موقع الثقافة والهوية في المشروع الانتخابي للحركة الشعبية

موقع الثقافة والهوية في المشروع الانتخابي للحركة الشعبية

موقع الثقافة والهوية في المشروع الانتخابي للحركة الشعبية

 المختار العنقا الإدريسي

استهلال أولي

       وتبقى إضافة حزب الحركة الشعبية، بعد الاستناد إلى الموقع الرسمي له ومقارنة ذلك بما نشرته مصادر صحفية متخصصة حول مضامينه، أمراً طبيعياً لإغناء القراءة التي نقوم بها للبرامج الانتخابية، بحثاً عن موقع الثقافة ضمن المشاريع السياسية للأحزاب المعنية، محافظين – في نفس الوقت – على المنهج نفسه الذي اعتمدناه في توقفاتنا السابقة، ليس بهدف البحث عن عدد مرات ورود كلمة الثقافة، بل من أجل استكشاف الفلسفة التي تحكم حضورها داخل الرؤى العامة للحزب.

الحركة الشعبية: [حين تتحول الثقافة إلى مشروع للهوية والإبداع وبناء الإنسان]

قد يكون من الخطأ أن نبحث عن “الثقافة” في برنامج الحركة الشعبية باعتبارها قطاعاً مستقلاً فقط، لأن حضورها الحقيقي يبقى موزعةً بين الهوية والأمازيغية والصناعة التقليدية والإعلام والشباب والمدرسة وجودة العيش. وهذا التوزيع يكشف أن المسألة الثقافية في التصور الحركي لا تُفهم باعتبارها نشاطاً فنياً محدوداً، وإنما باعتبارها جزءاً من مشروع بناء الإنسان والمجتمع والدولة.

  1. الثقافة بوصفها رصيداً وطنياً قابلاً للإنتاج

يبدو أن الثقافة في التصور الحركي ليست مجرد مجال للدعم العمومي، إنها رصيد وطني يمكن تحويله إلى قيمة اقتصادية واجتماعية وإبداعية. فعندما يطرح البرنامج صناعة ثقافية مغربية بمعايير دولية، من خلال صندوق للثقافة، وإنتاجات سمعية بصرية، ودعم للفنون، وإنشائ متاحف وفضاءات ثقافية في المناطق المحرومة، وربط للدعم العمومي بالتسويق، فالتراث والذاكرة والإنتاج الفني والسمعي البصري والمحتوى الرقمي يمكن أن تتحول وفق هذا المنظور إلى صناعات وفرص وإشعاع، وهنا تنتقل الثقافة من موقع “المتلقي للدعم” إلى موقع “المنتج للقيمة“.

وهو انتقال مهم، لكنه يطرح سؤالاً ضرورياً: فهل تقاس قيمة الثقافة بما تنتجه من مردودية اقتصادية، أم أن لها قيمة إنسانية وحضارية تتجاوز منطق السوق؟ فالاقتصاد الإبداعي يمكن أن يكون رافعة للثقافة دون أن تفقد — الثقافة — استقلالها الإنساني حين تدخل عالم الاقتصاد.

وتبقى إحدى السمات الأساسية لذاك التصور الحزبي هي أن الثقافة ليست شيئاً ينبغي أن ندعمه، إنها شيء يستوجب الإنتاج والاستثمار والتصدير، وبذلك تتحول إلى قوة اقتصادية ورمزية في آن واحد. الأمر الذي يفتح أمامنا سؤالاً ضرورياً للتأمل، نصوغه كالتالي: هل تكمن قيمة العمل الثقافي في قدرته على المنافسة والتسويق الدولي فقط، أم أن للإبداع قيمة إنسانية وحضارية حتى عندما لا يحقق مردودية اقتصادية؟

  1. الهوية ليست ذاكرة للماضي فقط

يولي برنامج الحزب أهمية واضحة لمكونات الهوية المغربية، وللعربية والأمازيغية، وللتراث المادي واللامادي، ولرقمنة الذاكرة الوطنية. كما يقترح إدماج هذا الرصيد في التعليم والسياحة والإعلام والصناعات الثقافية والإبداعية. ومن هنا تبدو الثقافة باعتبارها ذاكرة حية لا أرشيفاً مغلقاً.

ويذهب البرنامج إلى عدم الوقوف بها عند الفن، وجعلها متصلة وبقوة بالهوية الوطنية وبالأمازيغية وبالتراث والصناعة التقليدية. ويذهب البرنامج الحزبي إلى أبعد من حماية التراث، حين يقترح تحويل الأمازيغية إلى رافعة للاقتصاد الثقافي والسياحي والإبداعي، مع التنصيص على إنتاج أفلام وموسيقى وكتب ومحتويات رقمية، وتوثيق للتراث الشفهي، وربط الثقافة الأمازيغية بالسياحة والاقتصاد المحلي.

وبالتالي فإن التراث لا يُحفظ فقط، بل يُعاد إنتاجه داخل المؤسسات التربوية والمجالات السياحية وقنوات الإعلام وقطاعات الصناعة الثقافية والإبداعية. وهنا تبدو الثقافة باعتبارها ذاكرة حية لا أرشيفاً مغلقاً. لكن السؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحاً يتحدد في: كيف نحول الهوية من موضوع للحماية إلى مصدر للإبداع؟ علماً أن الهوية التي لا تنتج معرفة وفناً وأدباً ومحتوى جديداً قد تتحول إلى مجرد استدعاء للماضي، بينما الهوية الحية هي التي تستطيع أن تصنع من ماضيها مادة للمستقبل.

  1. المدرسة بين الثقافة وبناء الشخصية والفضاء الرقمي

ويبقى البعد الأعمق في برنامج الحزب هو الاقتراح المتعلق بإعادة صياغة المؤسسة التربوية باعتبارها مجالاً لبناء الشخصية، مع تعميم النوادي الثقافية والفنية، وإعطاء الأنشطة الموازية – وهي تسمية في غير موضعها، لأنها مكملة للعمل التعليمي التعلمي وليست موازية له – مكانة أساسية في الحياة المدرسية. وهو ما يعني أن الثقافة لا تُترك خارج المدرسة، علماً أنه لا ينبغي لهذه الأخيرة أن تنتج حافظاً للمعلومات فقط، بل مواطناً مستقبلياً قادراً على الإبداع والمشاركة والعمل الجماعي والمواطنة. وهذا بدوره يقرب برنامج الحزب من السؤال المركزي الذي بنينا عليه هذه القراءة التأملية: “أي إنسان نريد أن نبني؟”. ويبقى الجواب الذي يمكن استخلاصه من هذا الجانب هو: إنسان متكامل لا تختزل شخصيته في التحصيل الأكاديمي فقط.

ومن اللافت كذلك حضور المحتوى الرقمي في التصور الحركي، من خلال الدعوة إلى إنتاج محتوى هادف وذي جودة تعزز حضور الثقافة المغربية في الفضاء الرقمي. ولتدخل الثقافة منطقة مساندة للعمل التربوي، لم يعد معها المسرح أو الكتاب أو المتحف… هي ما يصنع الثقافة، فقد غدت المنصات الرقمية فضاءات لإنتاج المعنى وتشكيل الذوق والوعي. ومن ثمة يصبح الاستثمار في الثقافة الرقمية استثماراً في قدرة المغرب على إنتاج صورته عن نفسه، لا مجرد استهلاك ما ينتجه الآخرون.

  1. الثقافة والشباب: من الاستهلاك إلى الإبداع

يتصل بذلك تصور جديد لدور الشباب وباقي الفضاءات العمومية، من خلال تحويلها إلى فضاءات للإبداع والفنون والتكنولوجيا والمكتبات الرقمية… وهنا يتسع مفهوم الثقافة لتصبح جزءاً من سياسة الشباب. فالشاب(ة) ليس مستهلكاً للثقافة فحسب، بل هو منتج لها، مشارك في صناعتها، قادر على تحويلها إلى معرفة ومبادرة وفرصة. وهذه النقلة مهمة جداً لأنها تحول السؤال من فكرة: “ماذا نقدم للشباب؟” إلى: “ما الذي نتيحه للشباب حتى ينتجوا بأنفسهم؟“.

  1. الثقافة والمجال: من المركز إلى الجهات

تظهر المسألة الثقافية أيضاً في تصور المدينة والفضاء العمومي، وفي الدعوة إلى إحداث فضاءات ثقافية ومتاحف ومرافق في المناطق المحرومة ثقافياً، لأنه لا ينبغي أن تظل مركزة في المدن الكبرى. لكن الاختبار الحقيقي هنا ليس في الإعلان عن “المبادرات الجهوية”، وإنما في ضمان العدالة الثقافية بين المركز والهامش، وبين المدينة والقرية، وبين الجهات ذات الإمكانات المختلفة. وهنا تبرز فكرة العدالة الثقافية حتى وإن لم تُصغ دائماً بهذه العبارة الصريحة، إذ لا معنى لثقافة وطنية إذا ظلت بنيتها الأساسية مركزة في المدن الكبرى فقط.

  1. الإعلام والصناعة التقليدية: حين تصبح اقتصاداً حياً ومعركة لإنتاج الصورة
  • لا يعزل – برنامج الحزب – الصناعة التقليدية عن الثقافة، بل يربط الحرف والمواد المحلية بالمعمار والسياحة والتعليم والتكوين والصفقات العمومية. ومن هنا تصبح “الحرفة” ذاكرة مادية للمجتمع، ومورداً اقتصادياً، ومجالاً للإبداع في نفس الوقت. وهو ما يوسع مفهوم الثقافة من الكتاب والفن إلى مختلف طرائق العيش والصناعة والذوق والمعمار والمنتوج المحلي.
  • وينضاف إلى ما تقدم اهتمام الحزب بالإعلام والدفاع عن التعددية وتطوير قطاع الصحافة والنشر، الأمر الذي يضع الثقافة أمام سؤال يتمحور حول إنتاج الصورة التي يقدم بها المغرب نفسه ليس لمواطنيه فحسب، بل حتى لساكنة العالم الذي غدا قرية صغيرة بفعل مختلف المستجدات والتطورات التكنولوجية. وهنا نجد أن الثقافة تتقاطع مع الإعلام، فمن ينتج الصورة؟ ومن يحدد ما يستحق أن يُرى؟ ومن يصنع الذوق العام؟ وهي – في جوهرها – أسئلة ثقافية بامتياز.

الخلاصة النقدية

تكشف القراءة المتأنية للبرنامج الانتخابي للحركة الشعبية أن الفلسفة الثقافية للحزب يمكن تركيبها في سلسلة أو معادلة تنطلق من: الهوية ← المدرسة ← الإبداع ← الصناعة الثقافية ← الشباب والتنمية ← الإشعاع. أي أن الثقافة في هذا المشروع الحزبي تتحرك من التراث والهوية نحو الإنتاج والإبداع والقيمة. وهي معادلة تجعل الثقافة جزءاً من القوة الاقتصادية والرمزية للمغرب.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام “التعاقد الحركي” هو:

  • كيف يمكن أن تظل الثقافة حقاً إنسانياً وحاضنة للتفكير والإبداع، وهي في نفس الوقت مطالبة بأن تصبح صناعة ومصدراً للقيمة وللإشعاع؟
  • كيف نضمن ألا تتحول الثقافة إلى مجرد صناعة، وألا تتحول الهوية إلى مجرد شعار، وأن يبقى الإنسان المبدع والمواطن المستفيد في قلب هذه المعادلة؟
شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!