون صبري إلى كاميران حسني، وقراءة لفيلم «لا خيار آخر»، وتغطية للمهرجان السينمائي الطلابي الثاني، إلى جانب تقديم «كتاب السينما العراقية عام 2025»، الدليل السنوي الذي يواصل توثيق النشاط السينمائي العراقي.
أما كلمة الدكتور جبار جودي، نقيب الفنانين العراقيين، فتمنح العدد بعداً مؤسسياً واضحاً. فهو يقدم نقابة الفنانين بوصفها، في رؤيته، داعماً أساسياً لصناع الفن السابع، ومؤكداً التزامها برعاية المبدعين والدفاع عن حقوقهم ومكتسباتهم المهنية. ويربط جودي بين دعم السينما العراقية وبين مبادرة دعم السينما، وتفعيل جناح العراق في مهرجان كان، والاستعداد للدورة الثالثة من مهرجان بغداد السينمائي، فضلاً عن دعم المهرجانات المحلية ورعاية المواهب الشابة. كما يشدد على حماية الحقوق المهنية والتقاعدية للفنانين، وتنظيم عمل الكوادر الفنية، وخلق حاضنات للشباب، ومواصلة نشر الثقافة السينمائية، ومنها مجلة «السينمائي» نفسها.
وتخلص رؤية جودي إلى أن دعم الفن السابع لا يتعلق بالإنتاج وحده، بل ببناء بيئة متكاملة تحفظ للفنان حقوقه، وتفتح المجال أمام الأجيال الجديدة، وتتيح للسينما العراقية أن تتجاوز حدودها المحلية. ومن هذه الزاوية يصف السينما بأنها «السفير الجمالي والإبداعي» لإيصال رسالة العراق الإنسانية والحضارية إلى العالم.
وهكذا يجمع العدد بين ملف جمالي عن الغناء والموسيقى في السينما، ورصد للتحولات الصناعية والمؤسسية في السينما العراقية، وحوار مع أحد أبرز فنانيها، وقراءات نقدية وتوثيقية متنوعة، ليقدم في المحصلة صورة عن سينما تحاول أن تقرأ ذاكرتها، وتعيد بناء أدواتها، وتوسّع حضورها خارج الحدود.
الجدير بالذكر أن طاقم مجلة “السينمائي” يضم كلا من: سعد نعمة طريف (رئيس مجلس الإدارة)، عبد العليم البناء (رئيس التحرير)، سعد نعمة (رئيس التحرير التنفيذي)، مهدي عباس (مدير التحرير)، محمد عبد الحميد (المدير الفني)، حيدر حبة (فوتوغراف).
