معرض الرباط للكتاب: في الحاجة إلى “خيال تنظيمي” يجدد المسار
صدوق نورالدين
تصورات ومقترحات
1/
بدءا تجدر الإشارة إلى أني في هذه الكتابة عن الدورة (31) من معرض الرباط التي اختير تنظيمها بين (30 أبريل) و(10ماي) 2026، لن أصدر عن خلفية ذاتية مؤداها الرغبة في المشاركة أو البحث عن مكانة ما، إذا ما ألمحت لكوني استنكفت عن المشاركة منذ مدة في اللقاءات الثقافية والأدبية كيفما كانت الجهة المنظمة.
2/
بيد أن ما تتشكل في ضوئه هذه الكتابة، إنما تصورات ترتبط من ناحية بالتنظيم، المشاركة، إلى اقتراحات هدفها الرئيس إنصاف أسماء فكرية وأدبية من شأن الاهتمام بها الإضافة للدورة القادمة، علما بأن معرض الكتابة والنشر لا يجب أن يفرد معظم أنشطته لسياق وظرف ما، وكأن المغرب الثقافي بتاريخه وحضارته لم يعرف قامات فكرية، ثقافية وأدبية بامتداد جغرافيته. وإذا ما كانت اللجان المشرفة على التنظيم فقيرة الخيال، فإن لنا حق إبداء الرأي وبسط التصور الذي من شأنه الرفع من مكانة معرض يمر دون قوة الصدى عند كل دورة من دوراته لطبيعة تكرار أسماء، محاور وندوات. وتحق المقارنة على مستوى البرمجة الثقافية بين الوارد في دورة وثانية، على الأقل لتجديد المسار وإكساب كل دورة خصوصيتها وفرادتها.
3/
إن ما يجدر التفكير فيه بداية من حيث التنظيم، ضرورة إفراد كل دورة من دورات المعرض القادمة لشخصية فكرية مغربية تحمل اسم الدورة وتتم دراسة منجزها انطلاقا من ندوات يشارك فيها المختصون والمهتمون، إلى إعادة نشر أعمالها وتوفيرها بأثمنة في متناول القارئ. ويمكن التمثيل ب: الأستاذ عبد الله العروي، علي أومليل، طه عبد الرحمن، الراحل محمد عابد الجابري، عبد الكبير الخطيبي، عبد الكريم غلاب، علال الفاسي وعبد الهادي بوطالب عليهم جميعا واسع الرحمة والمغفرة. ذلك أن من شأن هذا الإفراد المتميز تحقيق مكانة لدورة المعرض.
4/
درج المسؤولون على الشأن الثقافي لما يراد التقديم لأي دورة من دورات المعرض، الإشارة إلى التنوع الذي لا نكاد نلمسه في الواقع. وأود في هذا السياق التقدم بمقترح يتعلق _ أساسا_ بالاحتفاء بصناع النشر ونهضة الكتاب في المغرب ممن غادرونا إلى دار البقاء. وأشير بالضبط إلى: محمد القادري الحسني وعبد الحفيظ الكتاني (دار الثقافة)، نزار فاضل (المركز الثقافي العربي) والحاج الرايس (مطبعة النجاح الجديدة). فهذه الأسماء رسخت تقاليد النشر وتداول الكتاب بالمغرب، إذا ما ألمحت لسياقات تاريخية هيمن فيها الكتاب المشرقي، بل إن دورا مغربية في فترات تاريخية جنحت إلى طبع الكتاب المغربي في المشرق برغم التكاليف المادية والأعباء التجارية. والواقع _ كما سلف_ أن هذه القامات:
أ/ أسهمت في ترسيخ صناعة الكتاب بالمغرب.
ب/ أقدمت على تجويد مادة الكتاب من حيث جمالية الغلاف التي يعد لبنان حقيقة وموضوعية الأكثر حضورا وفرضا للذات بخصوصها.
ت/ التعريف بالأسماء الأعلام من مفكرين وأدباء، وبخاصة من طرف الدور التي امتازت بكونها تمتلك فروعا للطبع في لبنان.
وتحق الإشارة في هذا المقام إلى أن هذه الدور لم تنحصر وظيفتها في الطبع والنشر فقط، وإنما خلقت جسرا ثقافيا تنويريا بين المشرق والمغرب، حيث عملت على استيراد الكتاب العربي والترويج له مما مكن من مسايرة النهضة الفكرية والأدبية العربية. وبالتالي الإسهام فيها تأليفا ونقاشا.
5/
إن مما يجب أن تتميز به أية دورة من دورات معرض الكتاب، تخصيص جوائز تحفز الناشر على تحسين وتجويد ما يقدم على نشره، كما تدفع القارئ إلى التلقي الفاعل والمنتج. من ثم لي أن أقترح:
1_ إفراد جائزة أولى لأهم ناشر قدم إصدارات تجسد قيمة وإضافة دالة.
2_ وثانية تتعلق بأحسن غلاف لفت النظر، من حيث التصميم والتناسق اللوني والحرف المعتمد عند كتابة العنوان.
3_ وثالثة لأفضل نص روائي مغربي طبع في (2025) أو (2026). على أن يكون الطبع تم في المغرب لاسم جديد. وهو التحفيز للجيل الجديد على الكتابة، القراءة والنشر.
4_ ورابعة لأحسن ديوان شعري مغربي يحمل المواصفات السابقة.
5_ والأمر ذاته بالنسبة لمجموعة قصصية.
6_ وأما الجائزة السادسة فللترجمة، سواء أكان الكتاب المترجم فكريا أو أدبيا، وعن اللغة الفرنسية أو الأنجليزية.
قد يذهب البعض إلى أن وزارة الثقافة والشباب والاتصال من منطلق كونها تفرد سنويا جائزة المغرب في فروع مختلفة، لولا أن جوائز المعرض تمتلك خصوصياتها على مستوى الإشعاع الثقافي، الفكري والأدبي. وهو المتداول في أكثر من معرض عربي وغربي.
6/
تقتضي أية دورة من دورات معرض الكتاب، تقديم وزارة الثقافة صورة عنها. هذه، تتمثل في عرض ما تقدم على إصداره ونشره. بيد أن ما يلفت في حال وضعية هذه الوزارة، كونها لم تعد _ ومنذ أمد بعيد _ إلى إصدار المجلة الناطقة باسمها “الثقافة المغربية”. وكان الراحل محمد بن عيسى أعاد إصدارها تحت مسؤولية الأستاذ المقتدر والكفء عبد الكريم البسيري. وأسهم بالكتابة فيها أدباء وكتاب رسخوا تقاليد الإبداع والتأليف. واستكمل الإصدار في الفترة التي تولى فيها مسؤولية وزارة الثقافة الأستاذ محمد الأعرج. على أن ما انطبعت به المرحلة الراهنة غياب المجلة، إذ من غير المستساغ أن لا تكون للمغرب مجلة _ ولو فصلية _ تعكس صورة الحياة الثقافية في المغرب مثلما أن من غير المقبول أن لا تكون للمغرب جريدة يومية ذات بعد عربي تعبر عن مواقفه وقضاياه وانشغالاته وتدافع عن صورته باعتماد الجرأة في الرأي والموضوعية في التصور بعيدا عن التفكير في الكسب. قد يقال بأن العصر اليوم لم يعد ورقيا، وهو تعليل يسقط في حال النظر إلى الصحافة العربية والعالمية المواظبة على الصدور والتداول والمحافظة على وفاء القارئ.
وإذا كانت مجلة “الثقافة المغربية” لم تعد، فإن مما يؤسف له على السواء التوقف على إصدار الأعمال الكاملة التي انبثقت فكرتها في زمن الوزير الشاعر والروائي محمد الأشعري. ونستحضر هنا على سبيل التمثيل الأعمال الكاملة للراحلين: محمد زفزاف، عبد الكريم غلاب، محمد الصباغ ومحمد الحلوي. وأيضا لكل من محمد عز الدين التازي، الميلودي شغموم، عبد الكريم الطبال، محمد السرغيني وغيرهم أمد الله تعالى في عمرهم.
فهل يا ترى يتعلق الأمر بشح في الموارد المالية؟ وبالتالي، ما القول في صيغ التدبير السابقة، أم أنه الفقر في الخيال _ كما سلف_ ويترتب عنه انتفاء القدرة على اتخاذ المبادرة وبسط التصور.
7/
ولعل ما يمكن أن أختتم به هذه التصورات والمقترحات، الدعوة إلى حفظ ذاكرة الأدب المغربي، انطلاقا من الاحتفاء بالأدباء الذين أسسوا لنهضة الأدب المغربي الحديث سواء من الذين غادرونا إلى دار البقاء، وندرج على سبيل التمثيل من الراحلين: الشاعر أحمد المجاطي، الروائي والقاص محمد زفزاف، القاص محمد غرناط، والناقد الأستاذ قمري البشير الذي لم يشغل موته اهتمام أحد، الروائي والقاص علي أفيلال وحسن الطريبق ومحمد بنعمارة. وأما من الأحياء فلنا أن نذكر الشاعر الأستاذ إبراهيم السولامي، محمد السرغيني وعلال الحجام والقاص أحمد بوزفور، الروائي محمد صوف والقاص المصطفى اجماهري. وأعتذر مطلق الاعتذار لمن فاتني ذكره.
8/
تبقى هذه تصورات ومقترحات الغاية من بسطها التذكير أولا، والعمل من خلالها ما أمكن سواء في هذه الدورة القادمة من دورات معرض الكتاب.
