غاستون باشلار: ماضي الشُّموع

غاستون باشلار: ماضي الشُّموع

ترجمة: سعيد بوخليط

     ”شعلة مضطربة مُجَنَّحة، آه من نَفَسٍ أحمر، يعكس السّماء ويستكشفُ سِرَّكَ وما ستكونه، موتكَ وحياتكَ” (مارتن كوبيش، أنطولوجية القصيدة الألمانية، ترجمة رونيه لازن وجورج رابوز، الجزء الثاني، ص 206).

خلال زمن سابق، عبر ذات الأحلام المنسية، أثار لهيب شمعة تفكير الحكماء؛ وبعث لدى الفيلسوف المنعزِل آلاف الرُّؤى. فوق طاولة فيلسوف، بمحاذاة أدوات أخرى محتَجَزة ضمن إطار قالبها، ثم كُتُب تعلِّم بتؤدة، تستدعي شعلة قنديل أو شمعة أفكاراً بلا منتهى، تثير صوراً على نحو غير محدود. لقد شكَّل ذلك اللّهيب ظاهرة للعالم، بالنسبة لحالم بالعوالم.

ندرس نظام العالم بين طيّات كُتُب ضخمة، ثم هاهي شعلة بسيطة – تستهزئ من المعرفة! – أمكنها فوراً طرح لغزها الخاص. أليس العالم حيّاً، مع فتيل لهيب شمعة؟ ألا تمتلك حياة؟ ألا تجسِّد إشارة مرئية عن كائن حميمي، وقوة سرّية؟ ألا تنطوي هذه الشّعلة على مختلف التّناقضات الباطنية التي تضفي ديناميكية على ميتافيزيقا أوّلية؟ لماذا البحث عن جدليات الأفكار، ونحن نتواجد في قلب ظاهرة بسيطة عن جدليات الوقائع، والكائنات؟ الشّعلة كائن بلا كتلة ومع ذلك تعتبر قويّة.

ما حقل المجازات الواجب اختباره إن توخّيْتُ، في إطار ثنائية صور توحِّد بين الحياة والشّعلة، كتابة ”تحليل نفسي” للشُّعل وكذا ”فيزياء” لنيران الحياة! مجازات؟ خلال سياق تلك الحقبة السّحيقة حينما كانت الشّعلة تحثُّ الحكماء على التَّفكير، وبلورت المجازات فكراً.

لكن تستمرّ قيمة التأمّل الشّارد، رغم موت المعرفة التي تطويها الكتب الشّائخة. سأحاول عبر صفحات هذا الكتاب الصغير، تسليط الضوء على وثائق شتّى نسجها خيال تأمّل شارد أوّلي، راكمتُها من متون الفلاسفة أو الشُّعراء. يصير كلّ شيء لنا ومن أجلنا، حين العثور ثانية على جذور البساطة ضمن رؤانا أو تواصل رؤى الآخرين. نتواصل أخلاقياً مع العالم بجوار شعلة. بكل بساطة، يغدو لهيب شمعة خلال سَمَرٍ، نموذج حياة هادئة ولطيفة. حتماً، يشكِّل أدنى نَفَسٍ إزعاجاً لها، مثلما يفعل فكر غريب على وقع تأمُّل فيلسوف متأمِّل. لكن عندما تتأتّى فعلاً سيادة العزلة الكبيرة، وتدقُّ حقّاً ساعة الهدوء، حينها يسكن نفس السلام فؤاد الحالم والشّعلة، بينما تحتفظ الشُّعلة على هيئتها وتمضي نحو مصيرها العمودي، حسب خطٍّ مستقيم، مثل فكر صارم.

هكذا، إبّان أزمنة كنا نحلم ونحن نفكِّر، مثلما نفكِّر ونحن نحلم، أمكن للهيب شمعة أن يقدِّم قياس ضغط ملموس عن هدوء الرُّوح، ومقياساً عن هدوء ناعم، يمتدّ غاية تفاصيل الحياة، يمنح نعمة استمرارية الفترة التي تعقب مسار تأمّل شارد مريح. هل ترغب في الطُّمأنينة؟ تنفَّس برفق أمام شعلة رشيقة تبلور بهدوء صنيع نورها.

يمكن استنباط تأمُّلات شاردة حيّة من باطن معرفة عتيقة جداً. لا أبحث عن وثائقي بين صفحات كتب الطّلاسم القديمة. بل أريد، عكس ذلك تماماً، إعادة إعطاء مختلف الصور التي أستعيدها سُمْكها الحُلُمي، غِشاوة غموض قصد التمكُّن من إدراج الصورة ضمن تأمّل شارد ذاتي وحده يمنح إمكانية التّفاعل مع صور متفرِّدة. الذّكاء أخرق حينما يقتضي الأمر تأويل تأمُّلات شاردة ساذجة. استحضرتُ عبر صفحات هذه الدّراسة الصغيرة نصوصاً ارتقت بصور عادية غاية تصميمها على قول أسرار العالم. كم يبدو حينها سلساً انتقال الحالم بالعالم من فتيلة شمعة غاية إضاءات السماء الهائلة! عندما أقف عبر قراءاتي، على تضخُّم من هذا القبيل يمكنني حينها التحفُّز، دون التمكُّن قط من ضبط حماستي. لم أحتفظ على امتداد فصول هذا البحث سوى بتدفُّق الصور.

عندما تكتسي صورة معيّنة قيمة كونية، فإنّها تقوم بدور فكر مذهل. هذه الصورة/الفكر، والفكر/الصورة في منأى عن السياق. الشّعلة التي يبصرها الرّائي عبارة عن حقيقة طيفية تستدعي بياناً للكلام. أقدِّم بعد ذلك عدة أمثلة عن هذه الأفكار/الصّور تعرضها جملة متوهِّجة. أحياناً وبكيفية مباغتة تُلَوِّن هذه الصّور/الأفكار/الجمل نثراً هادئاً. كتب جوزيف جوبير الحكيم: ”الشّعلة نار مبتلَّة” (1).

استعرضتُ بعد ذلك جملة تغيُّرات عرفتها هذه التّيمة: اقتران الشّعلة بالمجرى المائي. لقد أشرتُ في الدّيباجة، إلى الغاية المباشرة لإبراز دوغماطيقية تأمّل شارد استثمر كل مجده قصد خلخلة معرفة خاملة. يكفيه تناقض واحد كي يزعج الطبيعة ثم تحرير الحالم من ابتذال الأحكام حول الظواهر المعتادة. يستمتع قارئ كتاب ”الأفكار” لجوبير جوزيف متخيِّلاً، يَتَمَلَّى هذه الشّعلة المبتلّة، وهذا السائل الملتهب منساباً صوب الأعلى والسماء، مثل مجرى مائي عمودي.

وجبت الإشارة في هذا السياق إلى فارق دقيق مصدره تحديداً فلسفة الخيال الأدبي. إنّ الصّورة/ الفكر/ الجملة مثلما الأمر عند جوزيف جوبير تمثِّل براعة تعبيرية بحيث يتجاوز الكلام الفكر، ثم التأمّل الشارد المُتَكَلِّم تُجُوِزَ بدوره من طرف تأمّل شارد يكتب. لا تتجاسر أحاديثنا بالتَّلميح إلى تأمّل شارد موصول بـ ”نار مُبَلَّلَةٍ”، لكنَّنا نستطيع توثيقه كتابة. كانت الشعلة إغراءً لجوزيف جوبير ولم يصمد حيال ذلك. ينبغي على أهل العقل أن يسامحوا من يصغون إلى شياطين المِحْبرة.

إذا كانت الصّيغة التي طرحها جوزيف جوبير فكراً، فلن تكون سوى مفارقة مفرطة السهولة، أما وهي صورة، فستغدو عابرة ومراوِغة. لكن عندما تشغل الصيغة موقعاً ضمن صفحات كتاب جوبير الأخلاقيّ الكبير، فإنّها تفتح حقل تأمّلات شاردة جادّة. يمنح الإيقاع المتداخل بين الخيالي والحقيقي، قارئاً عادياً، حقّ الحلم بجدِّية، كما لو أنَّه في خضَمّ هذه التأمّلات الشّاردة، يشتغل الذهن بتبصّر. تحقَّق التّعبير على إحدى ظواهر العالم بالتالي السيطرة عليها، نتيجة جدّية تأمّل جوزيف جوبير. جاء التَّبلور ضمن إطار أبعد من حقيقته نحو أخرى إنسانية.

حينما أعيد ترميم صور تتعلّق بخليَّة الفيلسوف المتأمِّل، فإنّي ألاحظ على نفس الطاولة قنديلاً وكذا ساعة رملية، كائنان يخبران لحظتها عن الزمان الإنساني لكن وفق أسلوبين على درجات من التَّباين! الشّعلة ساعة رملية تتّجه نحو الأعلى. تصيغ الشّعلة شكلها بكيفية أكثر خِفَّة من رمل يتساقط، كما لو الزمان نفسه امتلك باستمرار شيئاً يلزمه إنجازه.

تعبِّر الشُّعلة والساعة الرّملية، حسب التأمّل الهادئ، عن تواصل الزمان الخفيف والثَّقيل. بالنسبة لتأمُّلي الشارد، تخبر عن تواصل زمنيْ “الأنيما” و”الأنيموس”. أعشق الحلم بالزمان، ثم الوقت الذي يمضي وآخر يحلِّق، إذا أمكن لخليَّتي المتخَيِّلة الجمع بين الشُّعلة والساعة الرّملية.

فيما يتعلّق بالحكيم الذي أتخيّله، يعتبر دَرْس الشعلة أكبر من دَرْس الرَّمل المتساقط. تحرِّض الشّعلة الساهر اللّيلي كي يرفع عينيه عن الورقة، ويتخلّى عن زمن المهمّات، زمن القراءة والفكر. الزمان نفسه يسهر أمام الشّعلة. نعم، يتوقّف الساهر عن القراءة بجوار شعلة، بل يفكِّر في الحياة والموت. الشّعلة هشّة وباسلة. ينطفئ هذا النور بهسيس؛ ثم تشعله ثانية شرارة. الشُّعلة ولادة وموت سَلِسَيْن. يمكن للحياة والموت أن يتجاورا حقاً، بحيث تعكس صورتهما نقيضين وفق ترتيب جيّد. تبلور رهانات فكر الفلاسفة جدلياتها حول الوجود والعدم حسب إيقاع منطق بسيط، ثم تغدو حسيّة مأساوياً أمام نور ينبجس ويموت.

لكن عندما نحلم بشكل أكثر عمقاً، يضيع هذا التّوازن الجميل بين الحياة والموت. كم يبدو وقع كلمة الانطفاء على فؤاد حالم أمام لهيب شمعة! حتماً تهجر الكلمات أصلها وتأخذ وجهة حياة غريبة، استُعيرت من صدفة تشبيهات بسيطة. ما القضية الرئيسة لفعل انطفأ؟ الحياة أو الشّمعة؟ بوسع الأفعال المجازية ممارسة تأثيرها حتى على موضوعات غير قابلة للتَّجانس. بوسع فعل انطفأ القضاء على كلّ شيء، سواء كان ضجيجاً، فؤاداً، عشقاً أو غضباً. بيد أنّه من يرغب في دلالة حقيقية وأصيلة يجدر به تذكُّر موت شعلة. تعلّمنا من علماء الأساطير قراءة مآسي الضّوء عبر مشاهد في السماء. لكن بين ثنايا خليّة حالم، تصبح الأشياء المألوفة أساطير كونية. الشُّعلة التي تنطفئ بمثابة سماء تموت. تموت الشُّعلة بهدوء كبير مثلما يفعل جرم سماوي. تنحني الفتيلة، ثم تسودّ. لقد أمسكت الشّعلة بأفيونها من خلال الظلام الذي يكتنفها. هكذا تموت الشّعلة فعلاً: تموت وهي تغفو.

يقف على ذلك كل حالم أمام شمعة، وكذا لهيب الصغير. كل شيء مأساويّ في حياة الأشياء والكون. يحلم مرّتين عندما يحلم رفقة قنديله. يصبح تأمّل شعلة، حسب تعبير باراسيلسوس، انتشاء عالمين (2). بناءً على هذه الإثارة المزدوجة – وأنا مجرَّد فيلسوف للتّعبير الأدبي- سأطرح جملة آراء مصدرها الشعراء. هكذا انتهت مسألة تعضيد الأحلام المفرطة بأفكار منمَّقة، أفكار الآخرين والأزمنة، مثلما أوضحتُ في بداية هذه الصفحات.

هل أمكن خلال يوم من الأيّام إبداع الشِّعر بالفكر؟ قصد تعليل مشروعي بالبقاء عند وثائق يمكنها الاهتداء بي صوب تأمّلات شاردة جادّة قريبة من رؤى الشاعر، سأدلي برأيي حول مثال ضمن أمثلة كثيرة، وتكتُّل للصّور والأفكار مأخوذة من كتاب قديم يمكنني استهلال مشاركتي بالإحالة على صوره وليس أفكاره. منفصلة هذه الصفحات التي سأستشهد بها عن سياقها التاريخي، لا يمكن تحديدها باعتبارها إنجازاً للخيالي، ولا تتناسب بشكل أكثر مع منظومة معرفية. يلزم النَّظر إليها كخليط بين أفكار متغطرسة وصور بسيطة. تشكِّل هذه الوثيقة منحى عكسياً تماماً لإثارة الصور التي تستهوينا كي نحياها، بل ستكون ضخامة للخيال.

بعد التعليق على هذه الوثيقة المكثّفة، أعود إلى صور أكثر نعومة، وأقل احتواء من لدن نظام خشن، تمدُّني بحوافز يمكنني شخصياً اقتفاء خطاها كي أعيش معها بهجة التخيُّل. كتب بليز دو فيجنير، بين صفحات كتابه ”دراسة النّار والمِلح”، خلال تأويله لكتاب الزوهار: ”هناك نار ثنائية، إحداها قويّة للغاية بحيث تلتهم الثانية. من يريد اكتشاف ذلك، فليتأمّل الشّعلة التي تندلع وتصعد من نار موقدة أو مشكاة وكذا منارة بحيث لا يمكنها قط الارتقاء إذا لم يتضمّنها عنصر فاسد لا يلتئم مع الهواء. لكن الشّعلة المتمدِّدة بمثابة شعلتين، واحدة بيضاء تشتعل وتضيء، جذرها الأزرق في القمة؛ والثّانية حمراء متعلِّقة بالخشب، وكذا الفتيلة التي تحرقها. يصعد الأبيض مباشرة نحو الأعلى، ويمكث الأحمر في الأسفل راسخاً دون التخلُّص من المادّة التي تدير عملية التهاب وإضرام النار في الثاني” (3).

هنا تبدأ جدلية السّلبي والفعّال، المتحرِّك والمحرِّك، المحترق والحارِق، جدلية أسماء المفعول وأسماء الفاعل التي تشعر الفلاسفة بالرِّضا خلال كل الأوقات. لكن بالنسبة لـ ”مفكِّر” يهتمّ بالشّعلة مثلما الشّأن مع بليز دو فيجنير، يلزم على الوقائع فتح أفق للقيم. تُكتسب هنا قيمة النور، بالتالي يعتبر تثميناً مفرطاً للنار مادام يمنح دلالة وقيمة لوقائع نتناولها حالياً باعتبارها عديمة الأهمية. حقّاً الاستضاءة انتصار. أشعرنا فعلاً دو فيجنير بمستوى العناء الذي كابدته الشُّعلة الفظَّة حتى تصير شعلة بيضاء، قصد اكتساب هذه القيمة المهيمنة المتمثِّلة في البياض. هذه الشُّعلة البيضاء ”دائما نفسها دون تغيُّر ولا تحوُّل مثلما يفعل الآخر، الذي يسود، ويصير أحياناً أخرى أحمر، أصفر، هندياً، فارسياً، لازَوَرْدِياً”.

تمثّل الشّعلة الشّاحبة قيمة مضادّة للشّعلة البيضاء. لهيب شمعة أو شعلة قنديل هي مجال مغلق تصارع داخله القيمة قيمة أخرى مضادّة. ينبغي على الشُّعلة البيضاء ”إبادة وإتلاف” البذاءات التي تغذّيها. إذن بالنسبة لكاتب ينتمي لفترة ما قبل العلم، تؤدِّي الشّعلة دوراً إيجابياً بالنسبة إلى اقتصاد العالم. إنّها أداة بالنسبة لفضاء كوني أفضل.

هكذا، يبدو الدّرس الأخلاقي جليّاً تماماً: ينبغي على الوعي الأخلاقي أن يصبح شعلة بيضاء ”وهو يضرم النّار في الآثام التي تكتنفه”. من يحترق جيّداً يفعل ذلك في الأعالي. ينزع الوعي والشّعلة نحو نفس مصير الوِجهة العمودية. يحدّد لهيب شمعة هذا المصير، بحيث ”يتّجه عمداً صوب الأعلى، ثم يعود ثانية إلى مكمنه الخاص، بعد إنجازه لفعله في الجزء السّفلي دون تغيير وميضه إلى لون آخر غير الأبيض”.

نصّ بليز دو فيجنير طويل، وقد اختزلته كثيراً، قد يكون متعِباً بل يتعِب لامحالة إذا نظر إليه القارئ كنصّ قوامه جملة أفكار تنتظم من خلالها معارف. على الأقل، باعتباره نصّ تأمُّلات شاردة، يبدو لي شهادة واضحة عن تأمّل شارد يتجاوز نطاق كل قياس، يشمل مختلف التجارب المتأتِّية من الإنسان أو العالم. تصبح ظواهر العالم حقائق إنسانية، بمجرّد امتلاكها لقليل من التّماسك والوحدة. يلزم على المغزى المتمِّمِ لنصّ دو فيجنير الانعكاس على مجمل السّرد، مغزى تضمّنه اهتمام الحالم بتلك الشّعلة بحيث يتأمّلها أخلاقياً وشكّلت له عتبة أخلاقية نحو العالم، ثم ولوجاً إلى أخلاقية العالم. كيف تحضره جرأة الكتابة عنها لو اكتفى بالنّظر إليها كشحْمٍ يحترق؟ لقد تأثَّث طاولة الحالم بما يمكنني تسميته بالظاهرة/المثال. مادة أكثر ابتذالاً، تنتج نوراً. تتطهّر من خلال ذات الفعل الذي يهب الضوء. كم يبدو هذا النموذج مُمَيَّزاً بخصوص تطهير فعَّال! تبعث الشوائب نفسها نوراً خالصاً في خضمّ عملية التَّدمير. هكذا فالشرّ غذاء للخير. بفضل الشّعلة يلتقي الفيلسوف ظاهرة مثالية، ظاهرة فضاء كوني، ومثال للأنْسَنَةِ. حين تعقُّب هذه الظاهرة/المثال، ”نتخلّص من آثامنا”.

تضيء الشّعلة المطهَّرة، والمطهِّرة، الحالم مرّتين، بالعينين والرّوح. تغدو المجازات حقائق ثم الحقيقة المُتأمَّلَة مجازاً للكرامة البشرية. نتأمّل الحقيقة فتأخذ شكلاً آخر. يحدث تحريف لقيمة الوثيقة التي يطرحها كتاب بليز دو فيجنير إذا قاربنا مضمونها وكذا تأويلها وفق منظور الرمزية. الصورة تكشف، والرمزية توضِّح. الظاهرة التي نتأمّلها بسذاجة، ليس كالرمز المحمَّل بالتاريخ. الرّمز تَوَافق تقاليد ذات أصول متعدّدة. لم تنتعش مختلف هذه الأصول في إطار التأمّل. حاضر الثقافة أقوى من ماضيها. أن يدرس بليز دو فيجينير كتاب الزوهار لا يمنع أنّه استعاد عبر تأمّل شارد أصيل تماماً طموحاً معرفياً انطوى عليه الكتاب القديم. يتوقّف خيط القراءة حينما يلتمس القارئ حلماً. عندما تضيء شمعة كتاباً قديماً يتكلّم عن الشّعلة، يبلغ التباس الأفكار وكذا التأمّلات الشاردة منتهاه.

لا يوجد رمز، بل ولا لغة ثنائية تترجم المادّي إلى الرّوحي، أو العكس. نختبر مع بليز دو فيجنير، تآلفاً قوياً لتأمّل شارد يجمع بين الإنسان وعالمه، في إطار وحدة قويّة لتأمّل شارد غير قابل للانقسام بين جدلية الموضوعي والذاتي، لحظتها يأخذ العالم وكل عناصره مصير الإنسان. والحال فالعالم، عبر حميمة لغزه، يقصد مصيراً تطهيرياً. العالم نواة عالم أجود، مثلما الإنسان نواة إنسان أفضل، كما تعتبر الشّعلة الصّفراء والمرهَقَة أصل شعلة أخرى بيضاء ورشيقة. تبلغ الشُّعلة فضاءها الطبيعي، ببياضها وكذا ديناميكية امتلاك البياض، غير منصاعة فقط للفلسفة الأرسطية. قيمة تحقّقت أكبر من جلّ القيم التي تتصدّر الظّواهر الفيزيائية. بالتّأكيد، تمثّل العودة إلى الأماكن الطبيعية، إعادة ترتيب وتنظيم للكون. لكن، مع حالة الشُّعلة البيضاء، أمكن نظام أخلاقي احتلال الصّدارة أمام نظام فيزيائي. الفضاء الطبيعي الذي تنزع نحوه الشّعلة يعكس فضاءً أخلاقياً. لذلك تحدِّد الشّعلة وصور الشّعلة قيماً للإنسان كقيم للعالم، تربط أخلاقية ”عالم صغير” مع موعظة كونية مَهِيبة.

لم يتحدّث متصوّفة ”الغاية من البراكين” عن شيء ثانٍ طيلة قرون، بعد تأكيدهم أنّه بفضل الفعل المفيد للبراكين ”تتطَهَّر الأرض من أقذارها”، وقد كرّر جول ميشليه ذلك مرة ثانية في القرن الماضي. من يفكِّر على نحو عظيم قد يحلم أيضاً بكيفية صغيرة ويعتقد بأنّ فتيلة شمعته تتيح إمكانية تطهير العالم.

طبعاً، إن وجَّهتُ مقاربتي نحو قضايا الطُّقوس الدّينية، واستندتُ على نوع من الرمزية الرئيسية، تشكَّلت مبدئياً على قيمها الأخلاقية والدينية، فلن أواجه صعوبة كي أجد للشُّعلة والمشاعل- المشعل، اسم مذكّر لشعلة تلتهب بشكل مجيد- رموزاً أكثر مأساوية من التي تنشأ بكل سذاجة، من خلال التّأملات الشّاردة لحالم بجوار شمعة أو قنديل. لكن، هناك أهمّية، حسب اعتقادي، كي أرصد أمام ظاهرة مألوفة للغاية، تأمّلاً شارداً يستسيغ مقارنات متباعدة كثيراً. مقارنة، تعتبر أحياناً رمزاً قد بدأ، لم يتحمّل بعد مسؤوليته الكاملة. فوراً يصير حادّاً اختلال التّوازن بين المدرَكِ والمتخيَّلِ. لم تعد الشُّعلة موضوعاً إدراكياً، وصارت موضوعاً فلسفياً، بالتالي كلّ شيء ممكن. بوسع الفيلسوف فعلاً التّخيّل أمام شمعة بأنّه شاهد على عالم يلتهب. بالنسبة إليه، الشُّعلة عالم ينحو صوب التحوُّل. يرى فيه الحالم وجوده الذاتي وصيرورته الخاصّة. جرّاء الشّعلة يتحرّك المكان، يهتزّ الزمان. ينتفض كلّ شيء حينما يفعل الضوء ذلك. ألا تعتبر صيرورة النّار من بين أكثر التحوّلات إثارة وحِدّة؟ يسير العالم سريعاً جدّاً إذا تخيّلناه نارياً. هكذا بوسع الفيلسوف أن يحلم بكلّ شيء- العنف والسّلام- عندما يحلم بالعالم أمام شمعة.

هوامش:

  • مصدر النص: Gaston Bachelard, la flamme d’une chandelle (1961).
  • (1) جوزيف جوبير: أفكار، الطبعة الثامنة 1862، ص 163. سميت أحياناً أولى مصابيح اللحام بـ ”ينابيع النار”.
  • (2) ورد عند كارل غوستاف يونغ.
  • (3) بليز دو فيجنير، ”دراسة النار والمِلح”، باريس 1628، ص 108.
شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!