من نقد النصوص إلى سيرة الذات: صدوق نور الدين يستعيد آزمور وبدايات الحرف
إصدارات:
صدر حديثاً للناقد والأديب المغربي صدوق نور الدين كتابه الجديد المعنون بـ “مذكرات الخريف”، عن منشورات (الآن ناشرون وموزعون – الأردن)، في عودة لافتة إلى شغف السرد بعد مسار طويل وحافل في النقد والكتابة الثقافية. يأتي هذا العمل في صيغة مذكرات تتكئ على جدلية الذاكرة والتخييل، وتعيد مساءلة الذات والكتابة والحياة من زوايا هادئة وعميقة.
وفي الكلمة التي وشح بها المؤلف ظهر الغلاف، يوضح أن “مذكرات الخريف” لم تُكتب بوصفها سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي المتداول، بل جاءت وليدة الصدفة، وانتقائية في مقاطعها الزمنية؛ فهي لا تسعى لتقديم صورة كليّة مكتملة عن الحياة، بقدر ما تهدف لاستعادة لحظات مستحضرة تباعاً. فالذات هنا لا تروي نفسها سرداً خطياً، بل تطل من مسافة “العزلة” في مدينة صغيرة لا يلتفت إليها كثيرون. غير أن الخيال، كما يقول المؤلف، كسر أبواب هذه العزلة، فانبثقت الكتابة بين عالمين: عالم مشدود إلى الواقع، وآخر منسوج من الخيال، لينثال الحرف معلناً صورة الذات وإحساسها، في رحلة “اسم علم” تائه في الحياة وما بعدها، بحثاً عن خلود رمزي.
تمارين البدايات: من تقليد “درويش” إلى “تُهمة” الكتابة يقدم الكتاب نموذجاً دالاً على هذه الرؤية من خلال مقاطع تستعيد إرهاصات الكتابة الأولى، حيث يروي صدوق نور الدين بداياته التي لم تخرج عن القاعدة العامة لأغلب الكتاب؛ إذ بدأت بمحاولات شعرية تقلد القراءات الأولى. يقول في مذكراته:
“ولدت تمارين الكتابة الأدبية بالنسبة لي شعراً أيضاً. دفعتني قراءاتي لمجموعتي (أشعار خارجة عن القانون) و(سامبا)، ثم ديوان الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش (أوراق الزيتون)، إلى التقليد واستسهال مغامرة الممارسة الإبداعية. كنت حينها تلميذاً في السنة الأولى إعدادي، أمدّ أستاذي بتلك المحاولات ليصححها ويبدي رأيه، علماً أنها لم تكن موفقة ولم تُنشر بتلك الصيغة“.
تطورت هذه التمارين لتشمل المراسلات الصحفية، حيث جمعت كتاباته بين الشأنين الاجتماعي والرياضي؛ فكتب عن قضايا مدينة “آزمور” ومشاكلها، وحاور مسيرين ولاعبين، لتجد مراسلاته طريقها إلى صفحات “بيان اليوم”، ثم أسبوعيتي “أصداء” و”الاثنين”، وصولاً إلى جريدتي “المحرر” و”الأنباء” في منتصف السبعينيات.
توقيع “ص. ن” ومغامرة المراسلة يسرد المؤلف واقعة طريفة ومؤثرة عن أول مقال كتبه عن الطبيب الإقليمي لمستشفى آزمور، والذي وقعه بالرمز (ص. ن). وبما أن المقال لم يرق للجهات المعنية، بدأ البحث عن صاحب التوقيع، وكادت “التهمة” تلتصق بأحد القراء المداومين، لولا فطنة شخصين: زميل دراسة لا يزال يناديه بـ “ص. ن” إلى اليوم، وبائع الجرائد الراحل “سي عبد الله رضي” الذي أسدى له نصيحة غالية قائلاً: “لا تعد إلى التوقيع باسمك على أي مراسلة تقدم على نشرها”، وهو جميل ظل المؤلف يعترف به.
كما يستذكر أستاذه “الأحرش”، ذلك الرجل الشمالي الأسمر ذو الخط الجميل، الذي كان يتابع ما يكتبه التلميذ الناشئ في أسبوعية “الإثنين”، والذي كان قد خطّ على حائط الفصل الحكمة الخالدة: “من سار على الدرب وصل“.
خاتمة: تكمن أهمية ما يكتبه صدوق نور الدين في قدرته الفائقة على تحويل الهامشي واليومي إلى مادة سردية ذات بعد إنساني وفكري، جامعاً بين عين الناقد الفاحصة وشفافية السارد الحساسة. “مذكرات الخريف” ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي كتابة ناضجة عن الزمن، والعزلة، والكتابة بوصفها خلاصاً ومعنى.
