زلزال استراتيجي: الشرق الأوسط في مهب حرب العقائد وصراع القوى الكبرى

زلزال استراتيجي: الشرق الأوسط في مهب حرب العقائد وصراع القوى الكبرى

عقيل وساف

           لم تعد لغة الدبلوماسية المعتادة قادرة على توصيف المشهد المعقد الذي يلف الشرق الأوسط اليوم، فنحن أمام زلزال استراتيجي قلب الطاولة على الجميع، وأعاد صياغة قواعد الاشتباك بالدم والبارود. إن العدوان الأخير الذي استهدف أعلى هرم القيادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يكن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل شكل نقطة تحول مفصلية دفعت المنطقة نحو حرب مفتوحة لا تعترف بالخطوط الحمراء. إن غياب المرشد الأعلى – الذي نجا سابقاً من محاولات اغتيال، وشارك في الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية، وقاوم المرض لعقود- يُنظر إليه في الوجدان الشعبي والعرفاني هناك على أنه حدث جلل وتصديق لنبوءات روحية قديمة، لكنه في الحسابات الجيوسياسية يمثل مأزقاً تاريخياً لواشنطن وتل أبيب، قد يكلفهما ما هو أبعد من مجرد انتكاسة عسكرية.

لعل أكبر خطيئة استراتيجية ارتكبتها الإدارة الأمريكية في هذه المواجهة هي سوء التقدير الذي رافق عملية الاغتيال، فبقتل المرشد الأعلى، يكون الرئيس الأمريكي قد أنهى فعلياً العقبة الدينية والتشريعية الأبرز التي كانت تقف حائلاً دون امتلاك طهران للقنبلة النووية. فالمرشد الراحل كان الفقيه الوحيد الذي أصدر فتوى صريحة وحازمة تُحرم إنتاج أو استخدام أسلحة الدمار الشامل. اليوم، ومع غيابه، تجد الدولة الإيرانية نفسها متحررة تشريعياً من هذا القيد، وهو ما يضع الغرب أمام كابوس استراتيجي غير مسبوق، فالأمر لم يعد مقتصراً على الصواريخ الباليستية المتطورة، بل انفتح الباب على مصراعيه أمام تغيير جذري محتمل في العقيدة النووية.

وفي كواليس واشنطن، وتحديداً داخل أروقة “البنتاغون”، تدور معركة من نوع آخر بعيداً عن عدسات الإعلام. تشير القراءات العميقة للمشهد الداخلي الأمريكي إلى أن كبار جنرالات المؤسسة العسكرية يعيشون حالة من التمرد الصامت، ويضغطون بقوة لفرض انسحاب تدريجي من هذه الحرب التي يصفونها بأنها فخ لا مصلحة قومية لأمريكا فيه. تدرك المؤسسة العسكرية جيداً حجم الاستنزاف الذي تتعرض له مخزوناتها الاستراتيجية، حيث اضطرت واشنطن لسحب ذخائر ومعدات حيوية من محيط تايوان وشرق آسيا لتغطية العجز في الشرق الأوسط، مما يكشف عن انكشاف لوجستي غير متوقع. هذا التخبط امتد إلى النخب السياسية، حيث بدأت شخصيات بارزة في مجلس الشيوخ تحذر علناً من انزلاق واشنطن نحو هزيمة كبرى، متهمين الإدارة بالتخلي عن شعار “أمريكا أولاً” لصالح الانقياد الأعمى خلف المغامرات الإسرائيلية، مما يضع الرئيس الأمريكي أمام خيارين أحلاهما مر: إما التراجع والاعتراف بالفشل، أو المضي قدماً نحو انتحار سياسي وعسكري.

على الضفة الأخرى من الخليج، تعيش دول المنطقة حالة من الترقب الحذر البالغ. إن الخطاب الدبلوماسي الأخير للرئاسة الإيرانية، والذي تضمن ما سُمي إعلامياً بـ “الاعتذار” لدول الجوار، لم يكن في واقعه تراجعاً، بل كان رسالة مبطنة وضربة دبلوماسية ذكية لسحب الذرائع. الموقف الإيراني مستند بوضوح إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الرد المشروع، فطهران لا تستهدف الدول المجاورة لذاتها، لكن أي قاعدة أمريكية تُستخدم كمنصة للعدوان أو توفر الدعم اللوجستي ستكون هدفاً محققاً، وهو ما تُرجم عملياً بدك أوكار ومقرات وقواعد بأجيال متطورة من الصواريخ مثل “خرمشهر” و”خيبر” و”فتاح” التي حيرت رادارات الاعتراض وأسقطت منظومات “ثاد”. هذا الموقف وضع العواصم الخليجية أمام استحقاق وجودي خطير، خاصة وأن الأمن الغذائي والاقتصادي لهذه الدول يعتمد بنسبة ساحقة على انسيابية الحركة في مضيق هرمز.

هذا الخطر الداهم دفع عواصم الإقليم للتحرك السريع نحو موسكو، بحثاً عن وساطة واقعية تتجاوز وعود الحماية الأمريكية المتهالكة. المكالمة الهاتفية بين الرئيسين الإيراني والروسي كشفت عن محاولات حثيثة لفتح قنوات اتصال، حيث نقل بوتين رسائل من نتنياهو وترامب تتلمس طريقاً لوقف التصعيد. ورغم الحراك الدبلوماسي النشط الذي تستضيفه مسقط حالياً، إلا أن طهران ترفض الانخراط المباشر فيه، متبنية استراتيجية فصل الدبلوماسية عن الميدان، حيث تترك للقيادة العسكرية في الحرس الثوري مساحة كاملة لفرض واقع ردع جديد يضمن عدم تكرار العدوان قبل الجلوس إلى أي طاولة حوار.

لا يمكن قراءة هذا الصراع الطاحن بمعزل عن أبعاده العقائدية العميقة، ففي الوقت الذي يحاول فيه البعض تسويق المعركة على أنها صراع جيوسياسي تقليدي حول آبار النفط والنفوذ، تكشف تفاصيل المشهد عن حرب أيديولوجية بامتياز. المشاهد التي تُظهر قساوسة “الإنجيلية الجديدة” وهم يلتفون حول الرئيس الأمريكي ويتلون صلوات تسرّع بنهاية العالم وعودة المسيح، تتطابق بشكل مروع مع تصريحات دبلوماسيين أمريكيين في إسرائيل يروجون لعقيدة “من النيل إلى الفرات”. هذه الرؤية التلمودية المتطرفة، التي تبيح التضحية بآلاف الأطفال كقرابين حرب، تصطدم بجدار صلب من المقاومة التي تستلهم أدبياتها من “الإسلام المحمدي الأصيل”. هذا الخط العقائدي لم يعد حكراً على مذهب بعينه، بل أسس لفرز حقيقي في الشارع الإسلامي والعربي، وما التضامن الشعبي الواسع في دول مثل مصر، وشهادات كبار علماء الأزهر حول ازدهار المدارس السنية في إيران بتمويل مباشر من القيادة الإيرانية نفسها، إلا دليل على سقوط وهم “الصراع الطائفي” أمام حقيقة المعركة بين تيار مقاوم يرفض الهيمنة وتيار متصهين يسعى لإبادة الآخر.

وسط هذه الأمواج المتلاطمة، راهنت الإدارة الأمريكية بوضوح على إحداث فراغ قيادي في طهران يؤدي إلى انهيار النظام من الداخل، بل وبلغت الغطرسة حداً جعل واشنطن تملي شروطها حول هوية المرشد القادم. هذا الرهان ينم عن جهل مطبق بطبيعة الهيكل المؤسساتي المعقد للجمهورية الإسلامية، فالمؤسسة القيادية هناك لا تعتمد على أهواء التوريث العائلي أو إملاءات الخارج، بل تحتكم لآليات دستورية صارمة يديرها مجلس الخبراء. الأنباء التي تتسرب حول رفض شخصيات بارزة —مثل السيد مجتبى— لتولي المنصب، لا تعكس ارتباكاً بل تؤكد على صرامة المعايير الأخلاقية والنزاهة المالية المطلوبة لتولي هذا التكليف الثقيل. إن التأني في إعلان خليفة المرشد ليس دليلاً على وجود أزمة ثقة، بل هو تكتيك متعمد يعكس سيطرة تامة على إيقاع الدولة، وربما رغبة في استكمال مراسم الحداد وتكريس صورة الاستقرار المؤسساتي الذي لا يهتز بغياب الأفراد مهما عظم شأنهم.

تقف المنطقة اليوم على مفترق طرق تاريخي، والرهان على نفاد الذخيرة أو انهيار الجبهة الداخلية في وجه الضغوط أثبت فشله الذريع أمام استراتيجيات الاستنزاف الطويل. نحن نشهد إعادة هندسة قسرية لخارطة الشرق الأوسط، لا تُصاغ قراراتها في أروقة مراكز الأبحاث الغربية، بل تُكتب بالحديد والنار والقرارات السيادية التي أسقطت أسطورة الهيمنة المطلقة بلا رجعة.

شارك هذا الموضوع

عقيل وساف

كاتب وإعلامي عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!