من قتل أحمد جواد؟.. عرض لكتاب “لهيب الركح المسرحي” لنجيب طلال

من قتل أحمد جواد؟.. عرض لكتاب “لهيب الركح المسرحي” لنجيب طلال

جمال الفزازي

            يتألف هذا الكتاب من كتابات تجنيسيه متقاطعة بخطابات متنوعة فهو سيرة ذاتية “ذهنية” تعبر عن موقف الكاتب وأفكاره ورؤيته الخاصة إلى الثقافة والفن المسرحي، وهو أيضا سيرة غيرية الفنان الفقيد أحمد جواد، كما يضم شهادات مثقفين عن الفنان الراحل حيا ومتوفى، وهو أيضا أدب عزاء وتأبين ورثاء، ناهيك عن أنه يندرج ضمن أدب المقالات الإعلامية والصحافية… وبهذا فالكتاب مؤلف تأريخي عن المسرح والمسرحيين، بقدر ما هو مقاربة اجتماعية_نفسانية لظاهرة الانتحار في المغرب والعالم، وهو، قبل ذلك، مؤلف في النقد المسرحي.

عتبات الكتاب

يشير عنوان الكتاب “لهيب الركح المسرحي” إلى تيمة النار بما هي قوة إبداعية وطاقة خلاقة، مضمرا نار بروميثيوس التي تشعل للدلالة على مسرح مغربي يحترق و يحتضر، وكاشفا عن لعبة الموت والحياة العبثية التي توحي لها ألوان النار لتشكيل واجهة الغلاف “اصفرار واحمرار ” تؤطرها خلفية زرقاء توحي إلى “الماء والسماء” ،ويبرز جسد المسرحي الفقيد “أحمد جواد” واقفا حيا و ملتهبا ليحيل إلى حدث تراجيدي: إحراق جسده في اليوم العالمي للمسرح، في الشارع العام، أمام مبنى وزارة الثقافة احتجاجا على الإهانة والإقصاء وتدمير حلمه في أن يكون إنسانا ومواطنا وفنانا مثقفا ورب أسرة.. إلخ

العناوين الفرعية:

قبس نار/شعلة الياسمين/تصدير الشعلة/لهيب الركح/ برومتيوس زمانه/ رمزية النار/شرارة النار/مــسار الاحتراق/خـارج لهيب الركح/

عناوين تؤشر على تشكلات النار وتحولاتها، مشحونة بدلالات ورموز مختلفة منها الدلالة الطبيعية باعتبارها طاقة حرارية وضوئية، والدلالة الدينية: النار في مقابل الجنة، والدلالات الرمزية والأسطورية والفنية مثل استدعاء بروميتيوس والركح المسرحي وشكسبير، فضلا عن دلالات سياسية واجتماعية “شعلة الياسمين” ونيرون.

الملاحظ هو أن المؤلف رتب عناوين مقالات الكتاب وفق منطق زمني كرنولوجي وسببي عن العوامل الفاعلة في سيرة الفقيد.

أحمد جواد المسرحي القضية

يعتبر الكاتب، على امتداد مؤلفه، (أن احتراق أحمد جواد بمثابة احتراق للركح) محاولا الإجابة عن أسئلة عديدة:

– من قتل احمد جواد: كيف؟ ولماذا؟ و… و… و…

كما يشير إلى أن (تاريخ ميلاد المبدع “أحمد جواد” قيد حياته في [9 / أكتوبر/ 1961] بجماعة أولاد حسين بإقليم (الجديدة) من أب يزاول مهنتي الخياطة والفلاحة، ليعيل أسرة تشكلت من أحمد وأربعة إخوة وأربع أخوات. إلى يوم وفاته يوم [2 مارس 2023] بالرباط.

ويكشف عن بعض جوانب حياته الأسرية الملتبسة التي تتنازعها إرادتان متناقضتان متصارعتان:

  • رغبة الأب بإرادته الصارمة في أن ينشئ الطفل وفق تربية تعليمية خاصة تنتهي به إلى وظيفة مضمونة العائد.
  • ورغبة الشاب أحمد وتمرده على الطوق باختيار الثقافة فضاء للحياة، وأنه وجد في المسرح هوسا فمارسه في دار الشباب البريجة، ثم المسرح البلدي حيث حقق في مسرح عفيفي بعضا من كينونته، كما مارس في جمعية “عروس الشواطئ” ذات التوجه اليساري حلمه المسرحي متأثرا ببرتولد BRECHT بريشت مسرحيا والحركات النقابية والسياسية الحية، للاحتجاج السلمي بصوت عال ضد هدم المسرح البلدي بالجديدة غام 1994 معتبرا جسده امتدادا طبيعيا ورمزيا للركح المسرحي.
  • وفي الرباط، سيتضاعف سلوكه السيزيفي متأثرا بالملسوعين أمثال المسرحيين محمد تيمد ومحمد مسكين وحوري الحسين، كما لو أنه لسان حال كل المسرحيين والفنانين مما أدى إلى اتهامه بالجنون من جهة سلطات تتداخل اختصاصاتها إلى حد التعتيم، فقد (تم عرضه على طبيب للأمراض العقلية للتأكد من سلامته العقلية! ولم يثبت أنه مخبول أو مجنون).
  • بعدها اشتغل في الإدارة الثقافية خاصة في نادي الأسرة وعمل في أدنى السلالم موظفا بوزارة الثقافة، ومارس التنشيط الثقافي بالإشراف على لقاءات ثقافية وفنية تعنى بالأدب والمسرح والسينما، مما أتاح له الانفتاح أكثر على عالم الثقافة والمثقفين دون التفريط في ابداع مسرحيات عديدة.
  • كما يوثق الكاتب في فصل “مسار احتراق” مراحل حياة الراحل منذ 1976 عندما مثل في مسرحية “الله يرحم مي طامو ” للطيب العلج لتليها العديد من الاعمال مثل: “البوهالي” و”السيرك” و”الفكرون “وحلاق درب الفقراء “، وشارك في “إكسير الحياة” لعفيفي ومع عبد الحق الزروالي في “عكاز الطريق” و”سرحان المنسي” وملحمة “واحة فرح” بالرشيدية و أبدع في مسرحية “الصعلوك” إخراج مصطفى الجلبي وصولا إلى ابداع “ورقة وقلم” بتشخيص مع زوجته وكذلك “مسرحية هو” التي تحكي عن سنوات الجمر والرصاص ثم مسرحية “درس في الحب”.
  • لكن هذا العطاء المتسامي سينتهي بالفنان أحمد إلى السقوط التراجيدي المدوي بإقدامه على إحراق جسده أمام وزارة الثفافة الشاهدة على إجهاض الحياة والحلم، والتي سام فيها أصناف الإهانات والاقصاء والنكران، دون مراعاة مطالب عديدة منها دعوة “اتحاد كتّاب المغرب” وزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى ضرورة التعجيل بإحداث “مؤسسة الفنان” من أجْـل الاعتناء بالمشاكل الاجتماعية للفنانين المغاربة. لكن بلا جدوى، كما لو كنا أمام مسرحية عبثية بحيث (يتغير الوزراء دون أن يتغير وضع الرجل الوظيفي). فقد ظل مسمرا في مقعده منذ توظيفه رسميا بتاريخ 2004 تحت إدارة مسرح محمد الخامس بمصلحة الارشيف والتنشيط وتأطير الحفلات وبرامج نادي الأسرة.
  • وقد ساهم كثير من المدونين في محاصرة الرجل بدوافع تسلطية حقودة مشحونة بالاقصاء والهرولة إلى منابع الريع، يحركهم موقف عصبي انتهازي مؤداه: “إذا لم تكن معي فانت ضدي”.

الانتحار من الواقعة الفردية إلى الظاهرة الاجتماعية

هذا، وقد وثق الكتاب للعديد من المثقفين الذين انتهوا إلى احراق أجسادهم لمقاومة انغلاق آفاق الحرية والحياة الكريمة دونهم، خاصة مع الأقليات التي تسعى إلى تحقيق مجتمع ديموقراطي، ومنهم أسماء فنانين مثل حوري الحسين وإبراهيم غورتي وجواد شكيف والحاوفي وحوماري وعمر جليلب وعبد الرحيم بلمليح وسعيد الفاضلي والغريبي التونسي وعبد الرحيم إسحاق وعبد النبي الرياحي بفاس وحمودة المراكشي بفاس وغيرهم من الأسماء الثقافية العالمية مثل تول الأمريكي وسواه…

ولا يكتفي الكاتب بقراءة “الانتحار” من حيث هو واقعة فردية بل يحلله في إطار منظومات فكرية واجتماعية وسياسية، مفككا الظاهرة بمقاربة وقائع مأساوية هزت العالم العربي بدءا من إحراق المكابد البوعزيزي التونسي جسده في الحقبة الأخيرة، مؤججا بذلك شعلة الياسمين أو ما سمي بـ”الربيع العربي” راصدا امتداد وقائع الانتحار في العالم العربي خاصة والعالم عامة، معتبرا إياها (ظاهرة زئبقية) متعددة الأسباب يمكن مقاربتها من زوايا علمية ومنهجية متعددة فلسفية ونفسية وسوسيلو جية وفقهية.

وما يقتضي التنويه به هنا هو توسعه في مقاربة الأشكال الرمزية للقرين، سواء كان شيطانا أو جنيا أو ظلا أو حيوانا أو شبحا أو طيفا أو كائنا ممسوخا أو علامة من علامات الاكتئاب التي تدفع لتكسير جسر التواصل مع الآخرين حتى تنهار الثقة بالإنسان (فيفشل في التمسك بالجسد)

لكل شيخ طريقة، لكن…

كثير من المجتمعات تقيم طقوسا احتفالية لـ «شيوخهم” الفنانين الذين قضوا، لذلك، يتساءل الكاتب بسخرية سوداء، مستشهدا بطقس ديونيسوس، لماذا لا نحتفي بموتانا الفنانين كما كان  المكسيكيون يحتفلون في «يوم الموتى” منذ 1986، بالمؤلفين الراحلين في مسرح “كيوكان”، وعلى النقيض من ذلك، ومن سخرية الأقدار أن يقدم أحمد جواد، في شهر رمضان، وفي اليوم العالمي للمسرح على إحراق جسده الذي جعله امتدادا طبيعيا ورمزيا للركح المسرحي في المغرب

شهادات:

ختم المؤلف كتابه بإيراد شهادات عن تراجيديا الزمن المسرحي المغربي لكتاب واعلاميين منهم:

  • أحمد جواد. جسم ثقافي يهدد بالاحتراق لمحمد بشكار
  • احمد جواد الطائر الاسطوري ققنس لإدريس امغار مسناوي
  • أحمد جواد. مشتعلاً يموت لمحمد بنيس
  • نفاقكم وفسادكم هو سبب انتحار الفنان لفؤاد زويريق
  • أبعد من حرق أحمد جواد نفسَه لأحمد المرزوقي
  • عودة إلى مأساة أحمد جواد لنبيل لحلـو
  • نحن والمسرح والعشق الممنوع لعبد الكريم برشيد:
  • حالة أحمد جـــواد لنجيب العوفي
  • الموت المكان الأكثر صداقة للمبدع العربي لعبد العزيز كوكاس
  • رحيل الفنان أحمد جواد. معركة الواحد الوحيد لفجري الهاشمي
  • الفنان أحمد جواد.. وموته الذي يُسائلنا لأحمد مصطفى قشنني
  • تلبس بالنفاق! المختار لغزيوي
  • الحرق لا يليق بك أحمد بومعيز
  • احتراق الركح المسرحي ولعبة الجسد لعبد الهادي بريويك
  • وقد ختم المرصد المغربي للثقافة مقاله بعنوان: من قتل أحمد جواد؟!! بتلخيص ما بسطه الناقد نجيب طلال في كتابه القيم، مفككا المعيقات التي تعيق حركية المجال الفني والثقافي:
  • (احمد جواد مات غدرا:

غدرته المؤسسات وغياب الرؤية

غدره المبخسون لكل ما هو جميل ونبيل فنيا

غدرته الشعارات البائسة لوزارة عاجزة عن الفعل

غدره صمت من ينبغي أن يتكلموا وخذلان المتفرجين)

خلاصة:

الكتاب درس في الحب بالمعنى النبيل للكلمة، وشهادة فكرية على نقد الواقع الثقافي والسياسة الفنية الذي تتحمل مسؤوليته الدولة بكل مؤسساتها الشكلية واللاشكلية والفاعلين فيه…

 هوامش:

  • الكتاب (لهيب الركح المسرحي) لنجيب طلال ط1-2025 مطبعة بلال فاس
  • “من 200 ص الحجم المتوسط”
  • الشواهد المثبتة بين قوسين من المصدر ذاته…
شارك هذا الموضوع

جمال الفزازي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!