عالمٌ على فوهة اللا استقرار.. قراءة في تداعيات عقيدة ترامب
سمير سكاف
“لا استقرار”! لا في ارتفاع الأسعار ولا في هبوطها! وزمن المضاربة هو الأسوأ عالمياً!
يعني هذا “اللا استقرار”، وهذه التقلبات الحالية في أسعار الذهب والفضة، وحتى في أسواق الأسهم، أن المخاطر في العالم مرتفعة جداً؛ فبينما يرى البعض في الهبوط فرصة للشراء، يحذر آخرون من “فقاعة” قد تنفجر إذا ما هدأت التوترات الدولية فجأة!
ولكن التوترات الدولية لن تنتهي عما قريب!
ما هي إذن أبرز الأسباب الجيوسياسية لهذا “اللا استقرار”؟
أسباب عدة من التوترات الجيوسياسية يمكن التطرق إليها، ويمكن إيجازها في التالي:
- الحروب العسكرية الجارية، والحروب المحتملة.
- الخلاف الاستراتيجي الأمريكي – الأوروبي: الخلاف الأمني ومخاطر تفكك حلف الناتو وقضية “غرينلاند“…
- الهروب الدولي من الدولار: التهديدات المالية المستمرة للرئيس دونالد ترامب، واستعمال الدولار الدائم في التهديدات.
- التهديد الدائم من الرئيس ترامب برفع التعرفات والضرائب الجمركية.
- الديون الهائلة للدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، والمعضلة بين سداد الديون وتخفيض الإنفاق العام.
لن أتطرق في مقالي هنا للفوائد وأسعار الفوائد والشركات والمضاربات في الأسواق… وهي عادةً الأسباب “العادية” لتلاعب أسعار العملات والأسهم والذهب والفضة والمعادن والنفط والغاز… ولكن سأركز على الأسباب الجيوسياسية بشكل أساسي.
1- الحروب العسكرية الجارية، والحروب المحتملة
من الحرب الروسية – الأوكرانية الأكثر تأثيراً في العالم، إلى تخوف الأسواق من ضربة لإيران تبدو شبه مؤكدة، وصولاً إلى الدخول إلى فنزويلا، والحروب على غزة ولبنان والتوترات في سوريا واليمن والسودان… كلها عوامل تجعل وضع الأسواق المالية مهدداً وغير مستقر!
كما إن حدوث ضربة عسكرية ضد إيران، واحتمال استهداف إيران لدول الخليج، سيضرب بقوة ما تبقى من استقرار في هذه الأسواق! وحدها شركات إنتاج الأسلحة والدرونات العسكرية تحظى بحجوزات وطلبات شراء لسنوات طويلة مقبلة!
2- الخلاف الاستراتيجي الأمريكي – الأوروبي
وصلت الأزمة الأمريكية – الأوروبية إلى حد “الطلاق”؛ الطلاق الأمني والسياسي والمالي. وتتأثر بهذا بشكل أساسي فرنسا وألمانيا، بل وحتى بريطانيا الحليف التاريخي، بالإضافة إلى باقي الدول الأوروبية.
وقد يصل الأمر، خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجارية، إلى حد القطيعة الأمنية وفك تحالف الناتو، وإسقاط المظلة الأمنية الأمريكية عن أوروبا، كما صرح المستشار الألماني “فريدريش ميرتز” منذ مدة، معلناً نهاية “الباكس أميريكانا” (السلم الأمريكي)!
أما قضية “غرينلاند”، التي تراجعت مؤخراً ولكنها لم تنتهِ بعد، فقد زادت الطين بلة، مع احتمال “احتلال حليف” لأرض حليف أوروبي له! كلها أمور لا تجعل الأفق الأمني، ولا السياسي، وبالتالي ولا المالي.. مستقراً!
3- الهروب الدولي من الدولار
تريد العملات الدولية وحكوماتها الخروج تماماً من عباءة الدولار! ولذلك تلجأ بعض الدول الكبرى إلى التحول “الآمن”، أو الأقل خطراً عليها؛ وهو التحول من الدولار إلى الذهب والفضة، وفي مقدمتها الصين والهند، وهذا يشمل أيضاً كل دول “البريكس“.
فالرئيس ترامب يُعرِّض الدولار لهجمات، سواء بالمواجهة أو بالتخلي عنه أو بالهروب منه؛ إذ يستعمله سلاحاً يومياً في وجه خصومه.
4- التهديد برفع التعرفات والضرائب الجمركية
جديدٌ هو هذا التهديد الأمريكي اليومي برفع التعرفات والضرائب الجمركية ضد الحليف قبل العدو! اليوم يهدد الرئيس ترامب كندا برفع التعرفة الجمركية ضدها بنسبة 100% إذا ما وقعت اتفاقاً مع الصين، وقبلها هدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفع التعرفة ضد فرنسا بنسبة 200%، بالإضافة إلى تهديداته للصين والمكسيك ودول الاتحاد الأوروبي والعالم بأسره!
5- الديون الهائلة للدول الكبرى
تعاني كبرى دول العالم من الديون العامة؛ إذ يبلغ -على سبيل المثال- دين الولايات المتحدة الأمريكية 39 تريليون دولار، ودين بريطانيا 4.1 تريليون يورو، ودين فرنسا 3.9 تريليون يورو… والمشكلة تكمن في عدم قدرة أو نجاح الدول الكبرى في تخفيض الإنفاق العام.
وبالتالي، فإن اللجوء إلى مسألة التلاعب بأسعار العملات والمعادن والنفط والغاز… كلها وسائل تعتبرها المصارف المركزية الدولية “مشروعة” لسداد بعض من هذه الديون، بالإضافة إلى التلاعب بمعدلات الفوائد وغيرها.
تلعب سياسات الرئيس ترامب دوراً كبيراً في هذا “اللا استقرار” المالي وفي أسعار الذهب والفضة والنفط والغاز… ولكن سياسة “أمريكا أولاً” وتنفيذ “عقيدة مونرو” قد تأتي على الأرجح بنتائج عكسية على الولايات المتحدة نفسها.
وعلى الأرجح، فإن حالة “اللا استقرار” سوف تستمر على مدى السنوات الثلاث المقبلة، أي طيلة ما تبقى من ولاية الرئيس ترامب… بانتظار سياسات الرئيس الذي سيخلفه! وعلى العالم بأسره شدّ الأحزمة!
