من يملك الطريق إلى الصندوق؟ عن الانتخابات المغربية وسوق النفوذ

من يملك الطريق إلى الصندوق؟ عن الانتخابات المغربية وسوق النفوذ

الدكتور عبد الواحد غيات

     ليست أخطر أشكال التلاعب الانتخابي تلك التي تحدث داخل صندوق الاقتراع فقط، بل تلك التي تبدأ قبل أن يصل الناخب إليه. فحين يصبح المال وسيلة لبناء النفوذ، وتتحول العلاقات الاجتماعية إلى شبكات للتعبئة، ويصبح الوسيط المحلي حلقة ضرورية بين المرشح والناخب، وتتراجع قدرة الأحزاب على إنتاج النخب وتأطير المواطنين، فإن السؤال حول نزاهة الانتخابات يتجاوز لحظة التصويت نفسها ليمس البيئة السياسية التي تُنتج ذلك التصويت.

من هنا تنطلق فرضية هذا المقال: هل يشهد التلاعب الانتخابي في المغرب، في بعض مظاهره، انتقالاً من نموذج يرتبط تاريخياً بالتدخل المباشر في العملية الانتخابية إلى نموذج أكثر انتشاراً وأقل وضوحاً، تتوزع فيه أدوات التأثير بين المال الخاص والشبكات المحلية والوسطاء وبعض المصالح الاقتصادية والاجتماعية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن وصف هذا التحول بمفهوم «خصخصة التلاعب الانتخابي»؟

المقصود بهذا المفهوم ليس القول إن الانتخابات المغربية أصبحت «مزورة»، ولا أن الدولة انسحبت من تنظيمها، ولا أن كل مرشح أو حزب يعتمد على المال أو الزبونية. المقصود اقتراح مفهوم تحليلي لفهم احتمال انتقال جزء من القدرة على التأثير في النتيجة من التلاعب المباشر بالاقتراع إلى التأثير في الشروط التي تسبقه وتساهم في إنتاجه.

انتخابات تغيّرت، وتأثير انتقل

لقد تغيرت الانتخابات المغربية كثيراً. فمنذ تسعينيات القرن الماضي عرف المغرب إصلاحات سياسية وانتخابية متدرجة، ثم جاء دستور 2011 ليعيد صياغة جزء مهم من العلاقة بين المؤسسات والسلطة والمجتمع. وتطورت إجراءات الاقتراع والفرز والمراقبة، واتسع حضور الملاحظين، وانفتحت العملية على الرقابة المدنية والمؤسساتية. واختزال الانتخابات المعاصرة في صورة التدخل الإداري المباشر داخل الصندوق اختزال للتاريخ أكثر منه تحليل للحاضر.

لكن تراجع بعض أشكال التدخل المباشر لا يعني بالضرورة اختفاء التأثير غير المشروع أو غير المتكافئ. فقد ينتقل ببساطة إلى مكان آخر: إلى اختيار المرشح، وتمويل حملته، وشبكات الأشخاص القادرين على تعبئة الناخبين، والقدرة على الوصول إلى المواطنين، والموارد المستخدمة أثناء الحملة أو قبلها.

وهنا ينبغي التمييز بين ظواهر كثيراً ما تختلط في الخطاب السياسي والإعلامي. فالتزوير الانتخابي، بالمعنى القانوني، يتعلق بأفعال تنتهك قواعد العملية بقصد التأثير في نتيجتها. وشراء الأصوات شكل من التأثير المباشر في القرار الانتخابي. والزبونية تبادل غير متكافئ بين السياسي والناخب، في صورة خدمات أو موارد أو وعود مقابل دعم سياسي. والفساد استغلال للسلطة أو النفوذ لتحقيق منفعة خاصة. وتختلف هذه الظواهر عن الوساطة الانتخابية، التي قد تكون في أصلها نشاطاً سياسياً مشروعاً، لكنها قد تتحول، عندما ترتبط بالمال والمصالح الخاصة، إلى قناة لإنتاج النفوذ الانتخابي.

فـ«خصخصة التلاعب الانتخابي» لا تجمع هذه الظواهر تحت اسم واحد، وإنما تشير إلى احتمال انتقال جزء من القدرة على التأثير في الانتخابات من المجال المؤسسي المباشر إلى شبكات خاصة متعددة، يتوزع فيها النفوذ بين مرشحين ذوي موارد، وفاعلين اقتصاديين، ووسطاء محليين، وشبكات مصالح.

ما تقوله أرقام 23 شتنبر 2026

أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة الوطنية بلغت أكثر بقليل من 38 في المائة، وأن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15,8 مليون ناخباً. أي أن نحو 62 في المائة من المسجلين لم يدلوا بأصواتهم.

وتصبح الصورة أكثر دلالة إذا انتقلنا من الهيئة الناخبة المسجلة إلى مجموع المواطنين المؤهلين للتصويت. فقد أشارت معطيات منشورة عشية الاقتراع إلى أن عددهم يقارب 27 مليوناً، مقابل 15.8 مليوناً مسجلين. وإذا اتخذنا ذلك أساساً للمقارنة، فإن المشاركين فعلياً لا يمثلون سوى نحو 22 في المائة من المؤهلين، أي أن قرابة أربعة أخماسهم لم تشارك في الاقتراع. وهذه المقارنة لا تعني أن عدم التسجيل يعادل العزوف بعد التسجيل، لكنها تكشف اتساع المسافة بين المجتمع الذي يمكن أن يشارك انتخابياً والهيئة التي تدخل فعلاً في عملية الاقتراع.

ولا يمكن تحويل هذه النسبة إلى دليل تلقائي على التلاعب، ولا اختزال العزوف في سبب واحد. فقد يرتبط بعدم الثقة في المؤسسات، وضعف التعبئة الحزبية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة المنافسة، أو بشعور المواطن بأن صوته لا يغيّر موازين القرار. لكن انخفاض المشاركة يغيّر البيئة التي تتحرك فيها الشبكات المنظمة: فكلما تقلصت قاعدة المشاركة الفعلية، يمكن أن ترتفع القيمة النسبية للقدرة على تعبئة كتلة محددة من الناخبين.

وهنا المفارقة: قد تكون المشكلة الديمقراطية أقل ارتباطاً بعدد الأصوات داخل الصندوق، وأكثر ارتباطاً بعدد المواطنين الذين لا يصلون إليه أصلاً. ومن يشارك فيه جزء محدود من المؤهلين يطرح سؤالاً يتجاوز نسبة المشاركة: من يملك القدرة على تحريك الجزء الذي يذهب إلى الصندوق، ومن يستطيع تحويل التنظيم والمال والعلاقات إلى مشاركة فعلية؟

وتزداد أهمية السؤال مع نتائج الملاحظة المدنية. فقد جرى، وفق النسيج الجمعوي لرصد الانتخابات الذي يضم 78 جمعية واعتمد 1455 ملاحظاً، رصد 59 حالة اشتباه في استعمال المال أو الرشوة لاستمالة الناخبين، و53 حالة استعمال لممتلكات عمومية لفائدة مرشح أو حزب، و279 حالة «توجيه» للناخبين، أي في نحو 6 في المائة من أصل 4645 مكتباً شملتها الملاحظة. كما أُشير إلى أن الناخبين لم يأخذوا بأنفسهم ورقة الاقتراع في نحو 28 في المائة من الحالات المرصودة.

هذه المعطيات ليست أحكاماً قضائية، ولا تثبت وحدها نمطاً وطنياً شاملاً. لكنها تكشف تعدد مستويات التأثير التي قد تسبق لحظة الاقتراع أو ترافقها، وتفتح سؤالاً أوسع: هل أصبح النفوذ الانتخابي يُبنى أحياناً خارج الصندوق أكثر مما يُبنى داخله؟

المال والوساطة والحزب

المال لا يحتاج دائماً إلى الانتقال من يد المرشح إلى يد الناخب كي يتحول إلى قوة انتخابية. قد يكفي أن يمول الحملة، ويوسع دائرة الحضور، ويوفر وسائل الاتصال والنقل، ويستقطب الوسطاء، وينظم اللقاءات، ويؤسس شبكة علاقات تجعل المرشح أقدر على الوصول إلى الناخبين من منافسين لا يملكون الموارد نفسها.

وهنا تصبح الحدود بين المنافسة المشروعة والتأثير غير المتكافئ أكثر تعقيداً. فامتلاك المال ليس جريمة، وامتلاك شبكة اجتماعية واسعة ليس مخالفة. المشكلة تبدأ عندما تتحول القدرة الاقتصادية والاجتماعية إلى شرط عملي للولوج إلى المنافسة، فتصبح البرامج والأفكار أقل تأثيراً من القدرة على الإنفاق والتعبئة والوساطة.

وهذا يقود إلى الأحزاب. فالحزب، في النظرية الديمقراطية، ليس مجرد اسم على ورقة الاقتراع. إنه مؤسسة لتكوين النخب وتأطير المواطنين وإنتاج البرامج واختيار المرشحين وربط المجتمع بالمؤسسات. لكن عندما يضعف التنظيم الحزبي المحلي وتتراجع العضوية، ويصبح العمل السياسي أكثر ارتباطاً بالانتخابات منه بالتأطير المستمر، تظهر مساحة يملؤها المرشح صاحب المال أو الشبكة.

وهنا تحدث عملية أعمق من شراء الأصوات: خصخصة جزء من الوظيفة السياسية للحزب. يظل الحزب قائماً قانونياً بأجهزته ومؤتمراته وقياداته، لكن جزءاً من وظيفته ينتقل إلى المرشح وشبكته الخاصة. فهو الذي يملك القدرة على الوصول إلى الناخبين، ويوفر شبكة التعبئة، ويمتلك الوسيط المحلي، ويموّل الحملة أو جزءاً كبيراً منها. فلا يعود الحزب بالضرورة هو الذي ينتج المرشح، بل قد يصبح المرشح هو الذي يفرض على الحزب قيمة انتخابية مصدرها خارج المؤسسة.

وتتحول التزكية الحزبية عندئذ من قرار تنظيمي إلى مورد سياسي. وكلما ارتبطت المنافسة بالقدرة على الفوز أكثر من القدرة على إنتاج مشروع سياسي، ارتفعت قيمة من يملك شبكة انتخابية جاهزة. فيصبح السؤال ليس فقط: من ترشح الأحزاب؟ بل: من يملك فعلاً القدرة على جعل الحزب يحتاج إليه؟

والوسيط المحلي في قلب هذه المعادلة، وهو ليس بالضرورة فاسداً أو مخالفاً للقانون. قد يكون فاعلاً جمعوياً أو شخصية اجتماعية أو منتخباً محلياً أو صاحب علاقات واسعة في حي أو قرية أو شبكة مهنية أو عائلية. لكن عندما تصبح هذه العلاقات قابلة للتحويل إلى أصوات، ثم إلى قيمة سياسية، يظهر ما يمكن تسميته «اقتصاد الوساطة الانتخابية». وفيه لا تُباع الأصوات بالضرورة في صفقة مباشرة، بل يُتداول شيء أعقد: الوصول إلى الناخبين، والقدرة على تعبئتهم، وضمان حضورهم، وربطهم بشخص أو شبكة أو مرشح. فيتحول رأس المال الاجتماعي إلى رأس مال انتخابي، ويصبح المال قادراً على شراء الوساطة حتى حين لا يشتري الصوت.

وهذا ما يجعل «الخصخصة» أدق من «التزوير»: فالتزوير يفترض تدخلاً في النتيجة أو في إجراءات الاقتراع، أما الخصخصة المفترضة هنا فانتقال جزء من القدرة على تشكيل النتيجة إلى فاعلين خاصين يعملون خارج البنية الحزبية الرسمية، ولكن داخل المجال السياسي.

الدولة والملاحظة الرسمية

هذا لا يعني أن الدولة غائبة. فهي صاحبة الدور المركزي في تنظيم الانتخابات ووضع قواعدها والإشراف على مراحلها الأساسية، وللمؤسسات القضائية والرقابية أدوارها في المخالفات والطعون. وقد أعلنت وزارة الداخلية أن الاقتراع جرى، باستثناء حالات محدودة ومعزولة، في ظروف عادية. وقال المجلس الوطني لحقوق الإنسان إن العملية جرت في مناخ «شبه عادي»، وإن المخالفات والاختلالات المسجلة لم تتجاوز 3 في المائة من الحالات المرصودة والمحللة.

وهذه المعطيات تمنعنا من استنتاج مبالغ فيه: لا يجوز تحويل مؤشرات الوساطة أو المال إلى حكم بأن العملية برمتها غير نزيهة. لكن انتظام يوم الاقتراع لا يجيب عن السؤال الأوسع حول تكافؤ شروط المنافسة. فمحضر التصويت لا يكشف كيف بُني النفوذ قبله، ومراقبة الحسابات الرسمية لا تكشف كل أشكال الإنفاق غير الرسمي، وغياب المخالفة داخل مكتب معين لا يعني أن الشروط السابقة كانت متساوية. لذلك ينبغي أن تنتقل النزاهة الانتخابية من مفهوم ضيق يحمي الصندوق إلى مفهوم أوسع يحمي البيئة التي تسبقه.

النظام الانتخابي والعزوف

يفتح هذا ملف النظام الانتخابي نفسه. فتوزيع المقاعد، وحجم الدوائر، وشروط الترشح، ونمط الاقتراع، وقواعد تمويل الحملات، ليست تفاصيل تقنية محايدة تماماً، لأنها تؤثر في نوع المرشح القادر على المنافسة، وفي أهمية التنظيم الحزبي، وفي دور الشبكات المحلية. ومع ذلك لا ينبغي افتراض أن كل قاعدة صُممت لخدمة فاعل بعينه، فالهندسة الانتخابية قد تنتج نتائج مقصودة وغير مقصودة. والسؤال الأهم ليس فقط: من يستفيد من النظام؟ بل: أي سلوك سياسي يكافئه؟

فإذا كافأ النظام، في بعض السياقات، المرشح القادر على بناء شبكة محلية أكثر من الحزب القادر على تقديم مشروع وطني، فقد تتعزز شخصنة المنافسة. وإذا ارتفعت تكلفة الوصول إلى البرلمان، صارت القدرة المالية أكثر أهمية في اختيار المرشحين وإدارة الحملات. وإذا تراجع التأطير الحزبي، وجدت الشبكات الخاصة مساحة أوسع لملء الفراغ. وهنا تلتقي مشكلة المال بمشكلة العزوف.

ولا يعني انخفاض المشاركة أن المواطنين فقدوا الثقة جميعاً، ولا أن الانتخابات فقدت شرعيتها القانونية، ولا أن العزوف «ينتج» التلاعب آلياً. لكنه قد يعيد توزيع القوة داخل «السوق الانتخابية»: فكلما ضعف ارتباط المواطن بالحزب والمؤسسة، يمكن أن تزداد قيمة الوسيط الذي يصل إليه؛ وكلما تراجع التنظيم السياسي، ارتفعت أهمية المال القادر على تمويل التعبئة؛ وكلما ضعفت البرامج، ارتفعت قيمة من يضمن الحضور الانتخابي.

ولا تنتهي المشكلة عند يوم الاقتراع. فالمرشح الذي يصل إلى البرلمان عبر شبكة واسعة من الوسطاء والموارد قد يجد نفسه مطالباً بالحفاظ على العلاقات التي أوصلته. وإذا تكرر ذلك، فقد تتغير طبيعة التمثيل نفسه: منتخب أقل ارتباطاً بالحزب وبرنامجه، وأكثر ارتباطاً بالمصالح المحلية التي صنعت نجاحه. وهنا الخطورة الحقيقية، لأن الديمقراطية ليست مجرد حساب للأصوات، بل مؤسسة لإنتاج التمثيل. وقد تبقى الانتخابات قائمة شكلياً بينما يتغير مضمون الوساطة السياسية من الداخل.

حدود الفرضية وكيفية اختبارها

لا يعني هذا أن كل منتخب أسير لمصالح خاصة، ولا أن كل حزب فقد وظيفته، ولا أن كل دائرة أصبحت سوقاً مغلقة. مثل هذه التعميمات لا يمكن الدفاع عنها علمياً. والظاهرة، إن ثبتت، لن تكون متطابقة في كل المناطق، فالمنافسة تختلف بين المدن والقرى وبين الدوائر، بحسب قوة التنظيمات الحزبية وشبكات المجتمع المحلي وطبيعة المرشحين ومستوى المشاركة. كما أن جزءاً كبيراً منها صعب القياس، فالوساطة لا تترك دائماً أثراً مكتوباً، والإنفاق غير الرسمي يصعب رصده، وشراء الأصوات لا يتم بالضرورة في صفقة يسهل إثباتها.

ولهذا يجب أن يبقى مفهوم «خصخصة التلاعب الانتخابي» فرضية تحليلية قابلة للاختبار، لا حكماً نهائياً. واختبارها لا يتم بالخطاب السياسي وحده، بل بدراسة مقارنة للدوائر تربط بين الموارد المالية للمرشحين وأنماط الإنفاق وحجم الشبكات المحلية وعدد الوسطاء ودرجة التنظيم الحزبي ونسب المشاركة ونتائج الاقتراع، مع تتبع مسارات المرشحين داخل الأحزاب ومصادر تمويل الحملات وعلاقات المنتخبين بالفاعلين الاقتصاديين والمحليين. وعندها فقط ننتقل من الانطباع السياسي إلى الاستنتاج العلمي.

لكن المؤشرات المتاحة تكفي لطرح السؤال: حالات اشتباه في شراء الأصوات، واستعمال موارد عمومية في سياق انتخابي، وتوجيه للناخبين، وعدم أخذ الناخبين الورقة بأنفسهم في نسبة معتبرة من الحالات المرصودة، إلى جانب تراجع المشاركة مقارنة بالانتخابات السابقة. لا تثبت هذه العناصر وجود نظام شامل من التلاعب، لكنها تجعل من الصعب اختزال النقاش الديمقراطي في سلامة الصندوق وحدها. والأهم أن الملاحظة الرسمية والمدنية تفتحان سؤالاً مشتركاً حول تكافؤ الفرص، فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان نفسه ربط تعزيز المشاركة بالشفافية والمساءلة والمساواة في الفرص، ودعا إلى إتاحة معطيات أدق حول المشاركة والمرشحين.

نحو إصلاح سياسي قبل أن يكون تقنياً

إذا كانت المشكلة قد انتقلت، ولو جزئياً، من الصندوق إلى ما يسبقه، فالإصلاح لا يتوقف عند تشديد الرقابة يوم الاقتراع. المطلوب مزيد من الشفافية في تمويل الحياة السياسية، ومراقبة أنجع للإنفاق الانتخابي، وأدوات لرصد الموارد غير الرسمية، وتعزيز استقلال أجهزة الرقابة والقضاء، وتشجيع البحث الميداني حول الوساطة وشراء الأصوات وتضارب المصالح.

لكن الإصلاح الأهم سياسي قبل أن يكون تقنياً، فلا يمكن محاربة خصخصة الوظيفة السياسية للحزب دون إعادة بناء الحزب نفسه. فالحزب الذي لا ينتج النخب ولا يؤطر المواطنين ولا يملك حضوراً اجتماعياً حقيقياً سيبحث في النهاية عمن يملك ما ينقصه: المال والشبكة والحضور المحلي والقدرة على التعبئة. وعندما تصبح الأحزاب أحوج إلى هذه الشبكات من حاجة الشبكات إليها، ينقلب اتجاه الوساطة، ولا يعود الحزب يملك المرشح بالكامل، بل يصبح المرشح مالكاً لجزء من القيمة الانتخابية للحزب. وهنا تبدأ الخصخصة السياسية.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب العملية الديمقراطية ليس فقط أن يُشترى صوت ناخب، بل أن تصبح القدرة على الوصول إلى الأصوات نفسها سلعة؛ وليس فقط أن يُستعمل المال في الحملة، بل أن يصبح طريقاً إلى التزكية والنفوذ والتمثيل؛ وليس فقط أن يظهر الوسيط في الانتخابات، بل أن يصير بديلاً عن الحزب في وظيفة يفترض أن تكون مؤسساتية. عندها لا تكون الانتخابات قد انتقلت بالضرورة من الديمقراطية إلى التزوير، وإنما دخلت منطقة أعقد: منافسة قانونية في شكلها، أقل تكافؤاً في شروط إنتاجها.

لذلك فالسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل الصندوق نزيه؟ بل سؤال أعمق: من يملك الطريق المؤدي إلى الصندوق؟

فقد يكون الصندوق منظماً والمحاضر سليمة والفرز خاضعاً للمراقبة، بينما تكون المنافسة قد تشكلت قبل ذلك بأسابيع أو أشهر داخل شبكات من المال والعلاقات والوساطة والتزكية. وعندما تصبح القدرة على صناعة الحضور السياسي قابلة للشراء أو التفويض أو التعاقد غير المعلن، فقد نكون أمام احتمال تحول أعمق في طبيعة السياسة نفسها.

فحماية الديمقراطية الانتخابية لا تبدأ عند ستار مكتب التصويت ولا تنتهي بإعلان النتائج. إنها تبدأ من السؤال عمن يصنع المرشح، ومن يموّل حضوره، ومن يبني شبكته، ومن يصل إلى الناخب. فقد يكون الصندوق نزيهاً في اللحظة التي تلامس فيها اليد ورقة الاقتراع، لكن السياسة تكون قد حُسم جزء من شروطها قبل ذلك بكثير.

وهنا تبدأ المسألة الديمقراطية الحقيقية: ليس فقط في حماية الصندوق، وإنما في حماية الطريق المؤدي إليه.

شارك هذا الموضوع

عبد الواحد غيات

باحث في العلاقات الدولية والجيوسياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!