معركة السنابل: كيف تحول الرغيف العربي إلى ورقة ضغط في الدبلوماسية الأمريكية؟
الدكتور عبد الواحد غيات
♦ في عالم ما بعد “العولمة البريئة”، لم يعد الغذاء مجرد تجارة، بل تحول تدريجيًا إلى أحد أكثر أدوات النفوذ حساسية. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات أو الدرون والطائرات النفاثة، بل بالقدرة على التحكم في تدفقات القمح، وسلاسل الإمداد؛ حيث يُعد العالم العربي اليوم أكبر مستورد للقمح في العالم، بنسبة اعتماد تتجاوز 50% من احتياجاته الأساسية، حسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAOSTAT) مما يجعل “الرغيف” جبهة استراتيجية مكشوفة♦
كلمات مفتاحية: الأمن الغذائي العربي، السيادة الوطنية، سلاسل الإمداد، الدبلوماسية الأمريكية، القمح، المغرب والإصلاح الهيكلي.
لماذا الآن؟
في السنوات الأخيرة تحوّل الأمن الغذائي من قضية اقتصادية إلى ملف سيادي مرتبط مباشرة باستقرار الدول وقدرتها على حماية أمنها الداخلي. ويعود ذلك إلى تزايد هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، خاصة لدى الدول التي تعتمد على استيراد القمح والحبوب الأساسية. وقد كشفت الحرب الروسية–الأوكرانية منذ 2022 حجم المخاطر الناتجة عن الاعتماد على مصادر محدودة، بعد اضطراب صادرات البحر الأسود وارتفاع الأسعار وتكاليف النقل والتأمين. كما عمّقت تداعيات جائحة كوفيد-19 وتقلبات أسعار الطاقة هذا الانكشاف، وأظهرت أن الأسواق الغذائية لا تضمن الاستقرار في أوقات الأزمات.
وفي الوقت نفسه، ساهم تصاعد النزاعات الإقليمية في مناطق مثل غزة وسوريا في خلق ضغوط إضافية على الإمدادات، بينما بدأت دول متقدمة نفسها تتجه نحو سياسات التخزين وتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على التجارة العالمية. لذلك أصبحت اللحظة الراهنة لحظة حاسمة في النقاش حول السيادة الغذائية، حيث لم يعد “الاعتماد الغذائي” مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح عنصرًا استراتيجيًا من عناصر القرار الوطني.
مقدمة: الغذاء بوصفه بنية هيمنة لا مجرد سلعة
لم يعد الغذاء في النظام الدولي المعاصر مسألة إنتاج واستهلاك فحسب، بل غدا أحد مفاتيح القوة الحديثة، حيث تتقاطع سلاسل الإمداد، والتشريعات، وشبكات التجارة العالمية مع القرار السياسي للدول. وفي هذا السياق، تتخذ “الدبلوماسية الغذائية” طابعًا يتجاوز المعونة الإنسانية إلى هندسة الاعتماد طويل الأمد، بما يجعل الخبز جزءًا من معادلات النفوذ، لا مجرد سلعة في السوق.
يناقش هذا المقال الكيفية التي أسهمت بها الولايات المتحدة، عبر تشريعاتها وبرامجها الغذائية، وبالتوازي مع نفوذ كارتيلات الحبوب العالمية وشركات البذور والكيماويات التي تسيطر على ما يقارب 90% من تجارة الحبوب عالميا، في إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك والبنى الزراعية في العالم العربي، بما أفضى إلى تبعية غذائية ذات آثار سيادية مباشرة. كما يحاول المقال إظهار أن “الفجوة الغذائية العربية” ليست مجرد عجز اقتصادي، بل ثغرة استراتيجية تُقاس بكلفة الاستقلال الوطني في لحظات الأزمات.
الرغيف بوصفه جبهة سيادية في صراع غير معلن
تُظهر خبرة العقود الأخيرة أن الصراعات لم تعد تُدار حصريًا عبر أدوات القوة الصلبة، بل باتت تُدار أيضًا من خلال أدوات تبدو “مدنية” في ظاهرها، مثل التحكم في السلع الأساسية. وفي مقدمة هذه السلع يأتي القمح، ليس فقط بوصفه مادة غذائية، بل باعتباره عنصرًا شديد الحساسية في الاستقرار السياسي والاجتماعي، خصوصًا في الدول التي يرتبط فيها الأمن الاجتماعي بآليات الدعم وتوفير الخبز بأسعار منخفضة.
ضمن هذا الإطار، يصبح التحكم في الغذاء ــ سواء عبر الأسعار أو التدفقات أو التمويل أو شروط الاستيراد ــ عاملًا قادرًا على تقليص خيارات الدولة المستوردة في لحظات الأزمات. فالتهديد بتعطيل سلاسل الإمداد أو رفع كلفة الاستيراد لا يقل أثرًا ــ في بعض السياقات ــ عن الضغط السياسي المباشر، لأنه يمس المجال الأكثر حساسية: الشرعية الاجتماعية للدولة.
وعليه، فإن مقاربة “الفجوة الغذائية العربية” بوصفها مجرد عجز اقتصادي أو اختلال تجاري لا تكفي. فالمسألة تتصل أيضًا بـ تكلفة السيادة: أي مقدار ما تخسره الدولة من قدرة على اتخاذ القرار المستقل حين يصبح غذاؤها الأساسي مرهونًا بمصادر خارجية وشبكات نقل وتسعير لا تتحكم بها.
من “الغذاء من أجل السلام” إلى هندسة الاعتماد طويل الأمد
تعود إحدى المحطات المؤسسة للدبلوماسية الغذائية الأمريكية إلى عام 1954، حين أقر الكونغرس الأمريكي القانون العام 480 (PL-480)، المعروف باسم برنامج “الغذاء من أجل السلام”، هذا البرنامج الذي قدم معونات لنحو 4 مليارات شخص في أكثر من 150 دولة على مدار عقود. وقد قُدِّم -هذا البرنامج- في خطاب سياسي وإنساني بوصفه دعمًا للدول المحتاجة، إلا أن بنيته العملية كانت تتقاطع بوضوح مع أهداف داخلية أمريكية، أبرزها تصريف فائض الإنتاج الزراعي الضخم الذي كان يهدد بتقلب الأسعار داخل السوق الأمريكية.
غير أن الأثر الأكثر عمقًا لهذا البرنامج لم يكن فقط في “المعونة” ذاتها، بل فيما أنتجه من تحول بنيوي في أنماط الاستهلاك والتزويد داخل الدول المستفيدة، حيث أدى تدفق القمح الأمريكي بأسعار تفضيلية أو بشروط تمويل ميسرة إلى إضعاف تنافسية الإنتاج المحلي في كثير من الدول النامية، ومنها دول عربية متعددة.
مع الزمن، لا يتحول الاعتماد على القمح المستورد إلى خيار مؤقت، بل إلى نمط مستقر ينعكس على بنية الاقتصاد الزراعي، وعلى أولويات الدولة، وعلى القطاع الصناعي المرتبط بالمطاحن والصوامع والنقل. ويُلاحظ في هذا السياق أن المعونات الغذائية لم تكن منفصلة عن شروط فنية وبنيوية، إذ جرى ــ في عدد من الحالات ــ توجيه بناء الصوامع والمطاحن وفق مواصفات تتناسب مع القمح الأمريكي اللين، ما يجعل العودة إلى أنماط إنتاج محلية مختلفة أو إلى أنواع حبوب بديلة عملية مكلفة من الناحية التقنية والاستثمارية.
بهذا المعنى، لم تعد السياسة الغذائية الأمريكية مجرد “تدفق مساعدات”، بل تحولت إلى إعادة تشكيل للبنية الغذائية في الدول المستوردة، بما يخلق اعتمادًا طويل الأمد يصعب تفكيكه دون تكلفة اقتصادية واجتماعية عالية.
من السوق إلى التحكم البنيوي في تدفقات الغذاء
بالتوازي مع الدور الحكومي الأمريكي، تتداخل سياسات الغذاء مع نفوذ الشركات العملاقة التي تهيمن على تجارة الحبوب العالمية، والمعروفة اختصارًا بـ “ABCD”، تتجلى خطورة هذه الشركات في كونها لا تعمل فقط كمصدّرين أو ناقلين، بل كفاعلين بنيويين يمتلكون أدوات واسعة للتأثير في السوق: السيطرة على سلاسل التوريد، التخزين، البيانات اللوجستية، عقود الشحن، ومراكز التوزيع، إضافة إلى قدرتها على التحوط والمضاربة في الأسواق المالية للسلع.
وفي السياق العربي، يتصل هذا النفوذ بمرحلة تاريخية اتسعت فيها سياسات “الإصلاح الهيكلي” التي قادتها المؤسسات المالية الدولية، والتي تضمنت في كثير من الدول إجراءات من قبيل: تقليص دعم الفلاح، خصخصة بعض المرافق المرتبطة بالغذاء، تحرير الاستيراد، وإضعاف الدور الاحتكاري للدولة في تجارة الحبوب. وقد أدى ذلك إلى توسيع هامش دخول الشركات العالمية إلى الأسواق المحلية، بحيث انتقل الأمن الغذائي من كونه ملفًا سياديًا إلى كونه جزءًا من ديناميات السوق العالمية.
وبذلك، يصبح الخبز في كثير من الدول المستوردة مرتبطًا بصورة مباشرة ليس فقط بقدرتها على الدفع، بل أيضًا بقرارات شركات عالمية تتحرك وفق منطق الربح والمخاطر السياسية، وليس وفق منطق الاستقرار الاجتماعي للدول المستوردة. ولا يمكن فهم تمدد نفوذ هذه الشركات دون التوقف عند أثر برامج الإصلاح الهيكلي.
المغرب: الإصلاح الهيكلي وتفكيك حماية الغذاء
يظهر أثر سياسات “الإصلاح الهيكلي” بوضوح في التجربة المغربية، حيث ارتبطت مراحل إعادة هيكلة الاقتصاد منذ ثمانينيات القرن العشرين بتوصيات مؤسسات التمويل الدولية الداعية إلى تقليص دور الدولة في تنظيم السوق، وإعادة ترتيب منظومة الدعم، وتحرير الاستيراد. وقد انعكس ذلك تدريجيًا على قطاع الحبوب والمواد الأساسية، عبر تقليص آليات الحماية التي كانت تمنح الفلاح المحلي حدًا أدنى من الاستقرار، وإضعاف قدرة الدولة على ضبط الأسعار أو التحكم في تدفقات الاستيراد. في هذا السياق، لم يعد الغذاء مجرد ملف اجتماعي داخلي، بل تحول إلى مجال يتأثر مباشرة بقواعد السوق العالمية وتقلبات الأسعار الدولية، بما يوسع هامش نفوذ الشركات العابرة للقارات ويجعل الأمن الغذائي أكثر ارتباطًا بمنطق التجارة والمضاربة منه بمنطق السيادة والاستقرار الاجتماعي.
وهكذا، يصبح تحرير سوق الحبوب مدخلًا لإعادة تشكيل الأمن الغذائي بوصفه مجالًا تابعًا للسوق العالمية لا لاعتبارات الأمن القومي.
من التحكم في القمح إلى التحكم في الجينات
لا تقتصر آليات السيطرة على التجارة والتشريع، بل تمتد إلى مستوى أعمق يتمثل في التكنولوجيا الزراعية وحقوق الملكية الفكرية. ففي العقود الأخيرة، صعدت شركات كبرى في مجال البذور والكيماويات الزراعية ــ مثل Bayer-Monsanto, Corteva, BASF, Limagrain, Syngenta ــ والتي تهيمن على أكثر من 60% من سوق البذور و75 %من سوق المبيدات، بوصفها فاعلًا مركزيًا في رسم مستقبل الزراعة العالمية.
يتمثل جوهر هذه السيطرة في ثلاثة عناصر مترابطة:
- الاحتكار عبر براءات الاختراع: حيث تصبح البذور “أصلًا معرفيًا” محميًا قانونيًا، بما يحد من قدرة المزارع على إعادة استخدامها أو تداولها خارج الإطار التجاري للشركة.
- ربط البذور بحزمة إنتاجية: تشمل الأسمدة والمبيدات المرتبطة بالنمط الزراعي المكثف الذي تروج له الشركات نفسها.
- إعادة تشكيل المعرفة الزراعية: من خلال تمويل البحث العلمي، وتوجيه السياسات الزراعية، وربطها بنماذج إنتاج تتطلب الاعتماد على منتجات الشركات.
هذا التحول يفضي عمليًا إلى ما يمكن تسميته بـ “التبعية التقنية”، حيث لا يعود المزارع مجرد منتج، بل يتحول تدريجيًا إلى مستخدم لتقنيات ومواد إنتاج مملوكة لشركات خارجية، بما يقلص استقلالية القرار الزراعي ويعيد تشكيل الريف اقتصاديًا وبيئيًا.
كما أن هذا النمط، في كثير من الحالات، يرتبط بإشكاليات بيئية معروفة: تدهور خصوبة التربة، زيادة الملوحة في بعض المناطق، تراجع التنوع الحيوي، وتراجع القدرة على استعادة الزراعة التقليدية أو العضوية بسهولة. وهو ما يجعل “التحرر الزراعي” لاحقًا أكثر كلفة وتعقيدًا.
الغذاء كأداة إدارة للصراع وكمخاطرة استراتيجية
تتجلى حساسية الغذاء بوصفه أداة قوة بصورة أكثر حدة داخل مناطق النزاع العربي، حيث تتحول المساعدات الغذائية ــ في كثير من الحالات ــ إلى عنصر ضمن معادلة إدارة الصراع، لا إلى سياسة إنسانية خالصة. ففي سياقات الحروب الممتدة، تصبح تدفقات الغذاء جزءًا من شبكة النفوذ: مناطق تحظى بدعم أكبر، وأخرى تُترك لتواجه مستويات أعلى من الهشاشة، تبعًا لتوازنات سياسية وأمنية معقدة.
أما في الاقتصادات الريعية، خصوصًا بعض دول الوفرة النفطية، فقد اتجهت نماذج التنمية خلال عقود إلى استبدال الإنتاج الزراعي المحلي بالاستيراد شبه الكامل، اعتمادًا على القدرة المالية العالية. غير أن هذا النموذج ينطوي على هشاشة استراتيجية واضحة: إذ إن المال وحده لا يكفي لضمان الأمن الغذائي حين تتعطل سلاسل التوريد، أو حين تتغير معادلات السياسة الدولية، أو حين تتعرض الممرات البحرية لاضطرابات.
من هنا، يصبح الاعتماد الكامل على الاستيراد ليس مجرد خيار اقتصادي، بل رهانًا على استمرار الاستقرار الدولي وعلى بقاء السوق العالمية مفتوحة دون ابتزاز سياسي أو أزمات لوجستية.
خاتمة: السيادة تبدأ من البذرة
تُظهر التجربة التاريخية أن الدبلوماسية الغذائية لا تعمل منفردة، بل ضمن شبكة واسعة تشمل التشريع، السوق العالمية، التكنولوجيا الزراعية، والمؤسسات المالية. وفي الحالة العربية، أسهم تداخل هذه العناصر في إنتاج اعتماد غذائي متزايد، لا ينعكس فقط على الاقتصاد، بل يمتد إلى بنية الدولة وقدرتها على اتخاذ القرار السيادي.
إن استعادة السيادة لا تعني الانغلاق أو رفض التجارة، بل تعني بناء حد أدنى من القدرة الذاتية: امتلاك سياسات بذور وطنية، حماية التربة من الاستنزاف الكيميائي، دعم المزارع المحلي، بناء مخزون استراتيجي مستقل، واستعادة الدولة لدورها التنظيمي في ملف الغذاء بوصفه ملفًا سياديًا.
ليس السؤال المركزي اليوم: “كيف نؤمن الاستيراد؟” بل: “كيف نعيد بناء الزراعة بوصفها مجالًا للسيادة؟”.
فالدولة التي لا تمتلك حدًا أدنى من استقلالها الغذائي، ستظل مضطرة ــ في لحظات الأزمات ــ إلى مواءمة سياساتها الخارجية مع شروط السوق العالمية، ومصالح الموردين، وتوازنات القوى الكبرى. وفي عالم يتجه نحو صراعات على الموارد، فإن معركة الاستقلال القادمة في العالم العربي قد تكون بالفعل “معركة السنابل”.
