هند رجب: أيقونة الوجع الفلسطيني
عمر بنعطية
التاريخ: 29 يناير …
المكان: منطقة تل الهوى، مدينة غزة.
تمر الذكرى الثانية لاستشهاد الطفلة هند رجب، وما يزال صوتها المرتجف يتردد في أروقة الذاكرة الإنسانية، شاهداً على واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القرن الحادي والعشرون. لم تكن هند مجرد ضحية أخرى في سجلات الحرب، بل كانت صرخة كونية كشفت عورة النظام الدولي العاجز. في مثل هذا اليوم، قبل عامين، توقفت نبضات قلب طفلة في السادسة من عمرها، لكن حكايتها استمرت لتصبح رمزاً للطفولة المغدورة تحت وطأة القصف والحصار.
في التاسع والعشرين من يناير عام 2024، كانت منطقة “تل الهوى” في غزة مسرحاً لمأساة تفوق قدرة العقل على التصور. وسط القصف العنيف والتقدم البري، استقلت الطفلة هند رجب مركبة مدنية مع خمسة من أفراد عائلتها، خالها وزوجته وأطفالهما الثلاثة، بحثاً عن أمان لم يعد له وجود. لم تكن السيارة تحمل سوى أحلام أطفال وفراراً من الموت، لكنها واجهت نيران دبابات الاحتلال المباشرة التي انهمرت عليها بغزارة.
في لحظات، تحولت السيارة إلى سجن من الصفيح والجثامين. استُشهد الجميع وبقيت هند وحدها، محاصرة بين جثث أقاربها التي بدأت تبرد، بينما كانت فوهات الدبابات لا تبعد عنها سوى أمتار قليلة. من وسط هذا الرعب، نجحت هند في التواصل مع طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، لتبدأ أطول مكالمة استغاثة في تاريخ الحروب الحديثة.
على مدار أكثر من ثلاث ساعات، ظل العالم يراقب عبر التقارير المسربة نبضات استغاثة هند. بكت، وتوسلت، ورددت جملتها التي أصبحت أيقونة للألم: “تعالوا خذوني.. أنا خايفة كثير، الدبابة جنبي”. كان صوت هند يمثل ذروة العجز البشري، طفلة تستجدي الأمان من خلف شاشة هاتف، بينما تتربص بها آلة حرب لا ترحم. في تلك الساعات، لم تكن هند تقاوم الرصاص فحسب، بل كانت تقاوم الخوف، والوحدة، وظلام الليل الذي بدأ يزحف على نوافذ السيارة المحطمة.
بعد جهود مضنية وتنسيق رسمي دولي لضمان ممر آمن، انطلق المسعفان البطلان يوسف زينو وأحمد المدهون في سيارة إسعاف رسمية، يحملان الأمل لإنقاذ هند. لكن “التنسيق” لم يكن سوى فخٍ آخر، إذ استهدف الاحتلال سيارة الإسعاف بشكل مباشر وبقذيفة دقيقة، مما أدى لتمزق جثامين المسعفين وتحول المركبة إلى كتلة من الحديد المتفحم قبل أن تصلا إلى هند بأمتار قليلة. كان هذا الاستهداف رسالة واضحة بأن سيارات الإسعاف والشعارات الدولية لا توفر حماية في غزة.
انقطع الاتصال بهند، وعاش العالم 12 يوماً من الترقب والقلق. هل ما زالت على قيد الحياة؟ هل أكلت؟ هل شربت؟ ومع انسحاب الآليات العسكرية من تل الهوى، ظهرت الحقيقة العارية. عُثر على هند جثة هامدة داخل المركبة، وقد فارقت الحياة نتيجة العطش، والجوع، والنزف، والخوف الذي لا يطاق. وُجدت جثتها وقد تحللت جزئياً بجانب أقاربها، وبجوار حطام سيارة الإسعاف التي كانت تظنها طوق نجاتها الوحيد.
جريمة مع سبق الإصرار
لم تكن رواية استشهاد هند مجرد سردية عاطفية، بل أكدتها التحقيقات الجنائية الدولية. كشفت مؤسسات مرموقة مثل “فورينزيك آركيتكتشر” (Forensic Architecture) عبر محاكاة رقمية وتحليل للمقاطع الصوتية وصور الأقمار الصناعية، أن الدبابات كانت في وضعية تسمح لها برؤية السيارة بوضوح وتمييزها كمركبة مدنية، وأن استهداف سيارة الإسعاف تم بسلاح دقيق ومباشر رغم وجود التنسيق المسبق. هذه التحقيقات وضعت الاحتلال في مواجهة مباشرة مع القوانين الدولية التي تمنع استهداف الطواقم الطبية والمدنيين.
تحولت هند من ضحية محلية إلى رمز عالمي للمقاومة والحرية. خلال الحراك الطلابي الضخم في الولايات المتحدة وأوروبا، أطلق طلاب جامعة كولومبيا اسم “قاعة هند” على أحد المباني الرئيسية، تخليداً لذكراها. كما رُفعت صورها في محكمة العدل الدولية كدليل صارخ على الإبادة الجماعية واستهداف الطفولة.
في الذكرى الثانية لاستشهادها، تظل هند رجب الشاهدة الحية على عصر سقطت فيه الأقنعة. إن قصتها تذكرنا بأن القوانين الدولية ليست سوى حبر على ورق إذا لم تجد من ينفذها. ستبقى هند حاضرة في كل طفل يحلم بالأمان، وفي كل مسعف يغامر بحياته، وفي كل صرخة تطالب بالعدالة. ذكراها ليست مجرد ذكرى للفقد، بل هي وقود يستنهض الضمير العالمي لمحاسبة القتلة وضمان ألا تتكرر مأساة “تل الهوى” مرة أخرى.
