نبيل لحلو.. قسوة الرَّكحِ وسُخرية العابرين
عبد الرحيم التوراني
في خريطة المسرحِ المغربي لا يُمكن المرور عبرَ نَبيل لحلو كأنَّك تعبرُ شارعا عاديا، فهو ليسَ مجرّدَ مخرج أو كاتب، بل هو زلزالٌ جمالي.. وناسك في محراب خشبةٍ لا تعرفُ المهادنة… هو ذلكَ المشاكس الذي اتخذَ من القسوة منهجا ومن التجريب بوصلة، ليغدوَ صوتا خارجَ السرب في زمنِ القطيع…
حينَ يخطو نبيل لحلو نحو الركح، فإنه لا يُقدم عرضا.. بل يُمارسُ طقسا من طقوس التطهير…
يتسللُ بجسدِه المنهكِ من فداحة الأسئلة، وبعينيه اللتين تلمعانِ ببريقِ الحكمة والجنون معاً، إلى أعماقِ الذاتِ المغربيةِ والجرحِ الإنسانيِّ العام…
إنه الفنانُ الذي قرر أن يشقَّ طريقَه عكسَ التيار، متسلحا بمشروعٍ فني لا يعترفُ بالبدايات السهلة ولا بالنهايات المريحة…
هو صانع أزمنة موازية، يُعيدُ تركيب الواقعِ عبرَ تفكيكِ النصّ وهدم قداسته، ليمنحَ الأشياء.. الكرسيُّ، الورقةُ، القلمُ… دلالاتٍ كونيةً تعاني وتصرخ..
لكنَّ نبيل لحلو خلفَ هذا القناعِ الصارم والذهن المتقد، هو كائنٌ يمشي بيننا بروحٍ تفيضُ بالبساطة…
ما زلتُ أستحضرُ تلكَ الرحلةَ الاستثنائيةَ التي جمعتني به يوما في القطار الرابط بين طنجةَ والرباط، وكنا عائدينَ من المهرجان الوطني للفيلمِ المغربي، حيثُ ذابتْ المسافات وتحوّل الصمتُ إلى حكايات من العبثِ الجميل…
في مقصورةِ القطار لم يكن نبيل هو مخرج القسوة الذي يزنُ حركةَ الممثلين بدقة الجراح، بل كان رفيقَ سفر يفيضُ بروحِ دعابة لا تنضب…
عندما أقبلَ مراقبُ القطار بزيِّه الرسمي الصارم… لم يجد صديقي نبيل أمامهُ سلطةً، بل وجدَ مادةً للحياة… ابتسمَ في وجه موظف السكك الحديدية بمودة طفولية، أشهرَ تذكرتَهُ في إيماءة مسرحية واثقة، وطلبَ مني بلطف أن أفعلَ مثله…
ثم.. وكأنما يُخرجُ مشهداً ارتجالياً، بادرَ نبيل المراقبَ بطلب غيرِ متوقع: “لتقم بتوثيق سفرَنا بصورة”…
التقطَ لنا المراقب أكثر من صورة بهاتفي، في مشهد سريالي جعلني أتساءل: هل أنا في رحلة واقعية أم أنني عالق داخل فيلم من أفلام نبيل لحلو؟

شعرتُ حينها وكأني السيد “القنفوذي” في فيلمِه الشهير، أو ربما شخصيةٌ ضلت طريقها من “الحاكم العام لجزيرةِ شاكربن” لتستقرَّ في مقصورة قطارٍ مغربيٍّ عادي… ولم يكن سنتها وصل بعد البراق القطار السريع…
كان صديقي نبيل يضحكُ بملء فؤاده، تلكَ الضحكةُ التي تشبهُ صدى ناي متمرد.. ضحكةٌ تُعرّي زيف المواقف وتكشفُ جوهر الأشياء…
في تلكَ الساعات بين طنجةَ والرباط، تحوّل القطار إلى مختبر صغير للفرجة العفوية، حيثُ كان ينسج من عفوية طفل يلوح بيدِه، أو من شرود راعٍ على حافة السكة، مادة كوميديةً تارةً، وفلسفيةً تارةً أخرى…
رحلتنا تلكَ كانت هي العرض الأجمل.. عرض بلا ديكور ولا إضاءة.. بطله إنسان استثنائي يمتلكُ قدرةً عجيبةً على تحويل الضجر إلى ضحك، والرحلةِ العابرة إلى ذكرى مُعتقة بالفنِّ…
هذه الرُّوح المتمردةُ هي ذاتُها التي رأيتُها تتجسد في مسرحِ “سيدي بليوط” بالدارِ البيضاء عام 2014، حينَ قدّمَ نبيل لحلو مونودراما “معجزة 30 فبراير” على مدى أسبوعٍ متواصل… كنتُ أحضر كلَّ مساء وسطَ قلة من المتفرجين، في تجربة تضعُ المرءَ أمامَ لغز نبيل لحلو مع الجمهور، إذْ يصرُّ دائماً على إقفالِ بابِ المسرحِ بعدَ بدءِ العرضِ، مقدماً عرضَهُ باحترامٍ مهيب حتى لو كانَ أمامَ متفرجٍ واحدٍ، أو حتى أمامَ كراسي فارغة تماماً…
في ذلك العرض الذي امتدَّ لساعتين، غصنا في حكاية اللعبة السياسية بين شعب مغلوب ونبلاءَ أرستقراطيين، مستحضرين خبايا الثورة الروسية التي غيرتْ وجهَ التاريخ، وكأنَّ لحلو يُعيدُ نفخَ الروحِ في جثث الأفكارِ الغاربة...
هكذا يستمُ نبيل لحلو في اجتراحِ مساراته الدرامية بوفاء نادرٍ لجوهرِ التمرد، حيث يغدو المسرح عنده منصةً للمكاشفة لا للمداهنة.. إنه لا يقدمُ فرجةً عابرة، بل يكرسُ مانيفستو فنيّا يقتات على لغة الاستفزاز لتعرية المسكوتِ عنه، مُحولاً خشبةَ الركحِ إلى مختبرٍ لنقد آليات السلطة وتفكيك بنى الاستبداد… وكما في ريبيرتوارِهِ الحافل، من “السلاحف” وصولاً إلى “مذكراتِ أحمق” و”محاكمة سقراط”، يظلُّ الاصطدام الواعي بالطبقة السياسية والخلخلةُ المستمرةُ لليقين المجتمعي هما الثابتان البنيويان في رؤيته، حيثُ الفن لديه ليس مجرد تشخيص، بل هو فعلُ اشتباك دائم مع كُل سلطة تروم تدجين الكلمة.
إنَّ رحلةَ نبيل لحلو التي تمتدُّ لما ينيف عن النصفَ قرن، هي مسيرة أيقونة سينمائية ومسرحية استثنائية.. حيث أنه أغنى المشهدَ المغربيَّ بعشرات العروضِ الجريئة التي تزاوج بينَ نقدِ السياسي والاجتماعي وبينَ سريالية الخيال.
نَبيل لحلو في جوهرِه هو ذلكَ الفنان الذي لا يرتضي للكلمة أن تساوم، ولا للجسد أن يلين تحتَ وطأة الإغراءات أو التهديدات… إنه ضميرُ المسرح الذي لا ينام، وصوتُ “الأنا” التي ترفضُ أن تنحني، والمؤمنُ بأنَّ الفنَّ فعل مقاومة صادق، لا يقاسُ بعدد الحضورِ أو بهالة التصفيق، بل بمدى عمقِ الحقيقة التي يغرسُها في ضمير المتلقي.
