نحو جبهة وطنية لمناهضة الفساد والاستبداد
عبد الرحمان الغندور
الآن وقد خمد دخان المهزلة، لا بد من القراءة المتأملة لما كان، والمقترحة لما ينبغي أن يكون.
إن القراءة الرقمية والتحليلية لنتائج الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت في 23 شتنبر 2026 تلامس إشكالية جوهرية تتعلق بالشرعية الديمقراطية لجميع المؤسسات في سياق يطغى عليه العزوف السياسي الفاضح.
وتظهر الأرقام والمعطيات الرسمية والتحليلية المستخلصة من هذه المحطة هرماً دلالياً يؤكد أن الأقلية تحكم الأغلبية، إذ بلغت نسبة المشاركة النهائية نحو 38 في المائة من إجمالي الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية الذين ناهزوا 15 مليوناً ونصف المليون ناخب، وتعني هذه النسبة أن أكثر من 61 في المائة من المغاربة المسجلين اختاروا المقاطعة أو العزوف عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، وبالتالي فإن أي حزب تصدر الانتخابات وحصل على حصة معتبرة من أصوات المشاركين لا يمثل في الواقع سوى نسبة ضئيلة جداً من الجسم الانتخابي الرسمي.
وعند الانتقال إلى الكتلة الناخبة الحقيقية مقارنة بالبالغين سن التصويت، يُقدر عدد المواطنين المغاربة البالغين السن القانونية للتصويت بأزيد من 26 مليون نسمة، وعند مقارنة عدد المشاركين فعلياً في الانتخابات بهذا الرقم الإجمالي نجد أن المصوتين لا يمثلون سوى نحو 23 في المائة فقط من مجموع المغاربة في سن التصويت، بينما يوجد نحو سبعة وسبعين في المائة خارج معادلة الفعل الانتخابي إجمالاً بين غير مسجلين في اللوائح الانتخابية وبين مسجلين ممتنعين، مما يعني أن ربع الشعب تقريباً ممن هم في سن التصويت هو من حسم خريطة الانتخابات التشريعية، بينما ثلاثة أرباع الكتلة الديموغرافية المؤهلة غائبة كلياً عن التأثير.
ويضاف إلى معضلة العزوف العددي ارتفاع نسبة الأصوات الملغاة أو البيضاء في عدد من الدوائر والتي تعكس إما احتجاجاً ضمنياً ومقصوداً عبر إفساد ورقة التصويت أو ضعفاً في التأطير والتوعية الانتخابية، وعندما تُخصم هذه الأصوات التالفة تنتقل أكثر حصيلة الأصوات الصحيحة التي نالتها الأحزاب المتصدرة، مما يفرز مفارقة سياسية كبرى تتمثل في أن الحزب الفائز بالسلطة التنفيذية أو التشريعية الكبرى لا يحظى بتفويض سوى نسبة ضئيلة من المجموع الكلي للبالغين سن التصويت في البلاد، وهو وضع يفرز تناقضاً بنيوياً قوامه أغلبية مريحة في مقاعد البرلمان تُقابلها شرعية شعبية عددية محدودة للغاية على مستوى القاعدة المجتمعية العريضة، ليضع هذا المشهد النظم الحزبية والسياسية أمام أزمة تمثيلية حقيقية عندما تتحول الأغلبية الصامتة أو المقاطعة إلى الكتلة الأكبر حجماً في المجتمع ويصل الحكام عبر أصوات الأقلية الناشطة أو الزبنائية، وهو ما يطرح تساؤلات كبرى حول مدى قدرة هذه المؤسسات على تعبئة الشارع وحول سبل استعادة الثقة في العمل السياسي، مما يكرس في نهاية الأمر قاعدة أن الأقلية تحكم وتشرع باسم الأغلبية الصامتة.
والغريب في الأمر أن هناك إشكالية عميقة ومثيرة للتأمل حول ما يمكن وصفه بالمفارقة الديمقراطية المغربية، وتتجلى هذه المفارقة في التباين الصارخ بين نبض الشارع المتمثل في الاحتجاجات كحراك الريف وجرادة وإفني والمقاطعة الواضحة كمقاطعة الحليب وسيدي علي ومحطات أفريقيا المملوكة لأخنوش والغضب الاجتماعي ضد غلاء المعيشة وتضارب المصالح كحراك جيل Z، وبين المخرجات الرسمية لصناديق الاقتراع التي تعيد إنتاج وإعطاء الصدارة لنفس الفاعلين السياسيين الذين كانت الاحتجاجات أو المقاطعة ضدهم.
ولفك طلاسم هذه المعضلة والمفارقة، لا بد من تجاوز التحليل السياسي الكلاسيكي والانفتاح على مقاربات سوسيولوجية ونفسية معقدة. وفي إطار محاولة للفهم الصعب والمعقد نلاحظ قصور آليات القياس التي تعتمدها النظريات السياسية التقليدية مثل استطلاعات الرأي والوعي الانتخابي والجزاء السياسي كالعقاب أو المكافأة عبر التصويت، لكن هذه الأدوات تسقط أمام واقع ترتبط فيه الخريطة الانتخابية بآليات بنيوية عميقة تتجاوز البرامج الحزبية إلى شبكات النفوذ والمال والإغواء والقرابة والزبونية اللحظية، مما يؤدي إلى انفصام النخب السياسية عن الشارع، فبينما يفرز المجتمع مداً احتجاجياً حياً مثل مقاطعة 2018 أو حركات جيل Z، تظل البنيات الحزبية والانتخابية محكومة بمنطق الوعاء الانتخابي التقليدي الذي لا يتفاعل بالضرورة مع النقاشات الرقمية أو الحضرية الكبرى.
ويزيد من تغذية هذه المحكومية الانتخابية المتحكم فيها عبر زواج المال بالسلطة، شبكات المصالح والأعيان التي يشار إليها أحياناً بالفراقشية حيث يلعبون دوراً محورياً في حشد الأصوات عبر آليات الزبونية والاعتماد الاقتصادي المتبادل في المناطق القروية وشبه الحضرية، وامتلاك القدرة على التمويل والتنظيم بموارد ضخمة تتيح للفاعلين الاقتصاديين الهيمنة على البنيات الحزبية، مما يجعل المال ليس فقط أداة للتسويق السياسي، بل محركاً أساسياً للعمليات الانتخابية التي تتطلب إمكانيات لوجستية هائلة يصعب على الأحزاب الفقيرة أو البرامج الفكرية مجاراتها.
ولقد ساعد التطبيع مع الفساد على تفشي هذه المعضلة، فعندما يصبح الفساد بنية مألوفة ومتكررة، يفقد المجتمع صدمته الأخلاقية، وينتقل الفرد من حالة رفض الفساد إلى حالة التسليم به كأمر واقع لا مفر منه، بل والتعامل معه بمنطق المصلحة الضيقة والآنية، مما يغذي متلازمة العجز المكتسب الذي يصبح شعوراً متأصلاً لدى أجزاء واسعة من المواطنين بأن أصواتهم ومقاطعتهم لن تغير شيئاً من معادلة السلطة، مما يولد عزوفاً سياسياً أو تصويتاً براغماتياً محكوماً بالخوف أو بالرغبة في الاستفادة من الفتات بدلاً من التطلع للتغيير الجذري، أو يؤدي إلى الازدواجية السلوكية التي تجمع بين الرفض الميداني المؤقت مثل المقاطعة أو التذمر الرقمي وبين المشاركة في نفس النسق الانتخابي لاعتبارات قبلية أو جهوية أو مصلحية ضيقة.
إن استمرار تصدر الفاعلين المرتبطين بشبهات المال والأعمال للمشهد السياسي، رغم الاحتقان الاجتماعي، يعكس أزمة بنيوية في العقد الاجتماعي بين النخبة والمواطن، ولا يمكن تجاوز هذه المفارقة بالاعتماد فقط على النصوص القانونية أو الخطابات السياسية، بل يتطلب الأمر جراحة عميقة في بنية الوعي المجتمعي وتخليق الحياة العامة وإعادة الاعتبار للثقة بين المواطن والمؤسسات.
يطرح هذا الواقع أسئلة قوية حول المستقبل من خلال سؤال ما العمل حتى لا نكون عدميين أو عبثيين، أمامنا واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي مأزوم، وأمامنا كتلة مجتمعية تتجاوز 70 في المائة من الكتلة الناخبة أجمعت بطريقتها الخاصة على رفض المخرجات عبر مقاطعتها للانتخابات، مهما كان سبب المقاطعة ومبررها. وأمامنا طاقة احتجاجية هائلة عبر عنها الشباب من خلال جيل Z، وأمامنا حركات احتجاجية محلية ووطنية، وأمامنا حس وطني كبير رافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني الذي يزداد اختراقاً للدولة والمجتمع.
هذا الواقع المأزوم يطرح رهاناته الواقعية على كل من يتبنى فكر التغيير، وكل المتنورين والمناضلين والمناضلات الحاملين لجمرة الأمل، من مختلف الشرائح والأطياف، وأهم الرهانات وأبرزها والأكثر واقعية وإمكاناً هو الشروع في التفكير الجاد والعملي والميداني لطرح فكرة الجبهة الوطنية العريضة لمناهضة الفساد والاستبداد وهو الجوهر الحقيقي لأزمة التغيير السياسي والاجتماعي، فالتاريخ السياسي المقارن يثبت أن الأنظمة والسياسات الريعية الفاسدة لا تُهزم إلا بتكتلات مجتمعية واسعة قادرة على كسر طوق الاستفراد بكل مكون على حدة.
وهنا لا بد من تقييم هذا الرهان في السياق الواقعي والعقلي والمنطقي بما يستوجب قراءة متأنية لمكامن القوة ومحاذير التطبيق، حيث تتضح أولاً الجدوى الاستراتيجية للجبهة العريضة عبر نقاط القوة المتمثلة في تكسير العزل السياسي. لأن نجاح أي حراك في فرض موازين قوى جديدة يمر حتماً عبر تجميع الشتات النضالي والتقاء قوى ذات امتدادات شعبية ومجتمعية مختلفة، كاليسار بمختلف أطيافه والحركات الإسلامية الصامدة في وجه الفساد والاستبداد، والفعاليات الحقوقية والحركات النسائية، والمثقفين المستقلين، بما يمنح الشارع حجماً ووزناً يصعب تجاهله أو احتواؤه، وذلك بالتركيز على الحد الأدنى المشترك عبر التأكيد على مخرجات الواقع كمحاربة الفساد ومحاربة تضارب المصالح ومقاومة الاستبداد وتجنب معارك الهوية والأيديولوجيا.
إنه الرهان والمنهج البراغماتي الوحيد الممكن لتوحيد الصفوف لأن الخبز والكرامة والعدالة الاجتماعية وتخليق الحياة العامة هموم مشتركة لا لون لها، والنجاح الميداني كدليل حيث أثبتت محطات كبرى كمناهضة التطبيع أو الدعم الشعبي لبعض القضايا العادلة أن الشارع المغربي قادر على الالتئام متجاوِزاً الخلافات الأيديولوجية متى توفر الإطار الجامع والهدف الواضح.
كما يتطلب هذا الرهان ضرورة الوعي الكامل بالتحديات والعقبات الكبرى أمام هذا التحالف المتمثلة في أزمة الثقة المتبادلة حيث ظلت الحواجز النفسية والأيديولوجية تاريخياً سمة بارزة بين التيارات اليسارية الراديكالية والتيارات الإسلامية ذات المرجعية السياسية فضلاً عن حذر المثقفين التنويريين من الذوبان في شعارات ذات خلفيات غيبية أو غير مدنية.
وبناء الثقة يتطلب تنازلات مؤلمة وضمانات متبادلة بالحياد في القضايا الخلافية، وإشكالية القيادة والبرنامج حيث يبدو الاتفاق على إسقاط الفساد سهلاً نظرياً لكن السؤال السابق لأوانه، والذي ينبغي تجاوزه مرحلياً، هو ما بعد الإسقاط حول أي بديل مجتمعي ومؤسساتي نريد وأي تصور موحد وشجاع للدولة المدنية ولطبيعة النظام السياسي المنشود. وهذا الأمر قد يحول الجبهة إلى ساحة للضجيج الكلامي والتأثير السلبي على الشارع والهدف الاستراتيجي.
كما لا يجب أن يغيب عن الفاعلين في هذا الرهان حضور القبضة الأمنية والاحتواء حيث تمتلك البنيات المهيمنة آليات متقدمة في استباق أو تفكيك أي تكتل وازن عبر استراتيجيات الاحتواء أو التخوين المتبادل أو تفعيل القيود القانونية والمساطر القضائية ضد الفاعلين الأساسيين.
إن الرهان على جبهة وطنية عريضة ضد الفساد والاستبداد هو خيار استراتيجي لا محيد عنه لمن يريد التغيير الفعلي بدل الاكتفاء بالاحتجاج الهامشي، غير أن نجاحه لا يتوقف فقط على النوايا الطيبة، بل على مدى نضج النخب في ترسيخ ثقافة الاختلاف البناء والترفع عن المصالح الفئوية الضيقة لصالح مصلحة الوطن الكبرى.
إن وضع ضمانات حقيقية لحماية جبهة وطنية عريضة ومتباينة المرجعيات كمكونات اليسار بجميع أطيافه والتيارات الإسلامية الداعية للتغيير ومحاربة الفساد والاستبداد والمثقفين التنويريين من مخاطر الصراع الداخلي أو الاستقطاب والاختراق يمثل التحدي الأكبر لنجاح أي مشروع تغييري، وحتى لا تتحول هذه الجبهة إلى حقل شكوك متبادلة أو مطية لخدمة أجندة طرف على حساب الآخر، لا بد من إرساء آليات وميثاق عمل صارم يقوم على ركائز أساسية تبدأ بـ:
- أولاً بصياغة ميثاق شرف تعاقدي محدود وواضح يعتمد على فصل التكتيكي عن الاستراتيجي بنص الميثاق بوضوح لا لبس فيه على أن تجمع الجبهة محصور حصراً في أهداف ميدانية محددة كمناهضة الفساد ومحاربة تضارب المصالح والدفاع عن الحريات العامة ومجابهة الاستبداد، وإعلان حياد الهويات عبر الاتفاق المسبق والتوقيع على التجميد الإرادي للنقاشات الأيديولوجية والعقدية والدينية أثناء عمر التحالف واعتبار أي محاولة لجر الجبهة نحو معارك الهوية خرقاً سافراً لروح التوافق.
- ثانياً الاتفاق على آلية اتخاذ القرار بالتوافق عبر التشاور والندية ورفض الهيمنة العددية أو التنظيمية وعدم السماح بأن يتحول التحالف إلى واجهة خلفية لفصيل معين يمتلك خزاناً بشرياً أكبر وبناء القرارات الكبرى على أساس التوافق والإجماع لا بالأغلبية العددية لضمان شعور الجميع بالأمان والندية، والشفافية المطلقة في التسيير بتدبير الأنشطة والبيانات والمواقف عبر لجنة تنسيقية مشتركة وممثلة بإنصاف لكل المكونات لتفادي اتخاذ قرارات أحادية قد تثير ريبة الأطراف الأخرى.
- ثالثاً تحصين الجبهة ضد الاختراق والاحتواء بالاستقلالية المالية والتنظيمية عبر تمويل الأنشطة ميدانياً وبشكل تضامني عبر مساهمات أعضائها ومناضليها لقطع الطريق أمام أي شبهات تمويل خارجي أو ارتباطات مشبوهة قد تسحب مصداقية التحالف، والوضوح والعلنية بأن تكون كل خطابات ومطالب وخطوات الجبهة مكشوفة للعموم عبر بلاغات رسمية موحدة مما يحصنها ضد التفاهمات السرية أو المساومات التي تحاك عادة خلف الكواليس.
- رابعاً وضع ميثاق للأخلاقيات النضالية عبر تجريم التخوين المتبادل واعتبار لغة التخوين أو التكفير أو الإقصاء خطاً أحمر يطرد مرتكبه من التنسيق لأن الاحترام المتبادل بين المناضل اليساري والمناضل الإسلامي والمثقف العلماني هو الشرط الوجودي لاستمرار الائتلاف، وترك الخلافات لمستقبل التاريخ عبر الإقرار المسبق بأن الاختلافات الفكرية والمجتمعية ستبقى قائمة وأنه ليس مطلوباً من هذه الجبهة أن تصنع حزباً موحداً أو طوباوية سياسية بل جبهة نضالية مؤقتة لإزاحة الأنقاض وتعبيد الطريق نحو فضاء ديمقراطي حقيقي تتنافس فيه البرامج بحرية لاحقاً.
- وفي الخلاصة فإن الضمانة الحقيقية لا تكمن في النصوص القانونية فحسب، بل في النضج السياسي واليقظة الأخلاقية لقيادات هذه المكونات، فالوعي بأن تكلفة الاستمرار في التشتت أعلى بكثير من تكلفة التنازلات المتبادلة للتوافق هو وحده الكفيل بإبقاء البوصلة موجهة نحو الهدف الأساسي المتمثل في استعادة السيادة المجتمعية وتحرير الفضاء العام من قبضة الريع والفساد والاستبداد.
