ملفات إبستين: حين يسقط القناع عن عمالقة السياسة والتكنولوجيا
عقيل وساف
في تطورٍ لحدثٍ مجتمعي أعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في التاريخ الأميركي الحديث، كشفت وزارة العدل الأميركية عن آلاف الصفحات الجديدة المتعلقة بقضية الملياردير الراحل جيفري إبستين. وبعد الحصول على وثائق رسمية خضعت لعمليات تدقيق وحجب لبعض أجزائها، فجّرت هذه الوثائق قنابل سياسية واجتماعية طالت رؤوس الهرم في واشنطن وعمالقة التكنولوجيا في «وادي السيليكون»، وسط تساؤلاتٍ عميقة حول فظاعة هذه الأعمال وثقافة المجتمع الأميركي المثيرة للاشمئزاز.
تورط الشخصيات البارزة وكشف المستور
إنَّ الرئيس الأميركي ترامب وشخصيات كبيرة أخرى، والتي يراها بعض أفراد المجتمع العربي متحضّرة وتحمل ثقافة الحرية والوعي الثقافي والدفاع عن حقوق الإنسان، تمّت إدانتهم، وكشفت هذه الملفات حقيقة تورّطهم في هذه الأفعال البذيئة. أشارت الوثائق المُعلن عنها، وبحسب ما تداولته تقارير غربية من بينها «التلغراف» و«الغارديان»، إلى ادعاءات خطيرة تمسّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ إذ كشف أحد الملفات في القضية عن ورود شهادة منسوبة لإحدى الضحايا تزعم فيها تعرّضها لانتهاكات جسيمة حينما كانت قاصراً (بين 13 و14 عاماً) قبل عقود، مشيرةً إلى تورّط ترامب في سياق أحداث جرت داخل أحد الفنادق وبمشاركة إبستين نفسه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تضمنت الملفات روايات أخرى عن حفلات كانت تُقام في منتجع «مارالاغو» بفلوريدا تحت مسمى «فتيات التقويم» (Calendar Girls). وتشير الادعاءات إلى أن إبستين كان يجلب فتيات قاصرات ليتم التنافس عليهن «كجوائز» بين ضيوف بارزين، في مشهدٍ يعكس استغلالاً مروّعاً للنفوذ واضطهاداً للحريات، متجاوزاً القيم الثقافية والوعي الذي يظنه المجتمع العربي تجاه هؤلاء الأشخاص. وذهبت بعض الإفادات إلى وصف عمليات «تقييم» مهينة كانت تخضع لها الفتيات لتحديد «جودتهن» قبل تقديمهن للضيوف، وهو ما شكّل صدمةً للمجتمع ككل، وعكس مدى تحضّر المجتمع الإسلامي مقارنةً بمن يدّعون الدفاع عن الحقوق والثقافة.
طوفان الملفات يطال أباطرة المال
اتّسعت دائرة الملفات لتشمل شخصيات المال والأعمال؛ إذ أظهرت الوثائق مراسلاتٍ إلكترونية تعود لعام 2013 بين إبستين والملياردير إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي «تسلا» و«سبيس إكس». وكشفت إحدى المراسلات عرض إبستين إرسال مروحية خاصة لنقل ماسك، وهو ما يضع تصريحات ماسك السابقة التي نفى فيها أي لقاء بإبستين موضع تساؤل، ويجعلها ذريعةً لإبعاد الشك عنه.
كما طالت الملفات مؤسس شركة «مايكروسوفت» بيل غيتس، عبر رسائل كتبها إبستين يزعم فيها امتلاكه معلومات حساسة حول علاقات شخصية لغيتس، ومحاولات لاستخدام هذه المعلومات كوسيلة ضغط أو ابتزاز. وقد قوبلت هذه الادعاءات بنفي غيتس جملةً وتفصيلاً، معتبراً إياها محاولاتٍ يائسة من إبستين لتشويه سمعته بعد فشله في بناء شراكة معه، إلا أن هذه الملفات كشفت المستور عن هذه الشخصية بالفعل.
فضائح ملكية وعلاقات مشبوهة
أعادت هذه الملفات والصور المرفقة بها، والتي أظهرت بعضها وجوه ضحايا دون حجب، فتح الاتهامات الموجهة إلى الأمير أندرو دوق يورك، خاصةً مع ظهور صور توثّق وجوده في سياقات فاضحة، مما يعيد فتح ملف «فيرجينيا جوفري» والادعاءات السابقة التي أدت إلى تجريده من ألقابه الملكية. كما كشفت رسائل تعود لعام 2002 عن تواصلٍ ودي بين ميلانيا ترامب وغيسلين ماكسويل، شريكة إبستين المُدانة، مما يشير إلى عمق العلاقات الاجتماعية بين العائلتين في تلك الحقبة.
التوقيت السياسي والرسائل الضمنية
إضافةً إلى هذه التفاصيل «الفضائحية»، تبرز تساؤلاتٌ جوهرية حول توقيت الإفراج عن هذه الوثائق؛ إذ يأتي هذا «البركان القضائي» في لحظةٍ حرجة دولياً، حيث تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتحديداً مع تعثّر مسارات التهدئة في غزة، والتوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران.
ويرى محللون أن وضع ترامب، الذي يقدّم نفسه صانع سلام وقائداً حازماً، أمام هذا الكم الهائل من الاتهامات والأفعال غير الأخلاقية، قد يقلّص من هامش مناورة الولايات المتحدة في الملفات الخارجية. فبينما تسعى إسرائيل إلى توحيد الجبهات ضد طهران، يجد الرئيس الأميركي نفسه محاصراً بين مطرقة الملفات القضائية وسندان اللوبيات السياسية التي قد تستخدم هذه الوثائق كأوراق ضغط لتوجيه بوصلة القرارات الأميركية المستقبلية ضده.
سيكولوجية الثراء الفاحش والملذات القذرة
إن ما كشفته هذه الوثائق يتجاوز كونه مجرد أخبارٍ صفراء؛ بل هو تفكيكٌ لشبكةٍ معقدة من المصالح والنفوذ، ورسالةٌ مفادها أن ملفات الماضي قد تكون السلاح الأقوى في معارك الحاضر السياسية. فقد غيّرت نظرة المجتمع العربي كلياً تجاه هذه الشخصيات التي جرى تلميعها إعلامياً، وكشفت خبايا المستور، بما يعكس حقيقة التلاعب وتزييف الحقائق وتصدير صورةٍ مثالية لمجتمعاتٍ متخلّفة.
كما كشفت لنا هذه الملفات سياسة الثراء الفاحش، ولجوء بعض الأثرياء إلى أعمالٍ قذرة. ففي الواقع، يملك هؤلاء مساحةً لا تنتهي من الملذات، إذ يمتلكون مليارات الدولارات، وجرّبوا بها كل شيء؛ من الأطعمة النادرة إلى الملابس المرصّعة بالذهب، ومن السيارات الباهظة إلى الطائرات الخاصة واليخوت، وجرّبوا مختلف الملذات المرتبطة بالسلطة.
وعندما يصل المرء إلى تجربة كل شيء ويستنفد الاستمتاع بكل الملذات في وقتٍ مبكر من حياته، يكون في نهاية الأمر أمام طريقين: إما أن ينهي حياته، أو يحاول تجربة أشياء جديدة تعيد له النشوة. وعلى مرّ الزمن، رأينا كثيراً من الأغنياء انتهت حياتهم بالطريقة الأولى، أو بالإدمان على الكحول والمخدرات، أو بالإفلاس. أما من تبقّى منهم، فيسلكون الطريق الثانية، فيبحثون بشكلٍ محموم عن ملذاتٍ لم يألفها أحد من قبل. ولأنهم قادرون، بسلطتهم وأموالهم، على تجاوز أي حاجزٍ قانوني، فإنهم يخوضون أقذر التجارب وأحطّها وأكثرها ابتذالاً، ويتعاملون مع أسوأ نسخةٍ من النفس البشرية سعياً للشعور بالنشوة مرةً أخرى، حتى وإن كان الثمن سحق الآخرين، وإنهاء حياتهم، وانتهاك كرامتهم.
ويعكس لنا الموروث الشعبي حقيقةً مفادها أنه عندما يشبع المرء لا يجد للخبز طعماً، وما ذُكر أعلاه ليس إلا بياناً لعدم الانخداع بالتلميع السياسي للمجتمع الغربي.
