مروان قصاب باشي وعبد الرحمن منيف: أدب الصداقة والوجه الإنساني

مروان قصاب باشي وعبد الرحمن منيف: أدب الصداقة والوجه الإنساني

  سعيد بوخليط

           ربّما لو لم يكتب عبد الرحمن منيف دراسته: “مروان قصاب باشي، رحلة الفن والحياة” وإصدارها سنة 1996، ثم تبادل صحبة بطل تلك الدراسة جملة رسائل طويلة شخصية قارب عددها الثّلاثين، اكتشفها القارئ العربي سنة 2012 بين طيات كتاب عنوانه: “في أدب الصداقة: عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي”، بمبادرة من زوجة منيف، سعاد قوادري، وكذا قصاب باشي بعد وفاة مبدع “مدن الملح” سنة 2004، في حالة انعدام هاتين الوثيقتين، من المحتمل أن يظلّ اسم الرسّام والنّحات السوري مروان قصاب باشي غير معروف سوى لدى أقليّة من صفوة المهتمّين بتاريخ الفنّ والتّشكيل.

إشارة تعيد حقيقة طرح أهمّية الكتابة وجودياً، والتخلّص قدر الإمكان من كسل التّداول الشفهي السطحي والعابر، وقد ترسّخ تقليده للأسف أكثر وصار واقعاً قائم الذات مع تراكم عقود أدبيات الرّقمنة التي قوّضت جذرياً مختلف القيم المرتبطة بتأمّل الأفكار ومحاورتها بتؤدة ورويّة وعمق ضمن بوح مونولوغ أساسه عزلة بياض الورق.

بالتأكيد الكتابة حيوات متجدِّدة، ولادات مستمرّة، وصياغات لا تنتهي، تلاحق جدلية الحياة والموت، التّلاشي والانبعاث. قد يقول قائل: يكفي مروان قصاب باشي تراثه الفني على مستوى التّشكيل والنّحت، الذي انطلقت حلقاته منذ الخمسينات لغاية وفاته سنة 2016، فأضحى اسماً عالمياً احتضنت لوحاته ومنحوتاته أرقى المؤسّسات الدولية والصّالونات الفنّية في ألمانيا وأمريكا وإنجلترا، ملهِماً أجيالاً من الفنانين، بل واعتُبرت تراكمات هذا المنجز مدرسة بجانب مدارس الفن المعاصر. يلزم مع ذلك الإقرار بأنّ منيف ساهم عربياً في استعادة هويّة قصاب باشي، وإعادة تسليط الضّوء قومياً على هذا المبدع، وقد تبلورت روافد استيهاماته الخلاّقة بين رؤى عزلة جليد وصمت برلين، ثم حنين دفء حميمية أمكنة طفولة دمشق.

اندرج هاجس التّوثيق لسيرة بعض الرّاحلين الكبار بين ثنايا قصديات عدّة مشاريع كتابية وضعها عبد الرحمن منيف نصب عينيه وانكبّ على تدبيج تفاصيلها مثلما دأب مع نصوصه الرّوائية الخالدة، ولم يمحُ قط من ذهنه آثار ما عاشه صحبة أصدقائه الكتَّاب الذين غادروا سفينة هذه الحياة، فأرَّخَ على طريقته لذاكرة شخصيات بَصَمَت التاريخ العربي المعاصر مثل: محمد الباهي، سعد الله ونوس، حسين مروة، جبرا إبراهيم جبرا، نزار قباني، غائب فرمان، إميل حبيبي..

جمعت بين عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي صداقة أدبية وفنية خاصة، نتيجة انذهال كلّ منهما بما يملكه الثاني، بحيث رغب منيف خلال لحظة معينة الالتجاء إلى الرسم بدل الكتابة، ما دامت الكلمة قد صارت بلا جدوى وفقدت فاعليتها ومعناها حيال مآل انحطاط عربي تجلّى عنوانه ثانية ومن جديد أثناء الغزو الأمريكي للعراق، بعد نكسة 1967: “روائي يفقد ثقته بالكلمة، إلى حد اعتبارها قد تعهّرت، فيتمنى لو أنّه يرسم، بل هو يحاول في الرسم. من جهته، فنان مغترب لم يعد يكتفي بلغة الخط واللون والكتلة، يريد ‘البوح’ حسب تعبيره المفضل، البوح بالكلمات“(1).

ولد مروان قصاب باشي في دمشق سنة 1934، درس الأدب العربي في الجامعة السورية عامي 1955 و1957، ثم هاجر إلى برلين صوب المعهد العالي للفنون الجميلة قصد دراسة الفن التشكيلي، وقد ساهم قبل ذلك صحبة أسماء أخرى في تطوير هذا الفن داخل بلده، فحاز عام 1955 على الجائزة الأولى خلال معرض دمشق عن تمثاله “الجوع“.

تقول إحدى الروايات بأنّ قصاب باشي تطلّع بداية للسفر إلى باريس ودراسة الفنّ هناك، لكن انقطاع العلاقة الدبلوماسية بين فرنسا وسوريا نتيجة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 أرغمه على البقاء في ألمانيا لغاية وفاته عام 2016 عن سنّ الثّانية والثّمانين. يقول: “وصلتُ برلين في العاشر من أيلول 1957… مِرآة حساسة للعلم بين الشرق والغرب. فيها رسمتُ قصتي، وفيها وجدتُ دمشقي. دمشق أيقونة في قلبي ومصدر إلهامي وفني. نمتُ في برلين وحلمتُ بدمشق، من نهر بردى رويتُ بحيرات برلين، ولولا دمشق لما سارت السواقي واستمرت المسيرة“.

شكّل يوميات معرضه في برلين سنة 1976 فرصة محورية ونوعية للتّعريف باسمه وإبداعاته الفنية، عُيِّن بعدها خلال السنة الموالية أستاذاً زائراً في معهد برلين للفنون الجميلة، ثم واحداً من المرجعيات التي تبلورت ملامحها حقبة الستّينات تحت عنوان “التشخيصية الجديدة”، وعضواً في المجمّع الفني البرليني، ثم اكتشفه العالم العربي أو تحديداً النخبة الفنية بعد معرضه الفردي في بغداد عام 1980.

حظي نتاجه بعدّة جوائز منها: جائزة النحت الأولى في معرض الربيع بدمشق عام 1956، جائزة كارل هوفر للرسم عام 1966، جائزة فريدريك تايلر عام 2002، جائزة المنتدى الثقافي اللبناني للإبداع الأدبي عام 2005، نفس السنة التي رجع فيها إلى سوريا بعد رحلة خارج الدّيار قاربت نصف قرن، قصد المشاركة في تظاهرة فنية نظَّمتها المفوضية الأوروبية والمركز الثقافي الألماني (غوته).

حينها استعادت الذاكرة وضعها الطبيعي، لأنّه مكث خلال كل سنوات الرحيل عن الوطن يستعيد طفولته وشبابه عبر نوستالجيا دمشق وأبوابها ومداخلها وحاراتها: “لن يستطيع مروان الرسم إن لم يستعد نور دمشق“(2).

سُئِل قصاب باشي عن سرّ شغفه بالرسم؟ أجاب بأنّ الرسم “تجربة الإنسانية مع المآسي خلال القرن العشرين”. لذلك، انصبّت هواجسه الإبداعية وأماطت لوحاته اللّثام عن ألغاز الوجه الإنساني وتعبيراته الوجودية، الحكاية التي ابتدأت نتيجة تأثير السياب. يقول بهذا الخصوص: “عندما اكتشفت شعر بدر شاكر السياب، شعرت بالدهشة إذ أنّ العوالم العاطفية والنفسية والمجازية في شعره تشبه إلى حد كبير عوالمي كفنان، ذلك أنّ جوهر تجربة العيش في هذا العالم في القرن العشرين التي يصورها، والشعور بالوحدة والحزن والقسوة والظلم، فضلاً عن النشوة والسحر، هي في صلب عملي“.

أيضاً اشتغل خلال نفس الفترة على وجه منيف الرزاز (نائب ميشيل عفلق مؤسِّس حزب البعث) وصديق وكذا جار مروان قصاب زمن أيّام دمشق، بل انتمى إلى الحزب العتيد بتوجُّهه القومي خلال تلك الفترة السياسية الزّاخرة بالأحلام الكبرى على مستويات النهضة الشاملة، بحيث كان مندوباً للحزب في ألمانيا وسويسرا بين سنوات 1957 و1962، لكنه آثر الاستقالة مبرِّراً قراره بما يلي: “بعد أن دخل أستاذي ومعلمي إلى محترفي في أحد الأيام، وقال وهو يقف ورائي بعبارات بسيطة ومباشرة: إنّ الوقت قد حان لكي تختار ما إذا كنت تريد أن تصبح فناناً أو مناضلاً سياسياً. غادر فشعرت بكلماته وكأنّها تطعنني. فكرت في أنّ فناناً ناجحاً سيكون أكثر فاعلية بكثير من ناشط سياسي، فقدمت استقالتي إلى الحزب“.

بعد تحرُّره من وطأة فورية السياسة، انزوى داخل ورشته في برلين كي يتأمّل ويستنبط مختلف تعابير الوجه البشري، لاسيما الوجوه المشهدية وفق عبارة الشاعر أدونيس، تكرّر ظهورها على امتداد مساره الفني الذي تجاوز خمسة عقود من الزمان، من خلال الوجوه العمودية ثم الدّمى أو “الماريونيت” بحيث شَغَل رأس الدّمية مجمل فضاء اللوحة، وأخيراً مرحلة الرؤوس مستنداً على مرجعيات نظرية وأسلوبية نهلت من الواقعية والانطباعية والتعبيرية والدادائية والسريالية.

الانشغال بإيماءات الوجه قصد فهم مصير العالم وتشكُّلات التراجيديا البشرية: “فبينه وبين ‘الوجه’ علاقة عاشق بمعشوق. هكذا أفهم لماذا أراد مروان أن يوضع في مقدمة كتاب عبد الرحمن منيف هذا الاستشهاد من الحلاج: ‘رأيت ربّي بعين قلبي فقلت من أنتَ؟ قال أنتَ’. هو بحث عن هوية الأنا من خلال استنطاق هوية الآخر“(3).

وصل مروان قصاب باشي إلى برلين “قَدَره” -حسب تعبيره- يوم العاشر من أيلول 1957، لكن طفولته في “جنة مفقودة اسمها دمشق وفي بستان الأب في غوطة دمشق”(4)، استمرّت دائماً تسكن إيقاع أنفاسه: “وقد بنيتُ عشّي في برلين وهي (دمشقي)، ثم إنّ برلين أو دمشقي هي مرسمي، وهو العشّ الحار حيث (غزلتُ) به عاماً بعد عام القسط الأكبر والهام من حياتي“(5).

الهوامش:

(1) في أدب الصداقة: عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي، تقديم فواز الطرابلسي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع. الطبعة الأولى 2012، ص 7. (2) نفسه، ص 8. (3) نفسه، ص 10. (4) نفسه، ص 8. (5) نفسه، ص 16.

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!