مدينة فيغيراس بإسبانيا

مدينة فيغيراس بإسبانيا

أحمد لعيوني

          بينما كان الحسين يرفع إبهامه في إشارة الأوتوستوب، على مشارف مدينة بيربينيان بجنوب فرنسا، كان الأفق ممتدًا أمامه كصفحة بيضاء، لا يكتبها إلا الطريق. الريح الخفيفة القادمة من جهة البحر، وضجيج العربات المسرعة، كانا يختصران ذلك التوتر اللذيذ الذي يسبق المجهول. لم يطل الانتظار؛ إذ ما لبثت شاحنة كبيرة أن خففت سرعتها، ثم توقفت على جانب الطريق. أشار السائق بيده، فصعد الحسين، حاملاً معه أمتعته القليلة وأسئلته الكثيرة.

انطلقت الشاحنة تشق الطريق نحو الجنوب، وكان الصمت في البداية سيّد الموقف، قبل أن يتحول إلى حديث متقطع عن السفر والحدود والعمل. وحين بلغا نقطة العبور، سيربير – بوربو، افترقا مؤقتًا، فلكلٍّ إجراءاته، ولكلٍّ قصته مع الختم والتوقيع. هناك، عرض عليه رجل فرنسي خدمة غير متوقعة : أن يتكلف بتقديم جواز سفره إلى رجال الجمارك مرفقاً باستمارة العبور، مقابل أن يقله بسيارته إلى ما بعد الحدود، حتى مشارف فيغيراس الإسبانية.

قبل الحسين العرض، مدفوعاً بتلك الثقة العابرة التي يولدها الطريق بين الغرباء. وما إن اجتازا الحدود، حتى انكشف خيط آخر من الحكاية؛ إذ علم أن مرافِقه فرنسي المولد، لكنه وُلد في المغرب، في مدينة الدار البيضاء. عندها شعر الحسين أن الرحلة، وإن بدت انتقالاً جغرافياً، إنما كانت عبوراً آخر للذاكرة والهوية، حيث تتقاطع الطرق كما تتقاطع المصائر، وتعيد الغربة رسم الانتماء بملامح جديدة.

فمع كل كيلومتر يبتعد به عن فرنسا ويقترب من إسبانيا، كان الحسين يدرك أن الأوتوستوب ليس مجرد وسيلة سفر، بل درساً في الإصغاء للعالم، وفي اكتشاف تلك الصلات الخفية التي تربط البشر، مهما تباعدت أوطانهم وتعددت لغاتهم.

يُعدّ الأوتوستوب أكثر من مجرد وسيلة انتقال رخيصة أو مغامرة عابرة؛ إنه تجربة إنسانية عميقة تفتح الباب أمام التعرف على أشخاص لم يكن من الممكن لقاؤهم في سياق عادي. ومن خلال هذا الاحتكاك المباشر بالآخرين، تتولد دروس متعددة، من أبرزها:
فهو يعلّم المسافر أن الأحكام المسبقة غالباً ما تكون خاطئة. فالأشخاص الذين يبدون غرباء أو مختلفين قد يتحولون إلى رفقاء طريق متفهمين، يحملون قصصاً إنسانية غنية، ويكشفون وجوهاً غير متوقعة من الكرم واللطف.
كما أن ركوب سيارة شخص لا تعرفه، وتوقف شخص لاصطحاب غريب، هو فعل ثقة متبادلة في عالم يهيمن عليه الحذر. هذه الثقة لا تُمنح بسهولة، لكنها حين تُمنح تذكّر الإنسان بأن الخير ما يزال حاضراً في العلاقات البشرية.

وحين تغيب اللغة المشتركة، تبرز الإشارة، ونبرة الصوت، وتعابير الوجه. الأوتوستوب يعلّم أن التواصل الحقيقي لا يعتمد دائماً على الكلمات، بل على النية والفهم المتبادل.

وهكذا، يصبح الأوتوستوب مدرسة متنقلة، لا تُدرَّس فيها الجغرافيا فقط، بل تُعلَّم فيها دروس الإنسان في الإنسان، وتُنسج فيها صداقات عابرة تترك أثراً دائماً في الذاكرة.

في فيغيراس، المدينة التي بدت للحسين هادئة على غير ما كان يتوقع، التقى صدفةً بمغربي من الناظور، يحمل في ملامحه ولهجته رائحة الريف وملح البحر. لم يطل الحديث بينهما، فالغربة تختصر الكلمات، لكن الرجل دلّه بسرعة على فندق كبير يشغل الأجانب بصفة مؤقتة، اسمه “أوطيل بريزيدون” Hotel President. قصده الحسين في اليوم نفسه، وكأن الخطى كانت تعرف الطريق قبله.

كان الفندق فخمًا، يتكون من سبعة طوابق، يقع على الطريق الرئيسية التي تربط جنوب فرنسا بمدينة برشلونة. ويشغل عددا كبيراً من العمال، بمن فيهم الموسميين، في فترة الذروة السياحية. وبذلك يمنح للعابرين فرصة عمل مؤقتة. وما إن اتصل برئيس العمال، حتى وجد لنفسه عملاً في مطبخ مطعمه. هناك، بين البخار المتصاعد من القدور، ورنين الصحون المتلاحقة، بدأ يومه الحقيقي. كان عمله يدور حول التنظيف وغسل الأواني، عملاً شاقاً ومتكرراً، لكن إيقاعه المنتظم كان يمنحه نوعاً من الطمأنينة، كأنه يعيد ترتيب فوضى الرحلة.

كان الإسبان في المطبخ لطفاء في تعاملهم، لا يكثرون من الأسئلة ولا يضيّقون عليه جهله باللغة. وحين تعجز الكلمات، كانت الإشارة كافية : ابتسامة عابرة، حركة يد، أو نظرة تفهم ما يجب فعله. شيئاً فشيئاً، التقط الحسين بعض الكلمات البسيطة، أسماء الأدوات، أوامر سريعة، وعبارات يومية كانت تتسلل إلى ذاكرته كما يتسلل الضوء من نافذة صغيرة.

رغم محدودية مساحة فيغيراس، الواقعة في إقليم كاتالونيا شمال شرق إسبانيا، فإنها تفرض حضورها بقوة على الخريطة الثقافية والسياحية، باعتبارها مهد الفنان السوريالي، سلفادور دالي الذي صنع لها مجداً عالمياً. كما يمتد مركز المدينة القديم بأزقته الضيقة وساحاته الهادئة. كنيسة سانت بير Sant  Pere ، تبرز كأحد المعالم الدينية والتاريخية المهمة، فهي تعود إلى العصور الوسطى، وشهدت تعميد دالي في طفولته. أما شارع لا رامبلاLa Rambla  فهو فضاء مفتوح لشهرة المطبخ الكاتالوني، تقدم المطاعم به، أطباقاً محلية تقليدية. ومحلاته تعرض تذكارات فنية. السياح العابرون المتوجهون من وإلى برشلونة، وجنوب فرنسا، يجدون فيه محطة تأمل هادئة، واستراحة لتذوق طعم مطابخها.. ساحة كاتالونيا Plaça Catalunya، تتوسط المدينة، وتقام بها حفلات وفعاليات نهاية الأسبوع، فتتحول إلى منصة مفتوحة في الهواء الطلق مع عروض لفرق وفنانين معروفين في الموسيقى الشعبية والروك والديجي.

مرت الأيام في نسق واحد : عمل يبدأ باكراً، وينتهي مع تعب المساء، تتخلله لحظات صمت وتأمل، وأخرى من الضحك المشترك رغم اختلاف اللغات. وخلال أسبوعين كاملين، جمع الحسين ما يكفي من المال لاقتناء تذكرة العودة إلى المغرب. كان المبلغ بسيطاً، لكنه مثّل له أكثر من مجرد ورقة سفر؛ كان ثمرة جهد، ودليل قدرة على الصمود، وخاتمة مرحلة من الرحلة سيحملها معه طويلًا في الذاكرة.

وحين حان وقت الرحيل، نظر الحسين إلى فيغيراس نظرة امتنان صامتة، مدينة لم تمنحه أكثر من فرصة عابرة، لكنها كانت كافية ليواصل الطريق… هذه المرة نحو الوطن.

شارك هذا الموضوع

أحمد لعيوني

مؤرخ منطقة امزاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!