ميزة التقاطع والتماهي في رواية “رجل المرايا المهشمة”
عبد النبي بزاز
تتشكل رواية “رجل المرايا المهشمة” للأديبة والروائية السورية لبنى ياسين من موضوعات متعددة أبرزها موضوع المعاناة النابعة من رحم مجتمع يعج بأنواع الظلم المرتبط بأوضاع اجتماعية تخترمها أعطاب وآفات ناتجة عن مواضعات رسخها طغيان فكر يرتهن لتقاليد تفتقر للوازع الإنساني بأبعاده القيمية والفكرية، وأسسه الحسية والوجدانية بما يفرزه من ضحايا مآسي ونكبات يطفح بها محيط بيئة يعشش فيها البؤس والحرمان. فالرواية تمتلك عناصر السرد الأساسية من شخوص، وأحداث، وحوار، ووصف. وكلها عناصر تتميز بالوفرة والتعدد والتنوع. فعلى مستوى الشخصيات المتمثلة في دلال، وزوجها، ووالدته، وابناها ناجي وسالم وصطوف، ووالدها المتوفى في مرحلة الشباب، ووالدتها، وأختاها الكبرى والصغرى، وأبو نعيم صاحب ورشة النجارة، وقابلة الحارة أم هشام، ومها ابنة أخت زوجة الأب الثانية، والمكنى بأبي توفيق صاحب عربة بيع الخضار وابنته سحر، والطبيبة زوجة ناجي، ومنى في تقاطع مع أحداث الرواية ووقائعها، وما خلقه من حالات ومواقف متباينة التجليات والأبعاد والتبعات، وإن كانت شخصية دلال وصطوف وما أحاط بهما من ظروف، وما جاورهما من أفراد، هما مركز الأحداث وقطباها الأساسيان. فدلال التي تكسرت طموحاتها، في ولوج الجامعة ودراسة الفنون الجميلة، بعد وفاة والدها ليتم تزويجها من شخص لا تتقاسم معه أي أمل أو حلم كما ورد على لسانها في “مونولوغ ” حميمي ينضح حسرة وأسى: ” لم يكن هذا ما حلمت به، بل طالما داعبها حلم بإكمال دراستها، ودخول الجامعة، عششت كلية الفنون الجميلة في رأسها حلما يدغدغ صباها الذي هرب باكرا من حنايا قلبها… حلمت بأشياء كثيرة لم يكن من ضمنها ترك المدرسة والزواج من رجل معدم الأحلام منعدم الأحاسيس والسكن في منزل من غرفتين صغيرتين متواضع حد حقارة العيش، دون أي شعور بالدفء والسكينة بين جنباته… “ص12، نفس المسار اتخذته حياة أختيها الكبرى والصغرى اللتين تزوجتا في سن مبكرة للتموقع داخل مجتمع يتربص بمثل من هن في وضعيتهن خصوصا أنهن يتمتعن بالجمال والشباب في حضن أم أرملة تحتفظ هي أيضا ببقية حسن وجمال يثير أطماع العديد من من منعدمي الأخلاق من الذئاب البشرية، فتصبح، أي دلال، متورطة في علاقة زوجية خالية من أي شعور، أو ميول عاطفي نحو زوجها كما تصور ذلك: “بعدها وجدت دلال نفسها في بيت متواضع لرجل لم تستطع رغم سنين زواجها التي أكملت سبعا أن تتعرف عليه، أو أن تحبه، أو أن تكن له أي شعور، ولو حتى بالكره. “ص14. وتوالت معها المآسي والنكبات من إسقاط جنينين قبل أن ترزق بعدها بابنيها ناجي وسالم، ثم حملها من أبي نعيم صاحب ورشة النجارة التي يشتغل بها زوجها بعد أن اغتصبها بوحشية حين اقتحم بيتها ليلا في غياب زوجها لزيارة والدته المريضة. حمل عانت معه الكثير، وحاولت التخلص منه بشتى الوسائل إلا أنها لم تتمكن من ذلك لتنجب طفلا مشوها ، كرهته ونفرت منه منذ خروجه من رحمها إلى أن وافتها المنية، فامتنعت عن إرضاعه والاعتناء به مما جعله يكبر منبوذا، ويواجه حياة الإقصاء والتهميش خلال تواجد والدته وحتى بعد وفاتها حيث استمرت علاقته مع والده، وزوجته الثانية على نفس الوتيرة من استصغار واحتقار وتجاهل باستثناء أخيه الأوسط سالم الذي آزره في محطات عديدة من حياته . فارتباطا بتقاطع الأحداث مع ما يحيط بها من أشخاص تبرز شخصية دلال وابنها المشوه المنبوذ صطوف الذي تقاسم مع والدته مآسي مصدرها الذات والآخرين. فإن كانت دلال قد واجهت مشاكل عويصة عقب وفاة والدها وتزويجها، وهي في مقتبل العمر، من زوج لا تتقاسم معه أي أفكار، أو أهداف داخل بيت يغمره الفقر وضيق العيش، وفقدت في مرحلة الحمل جَنِيَنيْن، ثم ما تلا ذلك، وبعد إنجاب ابنيها ناجي وسالم، من قصة اعتداء أبي نعيم عليها جنسيا، وما نتج عن ذلك من حمل كان ثمرته ابنا مشوها حمل اسم صطوف، والذي عاش الكثير من الأزمات منذ ولادته بحيث لم يتمكن من المشي حتى تجاوز الثلاث سنوات، كما تأخر أيضا في النطق فعانى من التهميش سواء داخل محيط أسرته، أو خارجه فظل منبوذا بلا أصدقاء سواء في المدرسة أو الحي، باستثناء أخيه سالم الذي كان يمد له يد العون والدعم. معاناة تفاقمت معها المشاكل والمثبطات مع تقدمه في السن وبالخصوص إزاء المرأة التي كان يخشى الاقتراب منها استحضارا لما لقيه من أمه من كراهية، وازذراء ونفور، وإزاء الرجل أيضا متمثلا في والده وأخيه ناجي اللذين كانا يعاملانه بحياد وفتور ولا مبالاة. فهذا الموقف السلبي من لدن أسرته التي أجبرته على التوقف عن الدراسة بالمرحلة النهائية للإعدادي للاشتغال بورشة حيث برع في حرفة النجارة، وذلك لمساعدة أخويْه على إتمام دراستهما التي أنهياها بنجاح ليصبح ناجي طبيبا، وسالم مهندسا بينما انتهى به المآل إلى الاشتغال بوظيفة في قبو بالمشفى يضم برادات لاستقبال جثث الموتى قبل تسليمها لذويها، وهي وظيفة توسط له فيها سالم، ثم اكترى بعدها بيتا استقر فيه لتشاركه في مأواه زوجته “سَحَر”، ابنة جاره صاحب عربة بيع الخضار أبي توفيق، ذات السابعة عشرة والتي كانت تعيش رفقة والدها بعد أن فقدت والدتها، زواج لم يحدث لولا إلحاح صاحب عربة بيع الخضار الذي تجاهل تشوه خده، مخبرا إياه بحادث اغتصاب ابنته من قِبَل عامل مجهول اقتحم عليها البيت في غياب والدها فاعتدى عليه جنسيا، وأقنعه بالزواج منها مراعاة لما تعيشه من أوضاع صعبة وعويصة. إلا أنه فشل في حياته الزوجية التي لم تدم طويلا بعد أن حكت له زوجته “سَحَر” حقيقة اغتصابها من طرف والدها منتظرة تدخله لحمايتها إلا أنه عجز عن ذلك مما حذا بها لمغادرة البيت ،مستغلة توجهه إلى العمل، إلى وجهة مجهولة ليخفق من جديد في تحقيق حلم بدا له مستعصيا إن لم نقل مستحيلا، وإن كان إحساسه في التقرب من المرأة، والرغبة في التواصل معها قد راوده حين خفق قلبه عند رؤية “مها” ابنة أخت زوجة أبيه، وما شيده من أحلام حول نسج علاقة حب معها، إلا أن حلمه سرعان ما تبخر حين أثارت اهتمام أخيه سالم ، وحركت مشاعره، ففاتحها بموضوع زواج ما لبث أن تحقق عند حصوله على مرتبة مهندس. وعلاقته ب “منى” زميلته في العمل التي لم تتجاوز تبادل الاهتمام بموضوع قراءة الروايات التي تبادلاها، فلم يقو على التقاط إشاراتها طمعا في زواج كان يبدو لها صعبا لبلوغها سن الأربعين ، وافتقارها للحد الأدنى من الجمال فرغم ما يشوبه من تشوه في خده، وقماءة بنيته فسترضاه زوجا، فقبلت بزوج له أطفال رغم أنها كانت ترغب في شريك حياة أعزب مثل صطوف بعيوبه ليجهض حلم في تحقيق زواج كان في المتناول. لينتهي مسلسل علاقته بالمرأة بشكل مأساوي مقزز ومقرف حين دنس جثة عروس وافتها المنية ليلة زفافها اعتقل على إثرها، وزُجّ به في السجن حيث عاش كوابيس مرعبة سبقها سخط واستنكار أهل العروس الهالكة، ورفاقه في السجن الذي نعتوه بأبشع النعوت وأقذرها. وقد طوقته أوقات عصيبة لم تكن زيارة أخيه “سالم” له في السجن كفيلة بالحد من ضغطها، وما أخبره به من تكليف محامي للدفاع عنه من أجل التخفيف من مدة عقوبة الحبس. ليظل مصير صطوف، الذي عانى من قساوة الحياة واحتقار واستصغار الآخرين، معلقا على قادم لا يقل سوءا وشقاء منفتح على مجهول محفوف بالخيبات والانكسارات. ورغم أننا ركزنا على شخصيتيْ دلال وابنها صطوف لما شَكَّلاه من مركزية ومحورية داخل متن الرواية، فإن هناك شخصيات أخرى لا بد من الإشارة إليها كأبي نعيم الذي يعتبر الأب الحقيقي لصطوف، وهو سر أخفته دلال بين ضلوعها إلا أنه لم يسلم ويَنْجُ من تجرع مرارة ما عانته وقاسته نتيجة فعلته الشنيعة حين فقد ابنه الوحيد “نعيم” السابع بعد ست بنات، وما مزق ألياف قلبه من غم وألم إثر تلك الفاجعة التي خبأها له القدر جزاء لما اقترفه من ظلم في حق دلال وصطوف ، فشاءت الصدف أن يلحظ شبها بينه وبين صطوف، الذي كان يشتغل عنده في ورشة النجارة، على مستوى لين المفاصل التي أخذها أبو نعيم من أمه، وأخذتها ثلاث من بناته عنه إلا أن ذلك لم يشغله ولم يحيره طويلا مستبعدا حقيقة أبوته لصطوف ليلة اغتصابه لدلال، وتحويل حياتها إلى جحيم تحملت أتون آلام عذابه ومضاعفاتها وتبعاتها. وشخصية ناجي ابن دلال الأكبر الذي عمل على الارتقاء بمستواه الاجتماعي فصار طبيبا اختار الزواج من طبيبة تنتمي لطبقة ميسورة فابتعد عن الحي الذي نشأ فيه ليعيش في محيط من مستوى عالي، وَترسخت لديه قناعة ثابتة بالانتهازية حين استغل صطوف في صنع ما يحتاجه من تجهيزات لتأثيث بيته، دون استدعائه لحضور حفل زفافه مفتعلا مبررات واهية لإقصائه من ذلك عكس “سالم ” الذي كان قريبا منه، وآزره وقت المِحَن والشدائد. وعارض قرا ر توقيفه عن متابعة دراسته، ووجه له الدعة لحضور حفل زفافه مقدما له بذلة تليق بالحدث فكان أن جاء الاعتذار من جانب صطوف لأسباب ذاتية. كما أن هناك جوانب أخرى لم نتناولها بالتفصيل اللازم؛ مثل عشق صطوف للقراءة وولعه بها، وعلاقته الوجدانية الوطيدة بقطه “رفيق” الذي كان يؤنسه في الكثير من أوقاته بعد أن أنقذه من الضياع حين فقد أحد عينيه، واعتنى به كثيرا، وخلفت وفاته تأثيرا مؤلما في نفسه حين أخبره سالم بذلك وهو في السجن. ونظرا لتوالد الأحداث وتقاطعها، في تفاعل وتواشج، مع الشخصيات الشيء الذي يصعب معه مقاربتها بشكل يستجلي مدخلاتها ومخرجاتها، خلفياتها وأبعادها . لننتقل إلى عناصر أخرى ترتبط بالجانب السردي كالوصف الذي انصب ، في الغالب ، على أشخاص من قبيل “ديبو” زوج “دلال”: “زوجها رجل بدأ الصلع يهاجم رأسه بقوة، معتدل القامة، ممتلئ الجسد… له رقبة قصيرة ورقيقة… علاوة على ذلك فهو رجل سلبي لا يكاد يتخذ موقفا تجاه أي شيء في حياته، مسالم حتى الاستسلام … ” ص9، ثم الانتقال إلى وصف دلال: “أما هي فتحمل وجها رقيقا تتوجه ملامح ناعمة بشكل ملفت، ينسدل شعرها الأسود على كتفيها مقاطعا جبينا أبيض، وعينين واسعتين محملتين بالحزن والجمال، فيزيدها الشعر المنسدل برقة حسنا إلى حسن ، متوسطة الطول ، تملك عودا غضا يتمايل بغنج غير مقصود … لها صوت ناعم ، وإن شابته القسوة في بعض الأحيان … ” ص10، ومن ثمة الانتقال إلى وصف “مها ” ابنة أخت زوجة “ديبو” الثانية: “خداها الورديان اللذين تنساب عليهما بهجة الحياة وخفر الصبا، وعيناها الواسعتان التي تخبئ فيهما أحلام عشاق الأزمنة الغابرة ، شفتاها الممتلئتان دون اكتناز … وأنفها الصغير… أصابع يديها الرقيقة البيضاء، أسنانها اللامعة، شعرها الناعم المختبئ خلف شال حريري رقيق… وصوت رقيق… ” ص93، إلى وصف لبائع الخضار، و”منى” بأوصاف دقيقة لملامح المحيا، ومكونات الجسد والقوام… وهو عنصر، أي الوصف، ينضاف إلى بقية عناصر السرد من حوار، وأحداث، وشخوص تبرز مدى تَمَكُّن الروائية من ثوابت العمل القصصي ، وتمثلها وتملكها لضوابطه. وإن كان جانب التقاطع، بما يحمله من توافق وتناقض، وما يعج به من تجاذب وتنابذ من خلال علاقة أشخاص الرواية بوقائعها، فهناك جانب التماهي الذي يبرز في ما ربط صطوف بزوجته ” سَحَر” من مأساة اختزلها تشوه وجنته في ارتباط وموازاة بما تعرضت له من اغتصاب في سن مبكرة من لدن أقرب المقربين الذي هو والدها، وما عرفته حالتهما من تواشج واندغام فما فتئ يخاطبها في سره: “مثلي أنتِ تماما تحملين نتوءات تخجلين منها.. تحاولين إخفاءها… في ظروف غير هذه… كان يجب أن نتعشق نتوءاتنا بعضها ببعض فنلتحم بجراحنا، ونواسي بعضنا… غريب أن أواجه وجهي الآخر فيك! أن أواجه ذاتي بملامح امرأة…” ص161، حالة تماه تمظهرت مع “منى” أيضا: “لم تكن والحالة هذه نشوة منى بالحديث المتبادل عن الاهتمام المشترك بينهما أقل من نشوة صطوف ـ رجل المرايا المهشمة ـ على الإطلاق، فأوجاع بشاعة هذا الكائن توازي عنوسة تلك، كلاهما كان ينظر لنفسه بمرآة مقعرة كفيلة بتشويه تفاصيله بما يكفي لكره نفسه… ” ص189، في تماه بين خِلقته المشوهة، وعنوستها وافتقارها ولو لحظ بسيط من الجمال. وهناك موضوعات وعناصر وجوانب أخرى لم نتطرق إليها حسب ما تقتضيه طبيعة هذه القراءة وحدودها، ونأمل أن نكون ساهمنا، بقدر بسيط، في رسم صورة وتصور يبرز أهم مظاهر المعاناة وتجلياتها المتجسدة، بشكل جلي، في شخصيتيْ “دلال”، و”صطوف” داخل متن وسياق رواية نجحت ،إلى حد بعيد، في تصوير خلفيات وملامح أبعاد مآسي إنسانية لأشخاص تحملوا وزر وذنب مشاق حياة تطفح بويلات القهر والظلم، وأصناف الإهانة والاحتقار.
* رجل المرايا المهشمة (رواية) لبنى ياسين ـ أبجدية للترجمة والنشر / العراق2023
