مراجعة نقدية لمسار اليسار والحزب الشيوعي.. من العسكرة إلى الذبول
عرض عمر بنعطية:
يأتي هذا العرض النقدي ليسلط الضوء على واحدة من أجرأ المراجعات الفكرية لواقع اليسار اللبناني، وهي القراءة التي قدمها الكاتب والمناضل الماركسي اللبناني نهاد حشيشو (مواليد 1941) في لقاءات مفتوحة شهدتها مدينتا بيروت وصيدا. لم تكن هذه اللقاءات مجرد سرد تاريخي، بل كانت منصة للمكاشفة تابعها جمهور واسع من المناضلين المخضرمين والشباب اليساريين الباحثين عن إجابات لأسئلة الراهن المأزوم.
يستند حشيشو في طروحاته إلى خلفية معرفية ونضالية عميقة؛ فهو خريج مدرسة النضال الميداني منذ مطلع الستينيات، وصاحب تجربة أكاديمية وصحفية غنية، تجسدت في مؤلفات مرجعية أرّخت لجدلية الصعود والافول، ومن أبرزها: – نهوض اليسار اللبناني وذبوله: الحزب الشيوعي نموذجاً. –قيادات وهزائم: سيرة ذاتية سياسية. – الأحزاب في لبنان، و – الحياة الدستورية في لبنان.
تنبع أهمية هذه القراءة من كونها نقداً من الداخل، حيث يفكك حشيشو بمشرط الجرأة بنية اليسار اللبناني، بدءاً من مفصل هزيمة 1967، مروراً بمتاهات الحرب الأهلية وعسكرة العمل الحزبي، وصولاً إلى حقبة ما بعد “الطائف” حيث تحولت المقاومة الوطنية إلى ملاحق لسلطات مذهبية أو وصايات إقليمية.
إن ما يقدمه حشيشو ليس مجرد نقد للأداء، بل هو محاكمة للرؤى والأيديولوجيات التي استلبت اليسار وجعلته يدور في فلك “الفعل ورد الفعل”، محاولاً في نهاية المطاف رسم خارطة طريق “تصحيحية” تعيد لليسار دوره كقوة تغيير حقيقية، بعيداً عن البيروقراطية الحزبية والتبعية الطائفية.
لذلك تُعد قراءة المؤرخ السياسي والصحافي نهاد حشيشو، الماركسي اللينيني العتيق، لواقع اليسار اللبناني وثيقة نقدية من الداخل تتسم بالجرأة والمكاشفة، فهي لا تكتفي برصد المحطات التاريخية، بل تغوص في البنية العميقة للأزمة التنظيمية والأيديولوجية التي أدت إلى انحسار دور اليسار لصالح القوى الطائفية والمذهبية.
فيما يلي عرض نقدي مستفيض لهذه القراءة، مفككاً أهم محاورها ورؤاها:
أولاً: فلسفة الهزيمة وتحولات الأيديولوجيا (1967)
يرى حشيشو أن عام 1967 لم يكن مجرد انكسار عسكري، بل كان “زلزالاً أيديولوجياً” كشف عقم الرؤى التقليدية للأحزاب الشيوعية العربية.
نقد التبعية: يوجه حشيشو نقدًا لاذعاً لخضوع الحزب الشيوعي لإملاءات المركز (الاتحاد السوفيتي)، معتبراً أن غياب “الثورية العملانية” والارتهان للمركزية الديمقراطية المشوهة هو ما جعل الحزب عاجزاً عن استباق الهزيمة أو التعامل مع تداعياتها.
اليسار والمسألة الفلسطينية: يسلط الضوء على “الالتباس” في علاقة اليسار بالمقاومة الفلسطينية؛ حيث تحول اليسار من “حليف” إلى “تابع” (مستلب)، مما أفقده استقلالية قراره الوطني اللبناني.
ثانياً: الحرب الأهلية.. فخ العسكرة والطائفية (1975-1990)
يقدم الكاتب نقداً مريراً لتجربة “الحركة الوطنية” بقيادة كمال جنبلاط، معتبراً إياها مرحلة “التجريب والمغامرة”:
الانحراف الطائفي: يكشف حشيشو “زيف” العلمانية المدعاة لبعض القوى اليسارية، مستشهداً بمعركة المجلس الشيعي الأعلى، حيث خاض اليسار صراعاً بأدوات طائفية، مما أفقده المصداقية الأخلاقية.
استراتيجية “البيض في سلة واحدة”: ينتقد الكاتب الرهان المطلق على حركة “فتح” وياسر عرفات. فبدلاً من أن يكون الفلسطيني “رافعة” للتغيير في لبنان، أصبح اليسار اللبناني “أداة” في صراعات المحاور الإقليمية.
تبديد الرصيد: يشير بأسى إلى “بيع المنح التعليمية” لتمويل صندوق الحرب، وهو ما يراه مؤشراً على الانحدار القيمي والسياسي الذي أصاب بنية الحزب.
ثالثاً: لغز “المقاومة” والانكفاء (بعد 1982)
هنا يلمس حشيشو الجرح الأكثر إيلاماً لليسار: لماذا صعد “حزب الله” وانكفأت “جمول” (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية)؟
القرار المسلوب: يناقش الكاتب فرضية “المنع السوري/الإقليمي” لعمليات الحزب الشيوعي بعد عام 1985، لكنه يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن العلة كانت في “البنية المتهالكة” للحزب وغياب رؤية استراتيجية تتجاوز الفعل ورد الفعل.
التفوق التنظيمي للمنافس: يعترف حشيشو بواقعية أن حزب الله امتلك “الانضباط الحديدي” والدعم العقائدي والمادي (الإيراني)، في وقت كان فيه اليسار يعاني من “اليتم الأيديولوجي” بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
نقد جورج حاوي: في مشهد لقاء حاوي ونصر الله عام 1998، يصف حشيشو طرح حاوي بـ “غير المنطقي” والمتأخر جداً (يطعمك الحجة والناس راجعة)، معتبراً إياه محاولة لطلب “شرف المقاومة” من قوى كانت قد حسمت الميدان لصالحها بالفعل.
رابعاً: الواقع الراهن.. أزمة الهوية والبديل الضائع
يرسم الكاتب صورة قاتمة لليسار في مرحلة ما بعد “الطائف” (1990) وصولاً إلى انتفاضة 2019:
اليسار “البرواز”: يرى أن الحزب الشيوعي بات يكتفي بـ “المؤتمرات المبهرجة” وإنتاج قيادات بيروقراطية، بينما كوادره الحقيقية (الألوف) خارج التنظيم أو في حالة استنكاف.
التبعية لليمين المذهبي: ينتقد انخراط بقايا اليسار في تحالفات سلطوية (8 و14 آذار) مما أدى إلى ذوبان الهوية الطبقية في المحيط الطائفي.
الموقف النقدي العام من قراءة حشيشو:
تتميز قراءة نهاد حشيشو بأنها “نقد ذاتي حاد” يتجاوز الجلد إلى التفكيك، لكن يمكن تسجيل ملاحظتين:
النبرة التشاؤمية: قد يرى البعض أن الكاتب، بدافع مرارة التجربة الشخصية، أغفل بعض الإشراقات أو المحاولات التصحيحية الجادة داخل القاعدة الشبابية لليسار.
مركزية “الحزب الشيوعي”: رغم حديثه عن اليسار عموماً، إلا أن قراءته تظل متمحورة حول تجربة الحزب الشيوعي، وهو أمر مبرر نظراً لتاريخه الشخصي، لكنه قد يغفل ديناميكيات مجموعات يسارية أخرى لم تكن “ستالينية” المنشأ.
مقترح “المؤتمر الإنقاذي”
ينتهي حشيشو بدعوة ثورية لإعادة التأسيس: مؤتمر لكل الشيوعيين (المطرودين، المستنكفين، والمنتمين) لوضع مادة وحيدة: “لماذا حصل كل هذا الدمار؟”. إنها دعوة للشفافية المطلقة ونبذ “الميتافيزيقيا التقدمية” والعودة إلى الجماهير لا إلى النخب.
