وسيط المملكة: الحقوق ليست سلعًا والنهوض بالإدارة يحتاج إلى معرفة “عالمة”

وسيط المملكة: الحقوق ليست سلعًا والنهوض بالإدارة يحتاج إلى معرفة “عالمة”

سعيدة الحيحي

     يرى حسن طارق، وسيط المملكة، أن الحقوق ليست سلعاً معروضة في أروقة الدساتير والقوانين جاهزة للاستهلاك؛ ذلك أن فاعليتها التاريخية تبدأ من لحظة تملُّكها من قبل المجتمع. وهذا التملُّك بحاجة إلى تمثّل ثقافي، ووعي قيمي، ومعرفة تاريخية وفلسفية، وكذلك بحاجة إلى حد أدنى من المعرفة.

وأوضح حسن طارق، الذي كان يتحدث اليوم الجمعة بالرباط في افتتاح لقاء تواصلي تنظمه مؤسسة “وسيط المملكة” بشراكة مع “الجامعة الشعبية المغربية” تحت شعار “الإدارة أفقاً للتفكير”، أن هذا التمثّل الثقافي كان قد أشار إليه المفكر عبد الله العروي حينما اعتبر أن بناء المواطنة يحتاج إلى مقومات ثقافية واجتماعية وأخلاقية، وأنه يمكننا تصور إمكانية تجسيد المواطنة ولو على مراحل، كحالة (حق بدون وعي) مثلاً. جاء ذلك في ختام محاضرة له حول موضوع “المواطنة والمُساهمة والمُجاورة” نظمتها الجمعية المغربية للبحث التاريخي بالمكتبة الوطنية للمملكة بالرباط في دجنبر 2024.

وبعدما أكد أن موضوع الإدارة يندرج في صُلب المهمة الدستورية لوسيط المملكة، وأن هذه المهمة المضاعفة تنتبه بطبيعتها إلى تعقّد الحالة الثقافية، حيث تتداخل صلاحيتا حماية الحقوق والنهوض بثقافة حقوق الإنسان بشكل جدلي؛ شدد حسن طارق على أن الحماية المؤسساتية المسطرية القانونية ضرورية وشرط لدولة القانون، لكنها تحتاج –في نظره– إلى جهد كبير للنهوض الثقافي بهذه الحقوق.

معرفة “عالمة” بالإدارة

وقال: “في جزء كبير من عملنا نحتاج إلى معرفة ‘عالمة’ بالإدارة: نحتاج لفهم عملها ومساطرها واختلالاتها. الأمر هنا ليس مجرد أفكار مستقاة من الحس العام أو الانطباعات العابرة أو الاختزالات الجاهزة”. وعبر عن يقينه الراسخ بأننا أمام تحولات كبرى تعرفها الإدارة ويعرفها تمثّل المجتمع حولها، وأن ما تنتجه الجامعة حول الموضوع تغلب عليه المقاربات القانونية والمعيارية والنصية والمسطرية.

وأضاف في هذا الصدد: “كما لو أننا تركنا كل إشكالات وتعقيدات وتحولات الإدارة بيد حقل معرفي واحد هو القانون الإداري، والحال أننا أمام ظاهرة تحتاج إلى السوسيولوجيا، التاريخ، الفلسفة، علم النفس، علم السياسة، والأنثروبولوجيا”. ومستخلصاً من ذلك، أشار إلى أن الوارد اليومي على المؤسسة كطلب على الوساطة (شكايات، تظلمات، طلبات تسوية) يمنحها مسالك للتفكير في هذه التحولات والأطر المعرفية الحدودية حول الظاهرة، مقدماً أمثلة على ما ترصده المؤسسة من تحول لأنماط جديدة للحضور الإداري تبرز وفق الخطاطة التالية: إدارة السياسات، إدارة اللايقين، وإدارة المنصات.

المواطنة والحق

لاحظ حسن طارق أن هناك عجزاً بيّناً في توصيف المظالم بلغة القانون وبمفردات الحقوق، وأن الأمر في النهاية ليس مجرد عجز في اللغة بل هو في العمق أزمة تمثّل للمواطنة وللحق، وأزمة ولوج ثقافي للحقوق؛ وذلك بناءً على ما تتعلمه المؤسسة يوميًا من دلالات الالتقاء المباشر مع تظلمات المرتفقين.

وفي معرض حديثه عن اللقاء التواصلي، تساءل: لماذا “الإدارة أفقاً للتفكير”؟ ليوضح أن مؤسسة الوسيط، كهيئة حكامة وبحكم انتدابها الدستوري القائم على حماية الحقوق والنهوض بقيم التخليق والشفافية والمسؤولية وجودة المرافق، تبقى معنية بتنمية الحوار العمومي ومواصلة منتديات الحكامة، وبالانفتاح في ذلك على الجامعة والمجتمع المدني. فضلاً عن كونها توجد في قلب الالتقاء بين القانون والمعايير والمعرفة والخبرة، ولأن تموقعها المؤسساتي يجعلها بنية مرجعية في إنتاج الآراء والتقييمات والتحاليل، وهو ما يحتاج إلى الكثير من العمق.

الإدارة أفقًا للتفكير

ذكر حسن طارق أن الفكرة التي تُقدَّم اليوم هي برنامج لسلسلة من الدروس تحت شعار: “الإدارة أفقاً للتفكير”، وهو برنامج يعد في عمقه اعترافًا وتنوِيهًا وتشجيعًا تجاه تجربة مواطنة، إرادوية، مدنية، تطوعية، ملتزمة، ومبادرة من أجل دمقرطة المعرفة وتقاسمها، وتجاه رجل مناضل مثقف يعد رمزًا للالتزام الجماعي.

وأثار الانتباه إلى أن مؤسسة الوسيط، بتنظيمها لهذا النشاط الإشعاعي الأول في 2026، قررت أن تكون هذه السنة “سنة الوساطة المرفقية”، لأنها تؤرخ لمرور ربع قرن على انطلاق التجربة المؤسساتية، ولأنها تأتي مباشرة بعد الموافقة الملكية السامية على إقرار يوم 9 دجنبر يومًا وطنيًا للوساطة.

وخلص وسيط المملكة إلى أن فكرة الجامعة الشعبية تنطلق من الإيمان بالحاجة إلى دمقرطة المعرفة، ليس كترف فكري أو لإشباع نزعة “ثقافوية”، بل كشرط واقف وحاسم وضروري لأي تقدم تاريخي محمول على أفق نهضوي وبأبعاد حضارية. وأضاف: “لا يجب أن يكون لدينا أي وهم؛ فالتحولات الكبرى في التاريخ لم يحدث أن تمت بمجرد قطائع سياسية أو طفرات اقتصادية أو انتصارات استراتيجية، بل كانت دائماً بحاجة إلى تحولات مجتمعية داعمة، وإلى تملُّك جماعي لقيم المشروع الوطني المشترك وهبة ثقافية محفزة”.

كما ألقى إدريس خروز، مدير المكتبة الوطنية للمملكة المغربية الأسبق الذي جرى تكريمه خلال اللقاء، عرضاً ركز فيه على التحولات التي تعرفها الإدارة وما تتطلبه من فتح مسالك جديدة، عوض التسلح بالأفق المعياري فقط، والعمل على عقلنة المحاسبة وجعل الموارد والوسائل في مصلحة المواطنين وخدمة المواطنة. وبعدما توقف مطولاً عند أهمية التكوين والتقنيات الحديثة وأسئلة المناهج، خلص خروز إلى أنه لا حكامة بدون حرية وديمقراطية وحرية مبادرة ومشروع مجتمعي منسجم ومتكامل من أجل تحقيق الرفاهية الوطنية.

حكامة وحرية وديمقراطية

وكان المصطفى المريزق، رئيس الجامعة الشعبية المغربية، قد استعرض المراحل التي قطعتها هذه الجامعة التي تحتفي بمرور عقد من الزمن على إحداثها كتجربة مواطنة، كما سلط الضوء على مختلف المبادرات والأنشطة التي قامت بها وآفاق عملها برسم المرحلة المقبلة في مجال إشاعة العدالة المعرفية والمجالية، ارتباطاً بالتراث الثقافي والفكري والعلمي والتربوي التنويري الكوني والإنساني.

وفي معرض تقديمه للأستاذ إدريس خروز، أشاد الفاعل الحقوقي بوبكر لاركو، رئيس سابق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، بالخصال التي يتمتع بها المحتفى به، متوقفاً عند مساره المتميز خاصة في مجالات التدريس الجامعي والبحث العلمي، وهو ما أهله لتولي العديد من المهام والمسؤوليات المتعددة؛ منها إدارته للمكتبة الوطنية للمملكة المغربية، ورئاسته للشبكة المغربية لمؤسسة “أنا ليند” للحوار بين الثقافات، وعضويته بكل من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية واللجنة الاستشارية الدولية لليونيسكو (ذاكرة العالم).

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!