نبذة عن تاريخ القضاء بامزاب قبل الاستقلال

نبذة عن تاريخ القضاء بامزاب قبل الاستقلال

أحمد لعيوني

             بما أن منطقة امزاب كانت قروية ولم تكن تتوفر على مراكز حضرية قبل دخول الاحتلال الفرنسي، فإنها لم تعرف تنظيما قضائيا كما كان قائما في المدن المغربية. وغداة احتلال المنطقة مبكرا من طرف الحملة العسكرية على عموم الشاوية بقيادة الجنرال الفرنسي ألبير جيرار ليو داماد، تم إنشاء مكتب الاستعلامات بقصبة ابن أحمد بتاريخ 29 أبريل 1908، وجاء في التقارير أن دور هذا المكتب يكمن في الاهتمام بالقضايا الإدارية للسكان المحليين، والذين كان يطلق عليهم الأنديجين (الأهالي). ومن بين الأمور التي انشغل بها محاولة وضع حد للمرحلة المتوترة بين سلطة القائد وزعماء القبائل المتمردة، لخلق بوادر الأمان لدى السكان، بتأسيس عهد جديد يضمن لهم العدالة في حالة التقاضي والحفاظ على ممتلكاتهم ومتاعهم وأنفسهم، باعتبار العدالة جزء من الحفاظ على الأمن بتراب الجماعة لتأمين الوضع الاقتصادي والمعيشي، واستقرار انعقاد الأسواق الأسبوعية بالبوادي، والحفاظ على ارتيادها في أمن وأمان. ومن هنا عملت السلطات العسكرية على قمع السرقات والحد من مظاهرها، إذ كانت تمارس بكثرة، وخاصة في الضواحي المجاورة لغابة أولاد امحمد، والقبائل المحيطة بها من ورديغة وازعير. وقد اقترن إقرار الأمن بالحفاظ على الممتلكات والأرواح في الأسواق الأسبوعية، والطرقات والدواوير على حد سواء.

 ويعود شح المصادر المكتوبة عن منطقة امزاب التي تؤرخ للقضاء قبل دخول الاحتلال الفرنسي، كما هو الحال لمختلف مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والإدارية، إلى العديد من الاعتبارات، كون المنطقة كانت وقتها بادية لا تتوفر على مركز حضري، وليست بها مدارس عصرية، ولا وجود بها لتقاليد الكتابة والتدوين، حيث ثقافة السكان كانت تعتمد على تداول المعلومات شفويا. لذا سنحاول في غالبية ما يتضمنه هذا البحث الاعتماد على المصادر الفرنسية، إما من خلال تقارير سلطة المراقبة المدنية منذ استقرارها بالمنطقة، أو كتابات بعض المستكشفين الفرنسيين الذين حلوا بالمغرب في إطار الاطلاع على ثقافاته ومؤسساته بهدف تشخيص وضعيته، وتوفير المعطيات التي تحتاجها السياسة الفرنسية تمهيدا لاحتلاله، أو خلال فترة الاحتلال.

ففي بداية القرن العشرين، ومع دخول الاحتلال الفرنسي، كان القائد العربي بن الشرقي الذي سبق للسلطان مولاي عبد العزيز أن عينه سنة 1898 قائدا على قبائل امزاب ولعشاش، مع وجود قواد آخرين تحت نفوذه، كان يتكلف بالسلطة السياسية والإدارية المحلية، بينما كانت السلطة القضائية بالمنطقة بيد القاضي العربي بن لفقيه بن الحاج التاغي، يمارسها بداية من تسعينيات القرن التاسع عشر. كان القاضي يقيم بزاوية الحاج التاغي التي تبعد عن قصبة ابن أحمد مقر إقامة القائد، بحوالي ثلاث كيلومترات، ويزاول مهامه بمنزله. كان النظام القضائي بالمغرب عامة قبل إقرار الحماية يرتبط ارتباطا وثيقا بالأحداث التاريخية التي تمر بها كل منطقة. وقد عرف القضاء ثلاث مراحل تاريخية موزعة كالتالي :

– مرحلة ما قبل الحماية، وكان المغرب ينقسم بطبيعة الأحداث والأوضاع الداخلية، إلى مناطق تابعة للنظام المخزني، وتعرف استقرارا نسبيا بمؤسساتها المعروفة آنذاك، مع وجود قبائل متمردة، وخاصة تلك البعيدة عن المراكز الحضرية، والمناطق الوعرة المسالك، وسميت ببلاد السيبة.

 -مرحلة الحماية الفرنسية، التي جاءت نتيجة الغزو العسكري الذي وصف تمويها بالتهدئة (جون واتربوري).

 -مرحلة استقلال المغرب، وبداية إقامة مؤسسات الدولة الحديثة من قوانين ودستور وفصل السلطات وتنظيم الانتخابات، حينها بدأ تطوير النظام القضائي وتكييفه مع الظروف الوطنية والدولية الجديدة..

وإن كان المغرب قد مر من هذه المراحل، فإنه يكاد يكون قد عرف ثلاثة أنواع من التقاضي على أقل تقدير:

نظام القضاء الشرعي، يمارسه القاضي الشرعي التابع لما كان يسمى وزير الشكايات، ثم سمي وزير العدل.

نظام القضاء المخزني، يمارسه القائد وأعوانه، وبدخول الاحتلال أصبح يمارسه برعاية سلطة المراقبة المدنية.  

وبصفة استثنائية، نظام قضاء عرفي في بعض المناطق والقبائل التي تعتبر نفسها متمردة عن طاعة المخزن المحلي المتمثل في القائد، وتمارسه جماعة الرمى بالنظر في النزاعات والقضايا التي تطرح عليها.  

وبجانب هذه الأنواع من المحاكم، وبدرجة أقل انتشارا، وجدت محاكم عبرية، ومحاكم قنصلية في المدن الكبرى التي توجد بها جالية أوربية .

***

          وعندما نتناول تاريخ القضاء بمنطقة امزاب، نقف على ثلاثة أنظمة من التقاضي، اثنتان رسميتان، والثالثة استثنائية.  

فقد كان القاضي قبل الحماية يعتبر من أجهزة المخزن المحلي، وأحد مساعدي القائد. وهو قاضي الشرع مختص في مسائل الأحوال الشخصية، ومسائل الملكية العقارية، كما جاء في كتاب تاريخ المغرب المعاصر 1912 – 1999 للدكتور امحمد جبرون. وكما جاء كذلك في كتاب : تاريخ المغرب تحيين وتركيب : ” كانت دراسة المختصر لخليل بن إسحاق، وشرح الخرشي على المختصر، والتحفة لابن عاصم، نصوص أساسية للمنظومة التعليمية. كان القاضي يعتبر عالما، ولا ينال المنصب إلا عالم في الشؤون الدينية والشرعية”. ثم يضيف المصدر نفسه : “كان القضاة يحسبون على الجهاز المخزني المحلي بالحواضر والبوادي بالإضافة إلى العدول ونظار الأحباس. كان القضاة يعينون من طرف وزير الشكايات الذي كان يقوم مقام وزير العدل حاليا، ويحمل قرار التعيين الطابع السلطاني، أو بواسطة ظهير. كما يقوم القاضي بتعيين العدول أو اقتراح تعيينهم. لم يكن القضاء سلطة قائمة الذات، ولم يكن هناك فصل للسلط، سواء على صعيد الجهاز المخزني المركزي، أو الجهاز المخزني المحلي. لم يكن القضاة، كباقي الجهاز المخزني المحلي، يتقاضون رواتب محددة، ولا منتظمة، مما كان يترتب عنه بالضرورة ابتزاز الرعية من لدن بعضهم بالإضافة إلى انتشار الرشوة والمحسوبية والفساد”. (دائما حسب تاريخ المغرب تحيين وتركيب من إعداد محمد القبلي).

نجد باحثا فرنسيا، وهو جيل إيركمان في كتابه: المغرب المعاصرLe moderne Maroc طبع سنة 1885، يتحدث عن مؤسسة القضاء في المغرب قبل الاحتلال جاء فيه ما يلي : “القاضي مسؤول عن إقامة العدل وفقًا لأحكام الشريعة، وهو في الوقت ذاته أحد الزعماء الرئيسيين للدين؛ ويساعده كتاب يسمون العدول، يتكونون من الطلبة حفظة القرآن الكريم وعلى دراية لا بأس بها بالفقه الإسلامي، ويعتبرون بمثابة خبراء. كل هؤلاء الأشخاص يحصلون على أجورهم من ممتلكات المساجد (الأملاك الحبسية)، لذا فهم ليسوا وكلاء للمخزن بالمعنى الدقيق للكلمة، ومع ذلك لم يكن هناك سوى عدد قليل جدًا من القضاة المستقلين

 . ويضيف : يتوجه المتقاضون إلى القاضي ويعرضون قضاياهم: ويعيدهم القاضي عادةً إلى العدول، ليكتبوا في النهاية ما يريدون قوله؛ وفي نفس الوقت يقدمون قائمة شهودهم . ويمكن أن يستعين المتقاضي بوكيل (بمثابة المحامي حاليا) يتكلم نيابة عنه. يجوز للقاضي أن يأمر الخصوم بتقديم كفالة مالية، أو يودع بالسجن.  كما يمكن للمدعي أن يطلب من المدعى عليه أداء اليمين في أحد أضرحة الأولياء، وقد اشتهر في منطقة امزاب، ضريح الولي سيدي بلكَاسم بقبيلة امنيع؛ ( Roger Gruner: Du Maroc traditionnel au Maroc moderne)، وإذا رفض الأخير أداء القسم فإنه يخسر قضيته. وعندما تواجه قضية ما صعوبات معينة، يمكن اللجوء إلى أصحاب الفتوى”. انتهى مقتطف ما كتبه جيل إركمان.

***

      ومن جهة أخرى، نجد في تقارير المراقبة المدنية بابن أحمد التي تعتبر بداية التدوين الإداري بالمنطقة، والذي أصبح أرشيفا مكتوبا يمكن الاعتماد عليه لكتابة التاريخ المحلي بمختلف مجالاته، ومما جاء في هذا التقرير : “كانت ترفع الشكاوى أو المطالبات من المواطنين في كل ما لا يتعلق بالأحوال الشخصية أو الحقوق العينية أو الميراث إلى شيخ القبيلة، وهو المستوى الأول من التقاضي الذي يمكنه الفصل في المسألة المتنازع عليها.  إذا كانت هذه المسألة تتجاوز اختصاص شيخ القبيلة أو وجد أحد الأطراف نفسه متضررا من الحكم أو وجده غير منصف، يتم عرض الأمر على القائد.  وأخيرا أصبح السكان الأصليون معتادين تدريجياً على اعتبار مكتب الاستعلامات منذ إحداثه، بمثابة محكمة استئناف معنوية يلجئون إليها عندما يشعرون بالضرر بسبب أفعال أو قرارات السلطة المخزنية المحلية. وأما المساعدة القضائية التي كانوا يطلبونها فلا ترفض  لهم، لكن دون تدخل مباشر في شؤون القضاء المحلي، بل يكفي أن تقوم السلطة الإدارية الفرنسية بإخطار القائد أو أحد الأشياخ بان القضية المتنازع عليها التي تم عرضها على أنظاره لم يتطرق لها بما فيه الكفاية، وينبغي إعادة فحصها بعناية أكبر مع إيجاد حل لها بما تتطلبه من تعجيل يخدم مصلحة الأطراف المتقاضين. ويتم تنفيذ الأحكام بواسطة مخازنية القائد، وقد يطلب هو كذلك أحيانًا من مكتب الاستعلامات تزويده بدعم مخازنية هذا الجهاز، ولا يتم رفض طلبه.

وأما القاضي الشرعي فكان يختص ابتدائيا ونهائياً بجميع المسائل التي تجمع بين الأحوال الشخصية والممتلكات، كما يخول له تعيين العدول أو الموثقين الموزعين بمختلف القبائل والإشراف عليهم وعزلهم عند الاقتضاء. يتوفر القاضي على أعوان قضائيين، أو محضري الجلسة (امشاورية القاضي)، لاستدعاء الأطراف أو الشهود أمام القاضي. لكن هؤلاء الأعوان ليسوا بأي حال من الأحوال دائما متوفرين على القدرة والاستعداد التام لتنفيذ هذه الأحكام، فالقاضي ليست له سلطة في المسائل الجنائية. وأخيرًا، يوجد إلى جانب القاضي مفتيان اثنان يشكلان نوعا من الاستشارة والتأويل عندما يتعلق الأمر بتطبيق نص شرعي غامض أو حين يعرض على القاضي نزاع دقيق ومعقد أو نازلة غير مسبوقة لم تتطرق لها النصوص الفقهية بما فيه الكفاية. كما يجوز للقاضي ألا يأخذ في الاعتبار رأي المفتيين .

أما وسائل الطعن في الأحكام التي يصدرها القاضي فهي غير واردة، باستثناء إمكانية اللجوء إلى السلطة الفرنسية التي اعتبرت، في نظر بعض المتقاضين عند دخول الاحتلال إلى المنطقة، بأنها تتمتع بنوع من الاستقامة والإخلاص في إحقاق الحق وتطبيق عدالة تدخل الفرحة في قلب المتقاضين. لكن السلطات الفرنسية لم تحاول التأثير على تنظيم مسائل شرعية من اختصاص القاضي، أو التدخل في الشكاوى المرفوعة ضد قراراته، إلا في حالات نادرة للغاية.  

ومع ذلك، فرغم كون عمل مكتب الاستعلامات وتدخله لا يزال مختصرا بالنسبة للإدارة السياسية والقضائية للسكان الأصليين، فقد بدأ تطبيقه يعرف نوعا من التحسين الذي كان موضوعا لدراسات خاصة موجهة إلى القيادة الفرنسية الجهوية للنوازل والوقائع فور حدوثها لإخبارها بكل ما يجري بتراب نفوذها”. ويضيف مكتب الاستعلامات بأنه على الرغم من بعض العيوب التي قد تشوب الأحكام، وتقلق المتقاضين، فإن العمل المنجز كان كبيرا بالمقارنة مع سابقه. ويذهب التقرير بأن أغلبية السكان أصبحوا واثقين من الممارسات الجدية التي لاحظوها من خلال بداية تمتعهم بالهدوء والازدهار الذي كانوا يفتقدونه خلال مرحلة الفتن والفوضى التي كانت تعم المنطقة من قبل.  

وفي عهد الحماية، أنشأت المحكمة الشريفة العليا بالرباط، لتنظر في استئناف الأحكام الصادرة عن محاكم القواد في القضايا الجنائية، وبعض القضايا الشرعية. وهي بمثابة هيئة نقض عليا، وحل محلها المجلس الأعلى سنة 1957.  

أما الكاتب والباحث في الشؤون الإسلامية والعربية، روم لاندو في مؤلفه : تاريخ المغرب في القرن العشرين طبعة 1980، فيذهب في وصف الإدارة العدلية بما يلي : “كان الشرع الإسلامي، في بادئ الأمر، أمرا معمولا به ينفذه القاضي الشرعي، وكانت محكمة الاستئناف تحمي القضاة. أما القضايا الجنائية فقد عهد بها إلى الباشا أو نائبه أو القائد القبلي، وفي الحالتين كان كوميسير فرنسي يقوم بمساعدتهما. ولما كان كل من الباشا والقائد رئيسا للإدارة، فلم يكن ثمة فصل بين السلطتين القضائية والتنفيذية. وكثيرا ما سبب هذا الوضع السيئ احتكاكا بين الوطنيين والإدارة”.

 ونذكر في هذا المقام بواقعة حدثت أثناء اقتسام إرث، ويتعلق الأمر بتصفية تركة القائد العربي بن الشرقي تقربنا من تدخل سلطة المراقب المدني في سير القضاء الشرعي الذي لم يسلم من تدخلها وممارسة الوصاية عليه.

راسل المراقب، رئيس ملحقة ابن أحمد، مراقب دائرة سطات، في مارس 1916، يخبره بتوصله بعدة شكايات من أطراف متعددة يطالبون بحصتهم من الإرث الذي خلفه القائد محمد بن أحمد، والذي يوجد بحوزة القائد الحسن بن العربي وبعض أقاربه. وبما أن قاضي منطقة ابن أحمد، العربي بن لفقيه بن الحاج التاغي، يعتبر من بين ذوي الحقوق في الميراث، فقد طالب مراقب الملحقة بتعيين قاضي آخر لفض النزاع المعروض على أنظار المحكمة منذ مدة. وبتنسيق مع سلطات الإقامة العامة، صدر قرار لوزير العدل بتاريخ 10 يونيو 1916، بتكليف قاضي لمذاكرة، محمد بن عبد الرحمن السيجلماسي، أصله من فاس، وهو متضلع في القانون الشرعي، ويحظى بتقدير المخزن المركزي، ويخبر قاضي امزاب العربي بن لفقيه بن الحاج التاغي، برفع يده عن هذا الملف. وبعد أن قام بتهيئ تصفية التركة، طالب المعنيين بإعداد وكيل عنهم، وتقديم حججهم في إطار قيامه بتصفية التركة، راسل القاضي محمد بن عبد الرحمن السيجلماسي، مراقب الملحقة يخبره بأنه كاتب رسميا على يد الحكومة، القائد الحسن بن العربي، الموجود حينها بالإقامة الجبرية بالصويرة، يحثه على تكليف وكيل ينوب عنه، وعن باقي ورثة العربي بن الشرقي للإدلاء بالحجج الثبوتية.

***

        القاضي العربي بن لفقيه بن الحاج التاغي، يرجع له الفضل في إحداث أول مسجد بمركز ابن أحمد، وذلك عندما بدأ العمران يتسع بالمركز ويتزايد عدد سكانه. فبإيعاز من القاضي، تقدم القواد والأعيان بطلب إلى مراقب ملحقة ابن أحمد بالسماح لهم ببناء مسجد بالقصبة، وتخصيص مكان لإقامة البناء مع مستلزماته. إثر هذا الطلب، أعطى المراقب موافقته التامة بإنجاز المشروع، وتعهد بضمان المتابعة التقنية لسير الأشغال به. حينها توجه القاضي بتاريخ 3  غشت 1915 إلى القواد والأشياخ والوجهاء بالإضافة إلى مقدم الزاوية التاغية يخبرهم بهذه الموافقة ويحثهم على المساهمة المالية والمادية في إنجاز المشروع، ومطالبة مجموع ساكنة المنطقة بالتبرع كل حسب قدرته عن طواعية. اقترح القاضي تقديم المساهمات إلى القواد عن طريق الأشياخ الذين يعتمدون بدورهم على مدى سخاء السكان، متمنيا أن يجمع من الأموال ما يكفي لبناء مسجد يكون في مستوى غنى البلدة واتساع أطرافها وتدين أهلها. ويذهب القاضي إلى أن القرية في توسع مستمر، وأغلب سكانها مسلمون، والمنطقة برمتها لا تتوفر على دور للعبادة في المستوى اللائق، حيث تقام صلاة الجمعة في إطار محدود، إما داخل بعض الدكاكين الصغيرة، أو في الفضاء العام. وإلى جانب المسجد شيدت المحكمة الشرعية بعد أن كان القاضي يستقبل المتقاضين بمقر إقامته بقرية الزاوية التاغية. وكانت تتكون من مكاتب للقاضي والعدول والكتاب. استمرت هذه المحكمة إلى أن شيدت محكمة السداد سنة 1958 مكان المستشفى القديم، وهي البناية الحالية التي أصبحت مقرا لقضاء الأسرة.  

وفي سنة 1920 عين أحمد بن بوشعيب بن الحسين الزموري، أصله من مدينة أزمور، ليتولى القضاء الشرعي بمجموع منطقة ابن أحمد، خلفا للقاضي السابق. كان الزموري فقيها على دراية كبيرة بالعلوم الشرعية، وكان يتقن اللغة اللاتينية، وقد انتدب لإلقاء دروس في الشريعة الإسلامية بجامعة السوربون بفرنسا لمدة حوالي ثلاثة أشهر. استمر القاضي في المنصب بابن أحمد إلى غاية شهر أكتوبر 1944، حيث انتقل إلى محكمة الدار البيضاء، وهي ترقية اعترافا له بكفاءته المعرفية ونزاهته. خلال وجوده بابن أحمد، امتلك ضيعة صغيرة ببوحولة بضاحية المركز، كان يطلق عليها عرصة القاضي. وكان أن أقدم معه أخاه الحاج محمد بن بوشعيب وعينه نائبا له بالمحكمة.  

خلف القاضي أحمد بن بوشعيب الزموري، القاضي مولاي إدريس العلوي. جرت بينهما عملية تسليم السلط  يوم 19 أكتوبر 1944. كان هذا القاضي كثير التنقل إلى فاس، موطنه الأصلي، وإلى الرباط التي يقيم بها علاقات قرابة مع جلالة السلطان محمد بن يوسف.  منذ توليه القضاء بالمحكمة الشرعية بابن أحمد، لم يتخلف عن حضور تقديم الهدية بمناسبة الأعياد الدينية، وغالبا ما كان يترأس الوفد الرسمي المشارك في هذه الاحتفالات بالرباط. كما كان يحضر صلاة الجمعة بالدار البيضاء حين يقيم جلالة السلطان بالمدينة.  

وبسبب كثرة أسفار هذا القاضي وتنقلاته، وتهاونه في فض نزاعات المتقاضين، مما جعل هؤلاء يعمدون لممارسة العنف لفض مشاكلهم، طالبته وزارة العدل المخزنية، وبإلحاح، بتسريع المساطر لتلبية حاجيات المتقاضين، والتزام الدقة في إصدار الأحكام. وقد توصل في شهر غشت 1951 بعدة رسائل توبيخ من وزارة العدل، لتراخيه في أداء واجبه. وقد بقي يشغل المنصب إلى حلول الاستقلال.  

وعموما فخلال فترة الحماية لم يحدث تغيير عميق على سير العدالة، بحيث لم يحدث إصلاح يفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية المحلية في العديد من المجالات. فبينما بقي القضاء الشرعي مختصا بالأحوال الشخصية والميراث، فإن القضايا المدنية والجنحية، كانت تختص بها السلطة المحلية : القائد والمراقب المدني.  

بالنسبة لدائرة ابن أحمد، كانت الجلسات تنعقد بالأسواق الأسبوعية بخيمة القائد التي تنصب لهذا الغرض، ويحضر إلى جانب القائد، ممثل سلطة المراقبة المدنية والترجمان العمومي. كانت المحكمة تنظم كالتالي:

  – بسوق الخميس سيدي حجاج لأولاد امراح

–  بسوق الثلاثاء فيني للولاد ولخزازرة

–  بسوق السبت راس العين لأولاد سي عيسى ولبهالة

 –  ببوكركوح لبني ريتون وأولاد زهرة، يوم الأربعاء عندما أنشأ القائد صالح الحلفي سوق الأربعاء.

 – جلسة نصف شهرية كانت تنعقد بسوق الثلاثاء أولاد فارس لكل من التوالت وأولاد عدو. بصفة عامة، أصبحت تنعقد ست جلسات في الشهر للقبائل الكبرى، أولاد امراح، لمعاريف، بني إبراهيم ولحلاف بني ريتون. وللقبائل الأخرى أربع جلسات، لكل من املال حمداوة، واثنتان لأولاد امحمد، حيث يصل عددها في الشهر إلى 30 جلسة.  

مع بداية إصلاح القضاء الشرعي، أحدثت بمحكمة ابن أحمد مصلحة كتابة الضبط، تعمل تحت سلطة الترجمان الرئيسي، وتتكلف بالسجلات المدنية والجنائية. وأحدثت ملحقة للمحكمة بسيدي حجاج سنة 1954.

 هذا بالنسبة للقضاء الرسمي العادي، أما الحالات الاستثنائية، فمنها ما كانت تقوم به جماعة الرمى، قبل دخول الاحتلال الفرنسي، وخاصة بقبائل لعشاش، وعلى رأسها قبيلة أولاد امحمد.  كل فرقة يترأسها مقدم، ويفترض فيه أن يكون ملتزما بالامتناع عن الكذب والسرقة وخيانة الأمانة، ويتحاشى الاقتراب من جميع المحرمات، مع القيام بأداء الواجبات الدينية، وأن يكون من وجهاء القبيلة وأثريائها. بالإضافة إلى العديد من المهام الموكولة إليه، يتكلف بتعاون مع مساعديه الذين يسمون الجواقة، بإصدار أحكام تسمى حكم الزروفات، وهي أحكام عرفية تتلاءم مع محيط القبيلة، تم اللجوء إليها إبان اضمحلال سلطة المخزن المحلي. ومن بين أشهر مقدمي الرماية، بوعزة بن عامر، ومحمد ولد بوعبيد العتيوي لمحمدي. وقد استمر العمل بأحكام الزروفات في بعض القبائل النائية، حتى مع دخول الاستعمار، في بعض القضايا البسيطة، حيث كان يلجأ الناس إلى جماعة الرمى للمطالبة بحل النزاعات وفض الخصومات، ويتم تنفيذ أحكامها بطريقة معنوية، إما وعظية في إطار الصلح، أو فرض غرامات مادية، أو تنظيم وليمة إطعام (زردة)، أو التنازل عما أخذ بطريقة غير مشروعة، وهذا كله حسب أعراف القبيلة. كما يتم في بعض الأحيان اللجوء إلى فرض أداء اليمين أمام قبر أحد الأضرحة.

 أما بالنسبة للقضاء العبري أو الإسرائيلي بالمغرب، فكانت تنظر فيه المحاكم العبرية الخاصة بالطائفة اليهودية، في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية والميراث، مقابل المحكمة الشرعية الإسلامية. ولم توجد بابن أحمد محكمة من هذا النوع لقلة عددهم بالمنطقة. وكانت قضاياهم يتم النظر فيها بواسطة الحاخام الذي يتولى الإشراف على الشؤون الدينية للطائفة. أما نزاعاتهم الشخصية بين أفراد الطائفة، فغالبا ما يتم حلها عن طريق مجلسها المحلي، الذي يعتبر بمثابة جمعية تهتم بقضاياهم، ويتم انتخاب أعضاء مكتبها ورئيسه من طرف مجموع أفراد الطائفة البالغين بالمنطقة. وكانت رئاستها بيد التاجر جاكوب بينيستي لمدة طويلة، ثم تولى رئاستها ابن عمه شلومو أوحيون. القضايا الكبرى بينهم كانت تطرح على المحكمة الإسرائيلية بالدار البيضاء.

Visited 7 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

أحمد لعيوني

باحث في تاريخ امزاب