من زمن المفكرين إلى زمن المؤثرين
إلياس الطريـبق
قديما كنا نبحث عن الكتاب والمثقفين من خلال الكتب، اليوم صرنا نختصرهم في محركات البحث لا لنستفيد منهم، بل لنتلصّص عليهم.
التكنولوجيا لم تسرق المثقف بالقوة، بل أغرته بالراحة، السرعة، والتصفيق السريع، حتى تآكل دوره بهدوء وأضحى مجرد صوت بين آلاف الأصوات لا قيمة لـه، ولا لزوم لـه. تحول المثقف إلى عارض سلع، يستغل الفيسبوك والأنستغرام وتيك توك ليعرض بضاعته على جمهور القراء والمتابعين آملا حصد اللايكات وعلامات الإعجاب وراصدا تعاليق جوفاء، وسيلا من المجاملات في غياب حوار عميق وحقيقي.
تحول المثقف في عصرنا الراهن إلى نموذج للمؤثر السيء، لا يحسن استخدام التكنولوجيا، ولا يفقه في سبل التسويق والإشهار، فلا هو يقف عند الطرف المعارض لها، المتبرم منها، كما فعل كثيرون كالعروي مثلا الذي انتشر خبر وفاته قبل أن يخرج فيفند صحة هذا الخبر قائلا إنه لا يملك أي حساب على أي من مواقع التواصل الاجتماعي. ولا هو اقتحمها بالقوة والجرأة التي يقتحم بها عادة صناع المحتوى هذا المجال فيبدعون في استقطاب المشاهدات وحصد التفاعلات.
تحوّلت المعرفة إذن من رحلة اغتراف عميق إلى استهلاك سطحي، كما تحولت من عمق الفكرة إلى خفّة التفاعل.
إنه من تجربتي المتواضعة في اقتسام كتاباتي مع جمهور الفيسبوك أو غيره، لاحظت غياب التفاعل الحقيقي وغياب النقد الفعال البنّاء، وسيطرة خطاب المجاملـة من جهة الجمهور، وخطاب التبجّـح الصامت من جهة الفاعل. اليوم الكاتب هو من يكتب، هو من ينشر ويوزع وهو من يسوق لنفسه، وبين هذا وذاك، هناك من يراها سنة حميدة وهناك من يراها سنة ذميمة ليست من اختصاص الكاتب، وأن الكاتب يقتصر دوره على التأليف والإبداع والمشاركة في اللقاءات ولاشيء غير ذلك.
صارت المعرفة اليوم نتاجا لا يُهضم بل يُبتلع ابتلاعا، بحيث كان المؤلف يكدّ ويـجِدّ قبل أن يصدر نتاجه الفكري أو الأدبي أو العلمي، فينتج عن ذلك حوار داخلي وموقف فكري مسموع وله وقعه الخاص، أما اليوم وفي ظل ثقافة صناعة المحتوى وتحكم أنظمة الخوارزميات في ما نراه وما لا نراه، أصبحت ثقافة المنشور هي المسيطرة، وثقافة التدوينة هي السائدة، منشور، إعجاب، نسيان، وهكذا…
حكي عن أمين معلوف الكاتب والروائي الفرنسي صاحب المقعد 29 في الأكاديمية الفرنسية وأمينها الدائم أنه إذا أراد تأليف رواية أو كتاب يقوم بالسفر إلى إحدى الجزر النائية حيث يمتلك بيتا هناك مصطحبا معه طُنّا من المؤلفات والمراجع الضرورية المسعفة في إنجاز مهامه الأدبية. ولعل هذا الخبر يؤكد أمرين اثنين هما: أولا الكتابة ليست عملا عشوائيا، وبخاصة الكتابة التأريخية أو التخييل التاريخي التي تحتاج قراءات معينة وأبحاث وتنقيبات وإحاطة شاملة، الأمر الثاني وهو الانقطاع، الاستغراق، وإلحاح العزلـة الضرورية لتحقيق شفافية روحية أكبر تجاه الذات وتجاه العالم.
ما زلت أذكر حين نَدّدنا بالمنابر الإعلامية التي تستغل عفوية التلاميذ أمام أسوار المؤسسات التعليمية وهي تطلب رأيهم بخصوص إجراء امتحانات البكلوريا، خرج أحدهم معلقا أننا بذلك سنكون قد ألغينا حرية التعبير، ناسيا أن مثل هذه التغطيات الصحفية لا تقدم ولا تؤخر، وليس من شأنها سوى أن تعري مزيدا من الأعطاب المجتمعية والتعليمية، غير أن أخطر ما في الأمر هو الصورة التي نقدمها حول التلميذ المغربي ونموذج الشباب المغربي. بهذا تقول التكنولوجيا: الكل يستطيع أن يتكلم، جاعلة صوت الخبير يتساوى مع صوت الجاهل، وصوت الهزل يعلو فوق صوت الجد، وهو ما يعني وهم الدمقراطية.
لم تسرق الهواتف أفكارنا فقط، بل سرقت منا وقت القراءة، سرقت منا العزلة الضرورية للتفكير، بحيث أصبحنا بلا عمق، بلا رؤية، غارقين في التسطيح، ومبتلين بالابتذال. فليس الخطر في صعود المؤثرين وتصاعدهم فعليا، وإنما الخطر في اعتمادهم المرجع الرئيسي في تكوين المعرفة والرأي، وصناعة المعنى. هؤلاء المؤثرون الذين أصبحوا قوة صاعدة منسجمة وفاعلة والكل يشيد بها ويبحث عنها، استطاعت خطف الأضواء وسحب البساط من الجميع، حتى من أعتى المؤسسات الإعلامية والإخبارية الرسمية وغير الرسمية، التي تحتوي على مقرات عمل وعلى موظفين وراكمت سنوات من الخبرة والسمعة في المجال الإعلامي. فهل يظل المثقف مكتوف الأيدي أم ينخرط هو الآخر في اللعبة وهو الذي يقدس أغلى ما عنده، عزلته وروحه؟
كم أغبط أولئك الكتاب والمشاهير الذين لا يملكون حسابات تواصلية باسمهم على منصات التواصل الاجتماعي، حتى إن امتلكوها فهم لا يديرونها بأنفسهم، وإنما يديرها مقربون أو ناشرون أو مدراء أعمالهم. إن الكاتب المتاح على هذه المنصات بشكل دائم ومستمر لا يعطي الانطباع ذاته كما يعطيه الكاتب غير المتاح عليها، إذ إن مزيدا من الغموض حوله وحول حياته الخاصة وأنشطته الرسمية ليدفع القراء والمهتمين إلى مزيد من الرغبة في اكتشافه واستكشاف عوالمه. إذ متى يختلي هؤلاء الناس بأنفسهم ليكتبوا ويفكروا ويتأملوا؟
وهو هذا بالضبط الذي جعل الكثير من المبدعين يرفض رفضا باتـا بناء صورهم الافتراضية في علاقتهم بالجمهور، وتركهم أوفياء للوسائل الكلاسيكية في التعاطي مع الجمهور، حيث التركيز على الكتابة العميقة بدل التفاعل السريع، حيث الرفض القاطع سواء الضمني أو الصريح لثقافة الاختزال والسطحية، حيث حماية الخصوصية والاستقلال الفكري، حيث النجاة من عالم افتراضي في طريقه المتسارع نحو التفاهة، نحو تحدر القيم وموت صوت العقل.
يجب ألا ننكر أن هناك من نجح في صناعة محتوى جاد، مفيد وصحي داخل وسائط التواصل الاجتماعي، لكن الفضاء الجدير بلوحة سيظل لا محالة هو صالة العرض، والفضاء الجدير بقصيدة أو رواية سيظل لا محالـة دفّـتـا كتاب أو أوراق صحيفة.
