مسرحنا بين علم الجمال وفلسفة الأخلاق
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
يقول مولانا جلال الدين الرومي: (توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز). نعم، هو الماء يمكن أن يطهر الأبدان، ويطهر الأثواب التي على الأبدان، ولكن، هل يمكن أن يطهر النفوس، وأن يطهر العقول، وأن يطهر العلاقات بين الناس، وأن يطهر الأرواح؟ أما الاحتفالي الذي يسكنني فإنه يقول ما يلي: (توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن ممارسة المسرح بقلب حاقد وبوعي حاسد لا تجوز).
وما أكثر الذين يمارسون شعيرة هذا المسرح بدون وضوء، وبدون إيمان، وحتى من غير أن يكونوا متطهرين، ومن غير أن يدخلوا محراب هذا المسرح بنوايا حسنة وبقلوب صافية. وهذا المسرح العربي قد تكون به جماليات، وهي موجودة بكل تأكيد في كثير من الإبداعات، ولدى كثير من المبدعين، ولكن يبقى أن نتساءل: وبماذا يمكن أن تفيدنا الجماليات البصرية، عندما لا تصدر عن الإنسان الجميل وعن الفنان النبيل؟
وقد تكون بهذا المسرح أفكار كثيرة، جادة وجديدة، ولكنها في مجال الأخلاقيات فهي فقيرة جداً جداً، وأي جديد يمكن أن يكون في هذا القبح الذي في العالم، إذا أضاف له المسرحي قبحاً آخر من عنده؟ وما الذي يمكن أن يتغير في هذا العالم الطبيعي الواقعي، إذا نحن استنسخناه كما هو، وأضفنا إليه شيئاً من قبح أنفسنا ومن قبح أخلاقياتنا ومن قبح سلوكياتنا ومن قبح علاقاتنا، وقلنا بأن كل هذا القبح ليس من عندنا، ولكن من عند الواقعية السطحية المكذوب عليها؟
ونعرف أن هذا الذي نسميه “النقد المسرحي” يهتم فعلاً عندنا بما نكتب، ويهتم بما نقول، ويهتم بما نفعل على خشبات المسارح، ولكنه لا يهتم بصدق ولا بمصداقية هذا المسرحي المبدع، ولا يلتفت لجماله الداخلي ولا لقبحه الحواني الخفي. وفي الفضاء المسرحي العربي اليوم، تماماً كما كان في الماضي، كثير من الغش ومن الغشاشين، وفيه كثير من المهربين، وفيه كثير من الطغاة، وفيه كثير من المدعين، وفيه كثير من المزيفين، وهذا شيء ينعكس على صورة المسرح، في شموليتها وفي جزئياتها المتعددة والمتنوعة. ومثل هذه الصورة المشوهة، متى يتفضل النقد المسرحي العربي بأن يلتفت إليها؟ وكثير من الأسماء، في هذا النقد المسرحي الانتقائي، تبحث عن الجماليات في الجسد، ولا تنتبه إلى أن الجماليات الأخرى التي في النفوس وفي العقول وفي الأرواح، هي الأصدق بكل تأكيد.
جماليات بلا أخلاق وأخلاق بلا جماليات؟
وهناك اليوم من يقول بأن هذا المسرح هو مجرد فن من الفنون، أما نحن، في الأسرة الاحتفالية، فإننا نؤكد على أن هذا المسرح هو أبو كل الفنون الجميلة والنبيلة، وهو أبو كل العلوم، وهو أبو كل الفكر الإنساني، وأبو كل الصناعات. وفي المقابل، فإنه لا بد من أن نطرح على أنفسنا التساؤلات التالية: وماذا يمكن أن نقول اليوم عن وجود بعض العيون التي لا جمال فيها، وعن وجود كثير من العقول التي لا جمال فيها، وعن وجود كثير من النفوس التي لا جمال فيها؟ وبأية عين يمكن أن نرى في هذا الوجود جمالياته، وبأي عقل يمكن أن نتأمل جماليات الأفكار والمعاني الجميلة؟ وكيف يمكن أن تتمثل في هذه الحياة المتعددة الجوانب جانبها العاقل؟
وبحسب الاحتفالي، المفكر والمبدع، فإن العيون والنفوس والأرواح التي بها مرض، فإنه لا يمكن أن يكون لها غير معنى واحد، وهو أنها بريئة من أي نسب حقيقي يمكن أن يربطها بالمسرح الحقيقي، وبفلسفة المسرح وبأخلاقيات المسرح. وفي قلب الاحتفالي، وفي روحه ووجدانه، تلتقي كل الأضداد المختلفة، والتي يمكن أن تأتي من جهات مختلفة، ولكنها تتحاور مع بعضها البعض، وتقبلها في هدوء تام، وتتفاعل معها وتتكامل بها، من غير أن ينفي جانب منها الجوانب الأخرى، وهكذا هو المسرح، فهو تناوب في تناول الكلمة، وهو تناوب على الظهور تحت الأضواء، وهو تناوب في المتوقع على خشب المسرح. وفي فعل هذا التناوب يختفي فعل الاحتكار، والذي هو فعل غير مسرحي وغير إنساني وغير مدني، ولا علاقة له بسوسيولوجيا المسرح.
وهذا العالم، في عين الاحتفالي بشكل خاص، هو عالم مركب وغني ومتعدد وماكر، وبهذا فإن وجود علم واحد فيه لا يكفي، ووجود فكر واحد لمقاربته لا يكفي، ووجود منهجية واحدة لا تكفي. ولهذا فقد كان الاحتفالي، في فكره وفي علمه وفي فنه، موسوعياً، وكان ضد الاختصاص الضيق. وكانت الاحتفالية مجموعة علوم ولم تكن علماً واحداً، وكانت عدة فنون ولم تكن فناً واحداً، وكانت مجتمعات ولم تكن مجرد جماعة أو مجرد فرقة، وهي في الأصل قراءة أو إعادة قراءة لكل الفكر الإنساني عبر التاريخ.
وتنطلق الرؤية الاحتفالية من الفكرة الأساسية والمحورية التالية: وهي أن هذا المسرح هو لقاء قبل كل شيء، ولقاء إنساني ومدني بالضرورة، وأنه في هذا اللقاء يحضر فعل الحضور، وفيه يغيب الغياب، ويغيب فعل النميمة وفعل الاغتياب. وهل يمكن أن يكون للنميمة معنى إلا بفعل وجود الغائبين والمغيبين؟ وفي فعل هذا الحضور الإنساني، الجميل والنبيل، نتحرر من الوحدة ومن العزلة ومن الانعزال، وتتحرر “الأنا” من الأنانية التي بداخلها، لتصبح في درجة “النحن” والنحنية، ونصبح ذاتاً جماعية أوسع وأكبر، ويصبح الإنسان بداخلنا في درجة الإنسانية، ويصبح المجتمع المسرحي مجتمعاً كونياً، يتعدى حدود الجغرافيا وحدود التاريخ وحدود القوميات وحدود الثقافات واللغات.
وفي خلافه مع الذين لا يقبلون الاختلاف ولا يقبلون التعدد، يقول الاحتفالي ما يلي: هم يرون التضاد في التعدد، ولا يرون فيه التكامل، ولا يرون فيه الغنى، وهذا كون الذي نحيا فيه هو كون واحد أوحد، تتعدد فيه المظاهر والظواهر لتعزف كلها لحناً واحداً، وأي خروج عن هذا اللحن هو نشاز وفوضى غير منظمة وغير مرتبة.
وفي “الرحلة البرشيدية” حوارية عن علاقة الإنسان بالساعة، وأنا أعرف أن عدد الساعات في اليوم الواحد محدودة ومحددة، ومن داخل هذه الساعات فإنني أجدد وأتجدد وأخضر وأغيب وأبدع وأكتب، ولا أحاول أن أبحث لي عن ساعة إضافية وأقول عنها هي الساعة الخامسة والعشرون. وبنفس هذه الحروف التي في هذه اللغة العربية، كتبت كل الذي كتبت، وإنني لا أدعي بأنني أبحث عن لغة جديدة بأبجدية جديدة، ولقد كتبت عن ابن الرومي بنفس لغة ابن الرومي، وكتبت عن ابن رشد بنفس لغة ابن رشد، وكتبت عن جحا بنفس لغة جحا، والتي هي لغات إنسانية وكونية عابرة للقارات وعابرة للثقافات.
الجمالي والأخلاقي في المشروع المسرحي
نظرة الاحتفالي هي نظرة شاملة ومتكاملة، وهو ينظر إلى المسرح العربي باعتباره مشروعاً فكرياً وجمالياً وأخلاقياً واحداً، في حين ينظر اليوم كل مسرحي في هذا المسرح على أنه هو المسرح، وعلى أنه هو وحده الموجود، وعلى أنه هو بداية التاريخ وهو نهاية التاريخ، وأنه هو العلم، وهو الجمال والكمال.
وهذا الإيمان لدى الاحتفالي بمحدوديته أمام لا محدودية العلم المسرحي والفن المسرحي، ليس ظرفياً، وليس حالة طارئة، ولكنه إيمان بعظمة المسرح، في بنيته الفكرية والوجدانية والروحية، ولهذا يكون من حق الاحتفالي أن يقول مع الشاعر الفارس أبي فراس الحمداني: (فقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر). وبالتأكيد فإن إيمان المؤمنين يغلب كفر الكافرين، مهما ظهر لهم أنهم انتصروا في معركة واحدة من المعارك الهامشية، والتي لا معنى ولا قيمة لها.
إن اهتمام المبدع الاحتفالي بالأخلاق ليس ترفاً، وليس وليد هذا اليوم، وهو بالتأكيد جزء من فلسفته العامة، ومن إيمانه بأن فلسفة الأخلاق هي جزء من الفلسفة. وما يهم الاحتفالي هو المبادئ الإنسانية قبل كل شيء، والتي لا يمكن أن تكون خاضعة لأي شكل من أشكال الانتقائية الخاصة، إما لفئة من الفئات أو لجهة من الجهات أو لحالة معينة من الحالات، أو لحقبة خاصة في التاريخ.
وتتمة لما جاء في كتاب (فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفيما وراء اليومي)، أكتب اليوم هذا النَّفس الجديد عن أخلاقيات المبدع المسرحي، في مسرح الوجود وفي المسرح المسرحي معاً. وفي هذه الفلسفة الاحتفالية، وكما يتجلى ذلك في كل الكتابات الاحتفالية، وفي كل مواقف الاحتفاليين، نجدها تعتمد أساساً على قيمة الحرية، وعلى قيمة الإنصاف والعدالة، وعلى قيمة الحق، وعلى قيمة الحقيقة، وعلى قيمة الجمال، وعلى قيمة الحوار، وعلى قيمة التعدد والاختلاف.
وكما يعرف الجميع، فإن هذه الاحتفالية لا اتهامية فيها، ولا تصنيف ولا تصفيف ولا ترتيب ولا تخوين ولا تجريم ولا تحريم، وهي لا تقول هذا خير ولا هذا شر، ولكن نقول هذا جميل وهذا غير جميل، لأنها تعرف أن الجميل ينطق لغته الخاصة، والتي هي لغة الجمال. وهي لا تقول هذا سلوك إنساني وهذا سلوك حيواني، ولا تقول هذا سلوك حضاري وهذا سلوك وحشي وغير مدني، لأنها تدرك أن الحلال بيّن والحرام بيّن، وأن كل شيء يقول نفسه بنفسه، وأنه لا يحتاج لترجمة خائنة ولا لترجمان مزيف.
إن هذا المسرح الاحتفالي يبحث في الجماليات في كل أبعادها ومستوياتها وتجلياتها المتعددة والمتنوعة، يبحث عنها في الكلمة وفي العبارة وفي الحركة وفي الصورة وفي العلاقة وفي الإشارة، تماماً كما يبحث عنها في السلوك الإنساني والمدني، وفي العلاقات الإنسانية الجميلة والنبيلة قبل كل شيء. وبالنسبة للمفكر الاحتفالي، فإنه لا يكفي أن تكون فناناً مبدعاً كبيراً، إذا لم تكن تعرف كيف يمكن أن تكون إنساناً أولاً، وكيف يمكن أن تكون إنساناً اجتماعياً في المجتمع المسرحي، وأن تخرج من أنانيتك الوحشية إلى النحنية الإنسانية. وفي هذا المعنى يتساءل الاحتفالي: وهل يستوي ذلك الذي قال: (فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي.. سحائبُ ليس تنتظم البلادَا)، والذي هو فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة أبو العلاء المعري، بذلك الذي قال -وهو في حالة وجدانية خاصة: (إذا مِتُّ ظمآناً فلا نزل القطرُ)، والذي هو أبو فراس الحمداني من داخل سجنه، والذي كانت حالته حالة خاصة؟
ولعل هذا هو نفس ما عبرت عنه “مريمة” في مسرحية (عرس الأطلس) التي قالت: (ممنوع الغنا حتى نغنيو كلنا، وممنوع الهنا حتى نتهناو كاملين). ومثل هذه “الأخلاق” الوحشية هي التي تسم مسرحنا المغربي والعربي في جانب كبير منه، والذي يحضر فيه الذين لا يسمحون للسماء أن تمطر إلا عليهم وحدهم، وأن لا يطرق رسول الإبداع والإلهام إلا أبوابهم وحدهم، وأن لا تكون العبقرية إلا لهم وحدهم دون غيرهم. هؤلاء الذين يفرحون وحدهم في ملتقياتهم ومهرجاناتهم الخاصة بهم، والذين (يحتفلون) وحدهم، مع أن شريعة الاحتفال تقتضي المشاركة والاقتسام، وفي مثل هؤلاء قال الشاعر العربي: (الآكلون خبيث الزاد وحدهمو، والسائلون عن ظهر الغيب ما الخبرُ). هم يأكلون خبيث الزاد، ويعيشون خارج التاريخ، وهم يظنون أنهم يفعلون شيئاً مهماً في التاريخ، مع أن ما يفعلونه هو اللا شيء وهو اللا حدث، ومن يفعله هم اللا أحد.
إن الخط المستقيم هو الخط الاحتفالي، وهو يعبر عن الاستقامة في الفكر والفن والأخلاق، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي في كتاب (الاحتفالية: مواقف ومواقف مضادة) الكتاب الثاني ما يلي: (وبالنسبة للاحتفالية فإن المهم فيها، أو الأهم دائماً، هو الخط المستقيم، ولأن الخط يعشق ذاته، فإنه يعود إلى بدايته وإلى منطلقه، وبذلك فإنه يصبح دائرة، ويكون مماثلاً لخط الطبيعة، ويكون مشابهاً لخط الحياة، ويكون محاكاة لخط الوجود. ويكون الأساس في هذا الخط هو العشق دائماً، أي عشق المتعالي، وعشق الجمال، وعشق الحركة، وعشق الكلام، وعشق الكتابة، وعشق الروح، وعشق التعييد، وعشق التفكير، وهي ذاتٌ تفكر، وتعرف (طبيعة) الموضوع الذي تفكر فيه، وتعرف حدود هذا التفكير وتعرف مبتداه، ولا يهمها أن تعرف منتهاه). وهي واضحة كل الوضوح، وتمشي دائماً إلى مقاصدها الجميلة والنبيلة بدون لف ولا دوران.
آخر الكلام
وبحثاً عن مسرح ممكن الوجود، يقول المفكر والمبدع ما يلي: مسرحنا اليوم، وفي أغلب نماذجه، فيه كثير من الأنانية، وفيه كثير من الانفعالية، وفيه كثير من الاتهامية، وفيه كثير من العدوانية، وفيه كثير من المزاجية، وفيه كثير من الانتقائية، وفيه كثير من عمى الألوان، وفيه كثير من التحكم، وفيه كثير من الاستبداد الإداري، وفيه كثير من التحكم ومن السلطوية، وهذه بعض أمراض وأعطاب هذا الذي نسميه المسرح العربي، التي تحتاج إلى بروتوكول علاجي مستعجل.
في هذا المسرح المغربي-العربي توجد نقابات واتحادات وهيئات مسرحية كثيرة، ولكنه -في المقابل- يغيب الدستور الذي ينظم العمل المسرحي، كما أنه لا وجود لميثاق أخلاقي يلزم المسرحيين بالأخلاق المسرحية، تماماً كما هو موجود في المجال الرياضي الذي يحتكم إلى ما يسمى بالروح الرياضية، أو ما يسمى بالأخلاق الرياضية.
وهناك في المسرح المغربي العربي فئة عرفت كيف تشعل الحرب ضد الاحتفالية، ولكنها لا تعرف اليوم كيف توقفها، ولا شيء أسهل من أن تشعل النار، ولكن الصعب والأصعب هو كيف تطفئها. إن الذين يكسرون الزجاج لا يعرفون أن شظايا هذا الزجاج هي التي تجرح من يلمسه، ولذلك يقول لكم الاحتفالي: احذروا ردة فعل الزجاج المكسور.
