مفاوضات مدريد: واشنطن تفرض خارطة طريق لحسم نزاع الصحراء
وكالات- السؤال الآن:
رغم محاولات التكتم، كشفت تقارير إعلامية إسبانية، عن انطلاق جولة مفاوضات حاسمة في العاصمة الإسبانية مدريد يوم أمس الأحد 8 فبراير 2026، برعاية أمريكية مباشرة.
تهدف هذه الاجتماعات، التي تُعقد في مقر السفارة الأمريكية، إلى كسر الجمود الطويل في ملف الصحراء الغربية. ويقود هذه التحركات مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، تنفيذاً لرؤية الإدارة الأمريكية الجديدة التي تعتبر حل هذا النزاع “أولوية قصوى”. وتتميز هذه الجولة بمشاركة رفيعة المستوى تشمل وزراء خارجية المملكة المغربية والجزائر وموريتانيا. بالإضافة إلى قيادات من جبهة البوليساريو.
تعد هذه اللقاءات امتداداً لمسار واشنطن الذي بدأ في يناير الماضي، حيث تسعى الولايات المتحدة لفرض واقع سياسي جديد يتجاوز لغة الشعارات نحو حلول عملية.
وفقاً لبعض المحللين الاسبان المتخصصين في الشؤون المغاربية، تشهد هذه المفاوضات تحولاً تقنياً لافتاً، حيث طلبت واشنطن من الرباط صياغة تفصيلية لمبادرة الحكم الذاتي. وانتقل المقترح من وثيقة مختصرة (3 صفحات) إلى مسودة قانونية شاملة تتجاوز 40 صفحة، تتضمن تفاصيل الإدارة المحلية والقضاء والسياسات المالية.
وتستند النقاشات إلى القرار الأممي رقم 2797، الذي يميل نحو واقعية الحل السياسي، مع استمرار تمسك الجزائر والبوليساريو بخيار الاستفتاء وتقرير المصير كشرط أساسي.
في سياق التحولات الأخيرة، تتبنى إدارة ترامب أسلوب “الدبلوماسية الخشنة”، حيث تضغط على الأطراف للتوصل إلى صفقة كبرى تنهي النزاع، مقابل حوافز اقتصادية واستثمارات ضخمة في المنطقة.
يأتي اختيار مدريد كمكان للتفاوض ليعكس الدور الإسباني الجديد الداعم للموقف المغربي، وهو ما أدى لتوترات دبلوماسية مع الجزائر بدأت تشهد انفراجة طفيفة تزامناً مع هذه المفاوضات.
في حين تتزامن هذه المفاوضات مع دعوات دولية لضبط النفس، وسط مخاوف من انهيار وقف إطلاق النار بشكل كامل إذا فشلت الدبلوماسية في تحقيق خرق حقيقي هذه المرة.
ويبدو أن واشنطن قررت وضع ثقلها الكامل خلف خطة حكم ذاتي معدلة وموسعة، محاولةً إيجاد صيغة ترضي طموحات الرباط السيادية ولا تستبعد المخاوف الجزائرية، في اختبار هو الأصعب للدبلوماسية الأمريكية في شمال أفريقيا منذ سنوات.
المفاوضات في الصحافة المغربية والجزائرية
تحليل ردود الفعل الأولية في الصحافة المغربية والجزائرية يُظهر تبايناً حاداً في القراءة والتعاطي مع جولة مفاوضات مدريد (فبراير 2026)، حيث يعكس كل طرف أولوياته السياسية في هذه المرحلة الدقيقة برعاية إدارة ترامب.
إذ ساد نوع من التفاؤل الحذر والتركيز على “جدية” الموقف المغربي في الصحف والمواقع المغربية (مثل هسبريس، تيل كيل، ويا بلادي).
وركز الإعلام المغربي على أن الرباط دخلت المفاوضات بـ “نفس هجومي”، من خلال تقديم مسودة تفصيلية من 40 صفحة تشرح آليات الحكم الذاتي، معتبرين ذلك رداً على الانتقادات السابقة بأن المقترح كان “مختصراً جداً“.
كما أبرزت التحليلات المغربية أن قيادة واشنطن للملف،عبر مسعد بولس، وتراجع دور بعثة المينورسو ميدانياً يعززان من فرص فرض الحكم الذاتي كخيار وحيد وقابل للتطبيق، مدعوماً بالقرار الأممي 2797.
وربطت الصحف بين هذه المفاوضات والاعترافات الدولية المتتالية – أمريكا وفرنسا وإسبانيا – بسيادة المغرب، معتبرة أن الجزائر وجدت نفسها مجبرة على الجلوس إلى الطاولة.
في المقابل، اتسمت ردود الفعل في الصحف الجزائرية (مثل أوراس، والمصدر)، بنوع من التشكيك والتمسك بالمبادئ التقليدية، حيث وصفت بعض المنصات والتعليقات الحديث عن وثيقة الـ 40 صفحة بأنها “بيع للأوهام” ومحاولة للالتفاف على قرارات تصفية الاستعمار، مؤكدة أن “المغالطات الصحفية” لن تغير من طبيعة النزاع القانونية.
ولا يزال الخطاب الإعلامي الجزائري يركز على أن الحل الوحيد هو “تقرير المصير” عبر الاستفتاء، مشدداً على أن حضور الجزائر في مدريد يأتي بصفتها “جاراً مهتماً” أو ملاحظاً، وليس طرفاً في النزاع كما يروج الإعلام المغربي.
لوحظ أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية ركزت في البداية على الجانب الثنائي لزيارة الوزير أحمد عطاف لمدريد (لقاء نظيره الإسباني) لبحث التعاون في الطاقة والتجارة، ممررةً أخبار المفاوضات الرباعية في قوالب دبلوماسية حذرة.
بينما يحاول الإعلام المغربي تسويق المفاوضات كبداية “لنهاية النزاع” تحت السيادة المغربية، يصر الإعلام الجزائري على أنها مجرد جولة أخرى لن تنجح في “تجاوز حق الشعب الصحراوي”، مما يعكس الفجوة الكبيرة التي يحاول مسعد بولس ردمها في مدريد.
