من الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية.. قراءة في التصريح الحكومي (2)

من الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية.. قراءة في التصريح الحكومي (2)

  المختار عنقا الادريسي

 المحطة الثالثة: من الالتزامات الثقافية المعلنة إلى شروط التنفيذ والتقييم؟

كيف ننتقل من البرنامج الحكومي إلى السياسة الثقافية القابلة للقياس؟

أولاً: من قوة الإعلان إلى اختبار قابلية التنفيذ

        إذا كانت المحطة السابقة قد انصرفت إلى استجلاء المكانة التي تحتلها الثقافة ضمن أولويات البرنامج الحكومي المغربي للفترة 2026–2031، فإن الانتقال إلى هذه المحطة يقتضي تغيير زاوية النظر، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على ما تعلنه الحكومة بشأن الثقافة -في تصريحها أو برنامجها-، بل أصبح متعلقاً بالشروط التي تسمح بتحويل تلك الالتزامات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتتبع والتقييم.

وهذا الانتقال ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يمثل لحظة أساسية في مساءلة الخطاب الحكومي. فبين إعلان التوجهات وتحقيق النتائج مسافة لا يمكن اختزالها في حسن النوايا أو أهمية الأهداف المعلنة. إنها مسافة تتدخل في تحديدها طبيعة البرامج… وضوح المسؤوليات… توفر الموارد… الآجال الزمنية… آليات التتبع… مدى إتاحة المعلومات للرأي العام. ومن هذا المنطلق، لا نتعامل مع البرنامج الحكومي باعتباره وثيقة ينبغي الاكتفاء بتلخيص مضامينها الثقافية، وإنما بوصفه وثيقة سياسية تتيح تحديد الالتزامات التي يمكن الرجوع إليها لاحقاً مقارنة المعلن بالمنجز.

وهي قراءة تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات متكاملة:

  • مستوى الالتزام السياسي الذي يحدد الاتجاه العام.
  • مستوى البرمجة التنفيذية الذي يترجم هذا الاتجاه إلى إجراءات ومشروعات.
  • مستوى النتائج الذي يسمح بمعرفة ما تحقق فعلياً، ومدى استفادة المواطنين منه.

ولا يعني ذلك أن البرنامج الحكومي ملزم بأن يتضمن جميع التفاصيل التقنية والمالية لكل إجراء، فهذه التفاصيل قد ترد في البرامج القطاعية والوثائق الميزانياتية والتنظيمية. لكن غيابها هنا يجعل من الضروري البحث عنها في الوثائق المكملة، بدل التعامل مع الإعلان الأولي باعتباره دليلاً كافياً على تحقق السياسة العمومية.

ثانياً: وضوح الأهداف.. ماذا تريد الحكومة أن تحقق ثقافياً؟

لا يمكن مساءلة سياسة ثقافية دون تحديد ما تسعى إلى تحقيقه، سيما وأنها ليست شأناً محصوراً في قطاع واحد (1). فالتعهد بالمحافظة على التراث، وتوسيع الولوج إلى الثقافة، وصيانة التعدد الثقافي واللغوي، وتعزيز مساهمة الثقافة في التنمية، قد يحدد اتجاهات ذات أهمية، لكنه يترك أسئلة عملية مفتوحة بشأن النتائج المنتظرة وكيفية قياسها. فعندما تعلن الحكومة توسيع الولوج إلى الثقافة بإنصاف مجالي، يصبح من المشروع التساؤل عن المقصود بهذا التوسع: هل يتعلق الأمر بإحداث فضاءات ثقافية جديدة؟ أم بتحسين الخدمات المقدمة في المؤسسات القائمة؟ أم بتوسيع الأنشطة الثقافية في المناطق الأقل استفادة؟ أم يجمع كل هذه المداخل ضمن خطة متكاملة؟

وعلى سبيل المثال، فإن المحافظة على التراث يمكن أن تشمل الترميم والتوثيق، وحماية المواقع والمباني التاريخية، وصيانة الذاكرة الشفوية، ودعم البحث العلمي، ونقل المعارف والممارسات الثقافية بين الأجيال. ولكل مجال من هذه المجالات أهدافه ووسائله ومؤشراته الخاصة. علماً أنه لا يراد من هذه الأسئلة مطالبة التصريح الحكومي بتفصيل كل إجراء، وإنما الكشف عن أهمية الانتقال من العناوين العامة إلى أهداف محددة تسمح بتقييم التقدم المحرز.

ومن هنا، فإن أول شروط المساءلة الثقافية هو أن نعرف بالنسبة إلى كل التزام: ما النتيجة التي يفترض تحقيقها، وفي أي أجل، ولصالح أي فئات أو مجالات ترابية؟ فكلما كانت الأهداف واضحة، أمكن الانتقال من النقاش العام حول أهمية الثقافة إلى تقييم أكثر دقة للسياسات المعتمدة. أما حين تظل الأهداف فضفاضة، فإن خطر الاكتفاء بتسجيل الأنشطة المنجزة دون معرفة أثرها الفعلي، يصبح أكثر دلالة.

ثالثاً: المسؤوليات المؤسساتية.. من يتولى التنفيذ ومن يتحمل مسؤولية النتائج؟

إن وضوح الأهداف، على ضرورته، لا يكفي إذا لم يقترن بتحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذها. فالسياسة الثقافية تتقاطع مع مجالات متعددة، وتتداخل فيها اختصاصات قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية وجماعات ترابية وفاعلين مدنيين (2) ومهنيين. ويطرح هذا التداخل سؤالاً يتجاوز مجرد توزيع الاختصاصات: فكيف نضمن أن يتحول تعدد المتدخلين إلى مصدر للتكامل، وليس سبباً في تشتت المسؤولية؟

فقد يتوقف نجاح مشروع ثقافي على تعاون أكثر من قطاع، أو على التنسيق بين مؤسسة مركزية وجماعة ترابية، أو على إقامة شراكة مع جمعية أو مؤسسة فنية. وفي هذه الحالات، لا يكفي الإعلان عن أهمية المشروع، بل ينبغي أن تكون أدوار الأطراف المعنية واضحة، وأن تتحدد آليات التنسيق، وأن يعرف كل طرف ما ينتظر منه وما يتحمل المسؤولية بشأنه. ويزداد هذا الأمر أهمية عندما يتعلق الأمر بالتزامات عابرة للقطاعات، مثل إدماج الثقافة في التربية، أو تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في مجالات متعددة، أو ربط تثمين التراث بالتنمية المجالية.

وإذا كان التصريح الحكومي قد أعلن، فيما يخص الأمازيغية (3)، عن آلية وزارية للتنسيق والتتبع، فإن تقييم هذا الالتزام يقتضي، في مرحلة لاحقة، الاطلاع على الإطار التنظيمي لهذه الآلية واختصاصاتها، وبرنامج عملها، وكيفية تتبع نتائجها. ولا يمكن اعتبار مجرد الإعلان عن إحداثها دليلاً كافياً على تحقق التنسيق أو بلوغ الأهداف المنشودة. وبناء عليه، فإن مساءلة المسؤولية المؤسساتية تقتضي البحث عن أجوبة واضحة عن أسئلة ثلاثة هي: من يخطط؟ ومن ينفذ؟ ومن يتولى تقييم النتائج ونشرها؟

كما أن تحديد المسؤوليات ليس غاية إدارية في حد ذاته، بل هو شرط من شروط المساءلة الديمقراطية، إذ لا يمكن تقييم النتائج بصورة منصفة ما لم تتضح الجهة المكلفة بتحقيقها، والموارد الموضوعة رهن إشارتها، والحدود التي تتحمل ضمنها مسؤوليتها.

رابعاً: التمويل الثقافي.. من الإعلان عن الموارد إلى معرفة أثر الإنفاق

لا يمكن الحديث عن سياسة ثقافية قابلة للتنفيذ دون مساءلة الموارد المالية والبشرية المخصصة لها. فالالاختيارات الحكومية لا تقاس فقط بما تعلنه من أهداف، بل أيضاً بما تعبئه من إمكانات لتحقيقها. ويكسب هذا البعد أهمية خاصة في الالتزامات التي يعلن فيها التصريح الحكومي عن موارد مالية محددة، كما هو الشأن بالنسبة إلى الغلاف المالي المرتبط بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية -البالغ 2 مليار درهم-، فان الرقم المعلن، مهما كانت أهميته، لا يقدم وحده صورة كاملة عن كيفية التنفيذ أو النتائج المتحققة.

ذلك أن المساءلة المالية تقتضي التمييز بين الاعتماد المعلن، والاعتماد المدرج فعلياً في الوثائق الميزانياتية، والمبلغ الذي جرى الالتزام به، وما تم صرفه، ثم وضع تصور للنتائج التي يمكن أن تتحقق بفضل هذا الإنفاق. كما ينبغي معرفة كيفية توزيع الموارد بين المجالات والبرامج والجهات المستفيدة، ومدى تناسبها مع الأهداف المعلنة. فقد يكون الاعتماد المالي مهماً من حيث حجمه، لكن أثره يظل مرتبطاً بكيفية برمجته وتنفيذه، وبقدرة المؤسسات المعنية على تحويله إلى خدمات أو برامج ذات أثر ملموس.

ولا تنحصر المساءلة المالية في المطالبة بزيادة الإنفاق الثقافي، على أهمية هذا النقاش، بل تشمل أيضاً معرفة أولويات الإنفاق، وشفافية توزيع الموارد، ونجاعة استعمالها، ومدى مساهمتها في توسيع المشاركة الثقافية وإمكانية تقليص التفاوتات. ويقتضي ذلك الاستناد إلى قوانين المالية والوثائق الميزانياتية وتقارير التنفيذ والتقييم، وعدم الاكتفاء بالأرقام الواردة في التصريح الحكومي. فهذه الوثائق المكملة هي التي تسمح بتحديد ما إذا كانت الالتزامات قد انتقلت من مستوى الإعلان إلى مستوى البرمجة والإنجاز. ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه مساءلتنا ليس فقط: كم خصص للثقافة؟ بل أيضاً: أين وُجهت تلك الموارد؟ وكيف استُعملت؟ وما النتائج التي أمكن تحقيقها بفضلها؟

خامساً: مؤشرات التتبع والتقييم.. كيف نعرف ما تحقق؟

إذا كانت الأهداف تحدد ما نريد بلوغه، والمسؤوليات تبين الجهات المكلفة بالتنفيذ، والموارد توفر الوسائل الضرورية، فإن مؤشرات التتبع والتقييم هي التي تساعد على معرفة مدى التقدم نحو النتائج المنتظرة. وفي المجال الثقافي، لا يمكن اختزال التقييم في عدد المؤسسات أو الأنشطة أو التظاهرات المنظمة، رغم أهمية هذه المعطيات. فقد يرتفع عدد الأنشطة الثقافية دون أن تتوسع المشاركة فيها، وقد تُحدث فضاءات جديدة دون أن تتوفر لها شروط الاستمرار أو التنشيط، وقد تُرصد موارد لحماية التراث دون أن تتضح آثارها على صيانته أو إتاحته للعموم. لذلك ينبغي أن تتعدد المؤشرات بحسب طبيعة الالتزام الثقافي:

  • ففي مجال الإنصاف المجالي، يمكن الاستناد إلى توزيع التجهيزات والخدمات الثقافية، ومدى سهولة الوصول إليها، وتنوع الفئات المستفيدة منها.
  • أما في مجال التربية، فيمكن النظر إلى حضور الأنشطة الفنية والثقافية في الحياة المدرسية، وانتظامها، وفرص مشاركة المتعلمين فيها.
  • وفي مجال التراث، يمكن تتبع عمليات التوثيق والصيانة والترميم، ومدى إتاحة المعطيات للباحثين والجمهور، واستمرار الممارسات الثقافية المرتبطة بالذاكرة المحلية والوطنية.
  • أما في مجال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فإن المؤشرات ينبغي أن تساعد على قياس حضورها الفعلي في المجالات التي يشملها الالتزام الحكومي، لا أن تقتصر على تسجيل الإجراءات الإدارية المعلنة.

وهنا تبرز أهمية التعهد الحكومي بنشر مؤشرات سنوية بشأن تفعيل الأمازيغية، لأنه يفتح إمكان متابعة التقدم المحرز عبر الزمن. غير أن القيمة الفعلية لهذه المؤشرات ستظل مرتبطة بوضوح منهجية احتسابها، وانتظام نشرها، وإمكان التحقق منها، ومدى تعبيرها عن النتائج التي تهم المواطنات والمواطنين.

ولا ينبغي أن تتحول المؤشرات إلى غاية مستقلة عن السياسة الثقافية، فهي أدوات للفهم والتقييم، وليست بديلاً عن الحكم النوعي على جودة التجربة الثقافية، أو قيمة الإبداع، أو أثر المشاركة في حياة الأفراد والمجتمعات. ومن ثم، فإن التقييم الثقافي الأكثر توازناً هو الذي يجمع بين المعطيات الكمية والأدلة النوعية، وبين قياس حجم الإنجاز وفحص أثره، وبين ما يمكن حسابه رقمياً وما يحتاج إلى قراءة نقدية وميدانية.

سادساً: الحق في المعلومة والمساءلة العمومية.. من يراقب تنفيذ الالتزامات؟

لا تكتمل السياسة الثقافية القابلة للمساءلة بمجرد وجود أهداف ومؤشرات وتقارير داخلية، إذ ينبغي أن تتاح المعطيات الأساسية المتعلقة بالتنفيذ والتقييم للجهات التي يخول لها القانون متابعتها، وللباحثين والمهنيين والمواطنين، وفق القواعد المنظمة للحق في الحصول على المعلومات (4). وتكمن أهمية هذا المبدأ في أنه يجعل المساءلة عملية مستمرة، لا تنتظر نهاية الولاية الحكومية لإصدار حكم إجمالي على النتائج. فكلما كانت المعلومات متاحة بانتظام، أمكن رصد التقدم، وتحديد الصعوبات، ومناقشة الاختيارات، واقتراح التصحيحات الضرورية.

وفي هذا السياق، تتوزع أدوار المتابعة بين المؤسسات الدستورية والرقابية، والبرلمان والقطاعات الحكومية المعنية، والجماعات الترابية، والجامعات ومراكز البحث، والجمعيات والفاعلين الثقافيين، فضلاً عن وسائل الإعلام. ولا يعني ذلك أن هذه الجهات تتحمل المسؤوليات نفسها أو تمتلك الصلاحيات ذاتها، بل إن لكل منها موقعاً ودوراً مختلفاً في إنتاج المعرفة بشأن السياسة الثقافية، أو مراقبة تنفيذها، أو مناقشة نتائجها، أو نقل انشغالات المواطنين والفاعلين المعنيين بها.

كما يمكن أن تتخذ المساءلة العمومية صوراً متعددة: تقارير دورية عن الإنجاز، ونشر المعطيات الميزانياتية، وتقييمات مستقلة لبعض البرامج، وجلسات للنقاش العمومي، وفتح قنوات للتشاور مع الفاعلين الثقافيين، وإتاحة نتائج التقييم بما يسمح بمقارنتها بالأهداف الأصلية والمعلن عنها رسمياً. والمقصود من ذلك ليس إنشاء مزيد من الإجراءات الشكلية، وإنما ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل نشر النتائج ومناقشتها جزءاً من التدبير العمومي الرشيد. فالثقافة، باعتبارها شأناً يتصل بالهوية والذاكرة والإبداع والحقوق والمشاركة، لا ينبغي أن تظل موضوعاً للتصريحات الرسمية وحدها، بل يجب أن تكون أيضاً موضوعاً للنقاش العمومي المبني على المعطيات، وللتقييم الذي يميز بين ما تحقق فعلاً وما لا يزال في طور الإنجاز أو يحتاج إلى مراجعة.

سابعاً: نحو شبكة عملية لمساءلة الالتزامات الثقافية

تسمح العناصر السابقة باقتراح شبكة منهجية يمكن اعتمادها في متابعة الالتزامات الثقافية الواردة في البرنامج الحكومي، دون أن يعني ذلك أنها واردة بهذه الصيغة في التصريح نفسه. وتقوم الشبكة المقترحة على ستة أسئلة مترابطة:

  1. ما الالتزام المعلن؟ ويقتضي ذلك تحديد العبارة الواردة في التصريح الحكومي وإحالتها إلى موضعها الدقيق.
  2. ما الهدف المنتظر؟ أي من المفروض تحديد النتيجة التي يفترض أن يحققها الالتزام، بدلاً من الاكتفاء بصياغته العامة.
  3. من الجهة المسؤولة؟ وذلك بتحديد المؤسسات والقطاعات المعنية بالتخطيط والتنفيذ والتنسيق.
  4. ما الموارد والآجال؟ ويشمل ذلك التحقق من الاعتمادات المالية والبشرية والجدولة الزمنية.
  5. كيف سيقاس التقدم؟ ويكون من خلال مؤشرات مناسبة لطبيعة كل التزام، تجمع بين حجم الإنجاز وأثره.
  6. أين تنشر النتائج وكيف تناقش؟ حتى يتاح أمر التحقق من المعطيات، ومقارنة المنجز بالأهداف، واقتراح التصحيحات عند الحاجة، إذا اقتضى الظرف ذلك.

ويمكن تطبيق هذه الأسئلة على مختلف المجالات الثقافية التي تناولناها في المحطة السابقة، من حماية التراث إلى الإنصاف المجالي، ومن التربية الثقافية إلى تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

وفي نظرنا، تكمن قوة هذه الشبكة في أنها لا تفترض نجاح الالتزام أو إخفاقه قبل ظهور الأدلة، بل تحدد المعلومات التي نحتاج إليها حتى يكون الحكم مبنياً على أساس واضح. كما أنها تساعد على التمييز بين ثلاث حالات قد تختلط في النقاش العمومي: ▪︎ التزام أُعلن ولم تتضح بعد شروط تنفيذه. ▪︎ التزام انتقل إلى مرحلة البرمجة أو الإنجاز. ▪︎ التزام أمكن تقييم نتائجه استناداً إلى معطيات قابلة للتحقق.

وبهذا المعنى، تصبح المساءلة الثقافية عملية تراكمية، تتطور كلما توفرت معلومات جديدة، وتسمح بتصحيح الأحكام الأولية بدلاً من تثبيتها بمعزل عن الوقائع.

خلاصة المحطة الثالثة: المساءلة تبدأ حين يصبح الالتزام قابلاً للتحقق

تفضي هذه القراءة إلى أن الانتقال من الالتزامات الثقافية المعلنة إلى سياسة ثقافية قابلة للتقييم لا يتحقق بمجرد إدراج الثقافة ضمن الأولويات الحكومية، بل يحتاج إلى سلسلة مترابطة من الشروط: [وضوح الأهداف – تحديد المسؤوليات – توفير الموارد – اعتماد مؤشرات مناسبة – نشر النتائج – إتاحة إمكان مناقشتها وتقويمها]. ولا يعني هذا المطلب أن كل التفاصيل التنفيذية ينبغي أن ترد في التصريح الحكومي، بل يعني أن التصريح يمثل نقطة الانطلاق في مسار توثيقي أوسع، يستدعي الرجوع إلى البرامج القطاعية والوثائق الميزانياتية والتنظيمية والتقارير الرسمية، كلما تعلق الأمر بالتحقق من التنفيذ أو قياس الأثر.

ومن هنا، فإن القيمة الأساسية للمساءلة لا تكمن في إصدار حكم سريع على البرنامج الحكومي، وإنما في تحديد الأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها الوثائق والمعطيات والنتائج. فهي تنقل النقاش من مستوى الانطباعات العامة إلى مستوى المقارنة بين الالتزام والوسيلة والإنجاز والأثر. وهذا المنظور يجعل الثقافة مجالاً للمساءلة العمومية المستمرة، لا موضوعاً يثار عند تقديم البرامج أو الاحتفال بالمناسبات. كما يتيح وصل القراءة الحالية بمشروعنا الأوسع في مساءلة البرامج الانتخابية والحكومية، من خلال اعتماد منهج واحد يقوم على التمييز بين الوعود والاختيارات المعلنة، وشروط التنفيذ، والنتائج التي يمكن التحقق منها.

ويبقى السؤال الذي يمهد للمحطة الرابعة هو: إذا كانت قابلية الالتزامات الثقافية للتنفيذ والتقييم تتوقف على وضوح المسؤوليات وتنسيق الجهود، فكيف يمكن تنظيم الحكامة الثقافية بما يضمن التكامل بين المؤسسات والقطاعات والفاعلين، ويحول تعدد المتدخلين من مصدر محتمل للتشتت إلى قوة داعمة لسياسة ثقافية منسجمة؟

الهوامش والإحالات:

  1. الثقافة ليست شأناً محصوراً في قطاع واحد، فهي تتقاطع مع التربية والتعليم والشباب والسياحة والتنمية الترابية. وقد جاء في النقطة الأولى المعنونة بـ “النهوض بالثقافة وصون التراث وتثمينه” من المرتكز الثالث الوارد ضمن الصفحة 37 من فقرات البرنامج الحكومي، أن الحكومة ترتكز في استراتيجيتها المتعلقة بالمجال الثقافي على (تعزيز دور الثقافة في ترسيخ الهوية الوطنية و منظومة القيم وصون وتثمين التراث الثقافي الوطني واللامادي وتوسيع الولوج الى الثقافة بما يضمن القرب والانصاف المجالي الى جانب الابداع وتطوير الصناعات الثقافية والابداعية بهدف تعزيز مساهمتها في خلق القيمة وفرص الشغل).
  2. ينص البرنامج الحكومي على دعوة الحكومة إلى التركيز على (ترسيخ مكانة المجتمع المدني كشريك أساسي في التنمية من خلال تطوير منظومة جمعوية مستقلة ومهيكلة، بما يمكنها من الاضطلاع بأدوارها الدستورية بفعالية، وفي هذا الصدد تعطي الحكومة الأولوية لتقوية الشراكة بين الدولة والجمعيات… وتعمل على تقوية قدرات الجمعيات للنهوض بالمجتمع المدني) صفحة 36. ويضيف البرنامج في النقطة الرابعة من المرتكز الثالث على ضرورة (دعم المبادرات والجمعيات والهيئات الثقافية والفنية وتنظيم ودعم التظاهرات… وتشجيع القراءة والفنون والموسيقى ومختلف أشكال التعبير والابداع) صفحة 39.
  3. جاء في التصريح الحكومي صفحة 35 أن الحكومة تتعهد بـ (توفير شروط تنزيل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 26.16 عبر احداث صندوق خاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية).
  4. ينص الفصل 27 من الدستور المغربي على أن للمواطنين الحق في الحصول على المعلومة الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. وهو ما يؤكد عليه -كذلك- القانون رقم 31.13 باعتباره قانوناً تنظيمياً أساسياً مؤطراً لهذا الحق.
شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!