الشرق الأوسط على مفترق طرق: البحث عن سيادة مفقودة

الشرق الأوسط على مفترق طرق: البحث عن سيادة مفقودة

عقيل وساف

       لم يعد ممكناً قراءة ما يجري في المنطقة بوصفه مجرد صراع عسكري تقليدي، أو تنافساً سياسياً عابراً بين دول تتصارع على النفوذ، فالمشهد الإقليمي اليوم يكشف عن معركة أعمق بكثير، معركة تتجاوز حدود الجغرافيا والسلاح إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي السياسي والثقافي لشعوب المنطقة. إنها مواجهة بين مشروع يريد فرض التبعية الكاملة وإلغاء أي نموذج مغاير، وبين قوى تسعى إلى الحفاظ على استقلالها وحقها في صياغة قرارها بعيداً عن الهيمنة الخارجية.

لقد دأبت القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون، طوال العقود الماضية، على تجاوز الهيمنة العسكرية والاقتصادية لفرض نموذج سياسي واحد في الشرق الأوسط، نموذج يقوم على إضعاف الإرادة الوطنية وربط الاقتصاديات المحلية بمراكز القرار الغربية. هذه الاستراتيجية لم تكن تهدف إلى السيطرة فحسب، بل إلى خلق حالة من “التماثل السياسي” بين الأنظمة، بحيث تصبح جميعها قابلة للإدارة من الخارج، وتفقد تدريجياً قدرتها على اتخاذ قرار مستقل في القضايا الكبرى.

هذا المسار يمكن تسميته “صناعة التماثل السياسي”، حيث يُدفع بدول المنطقة إلى تبني ثلاثة مسارات رئيسية: تبعية اقتصادية تجعل القرار المالي مرتهناً للمؤسسات الدولية، وقبول غير مشروط بالهيمنة الغربية، والتخلي التدريجي عن أي مشروع للاستقلال الاستراتيجي، عسكرياً كان أو سياسياً. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي مشروع يحاول كسر هذه المعادلة هدفاً مباشراً للحصار والضغط ومحاولات العزل.

من هنا يمكن فهم طبيعة المواجهة التي خاضتها الجمهورية الإسلامية في إيران خلال العقود الماضية، فالمسألة بالنسبة للقوى الغربية لم تكن مجرد خلاف سياسي مع دولة معينة، بل صراعاً مع نموذج يرفض الانصياع للمنظومة التي حاولت واشنطن ترسيخها بعد نهاية الحرب الباردة. ولهذا السبب، لم تتوقف محاولات الضغط، وفرض العقوبات، وشن الحروب بالوكالة، في مسعىً لدفع طهران إلى التخلي عن عناصر قوتها أو القبول بالاندماج في النظام الإقليمي الذي ترسمه القوى الكبرى.

إلا أن ما حدث خلال السنوات الأخيرة أظهر أن هذه الضغوط لم تحقق أهدافها الاستراتيجية. فبدلاً من أن تؤدي إلى انهيار النظام السياسي في إيران أو تفكك مؤسسات الدولة، دفعت نحو تعزيز فكرة “الاعتماد على الذات”، لا سيما في المجالات العسكرية والتكنولوجية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه السياسة إلى أحد أعمدة الاستراتيجية الإيرانية التي قامت على مبدأ الجمع بين الإعداد المادي والاستناد إلى خطاب تعبوي يركز على الاستقلال والسيادة.

لقد راهنت الولايات المتحدة وإسرائيل طويلاً على أن الضغوط المتراكمة ستؤدي إلى تغيير داخلي أو انهيار تدريجي للنظام السياسي الإيراني، لكن الوقائع الميدانية أثبتت عدم دقة هذا التقدير، إذ استطاعت الدولة الإيرانية الحفاظ على تماسك مؤسساتها رغم الأزمات الاقتصادية والضغوط السياسية، بل وتمكنت من تطوير قدراتها الدفاعية بشكل ملحوظ، مما جعل فكرة إسقاطها أو إخضاعها بالقوة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

وقد أظهرت التحولات الأخيرة في القيادة الإيرانية أن النظام هناك لا يقوم على شخص واحد بقدر ما يعتمد على بنية مؤسساتية متماسكة. فاستمرار عمل مؤسسات الدولة بشكل طبيعي عقب انتقال السلطة أرسل رسالة واضحة للداخل والخارج بأن الاستقرار السياسي لا يزال قائماً، وأن الرهانات على الفوضى أو الانقسام لم تتحقق. هذا المشهد عزز الانطباع بأن إيران استطاعت تجاوز مرحلة “الضغوط القصوى” التي راهنت عليها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

في المقابل، بدأت ملامح تراجع الورقة التي استخدمتها واشنطن وتل أبيب طوال السنوات الماضية في مواجهة إيران تتضح، فالعقوبات الاقتصادية، رغم تأثيرها الواضح، لم تنجح في تحقيق الهدف السياسي المعلن. كما أن سياسة التصعيد غير المباشر، سواء عبر التهديدات أو عبر الصراعات الإقليمية، لم تؤدِّ إلى كسر الإرادة الإيرانية أو دفعها إلى تقديم تنازلات استراتيجية.

في هذا السياق، لم تعد المواجهة تقتصر على إيران وحدها، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع يتعلق بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط. فالمقاومة المسلحة في أكثر من ساحة إقليمية، من فلسطين إلى لبنان وصولاً إلى العراق، أصبحت تُقرأ في إطار شبكة نفوذ مترابطة تتقاطع مصالحها مع المشروع الإيراني في مواجهة الهيمنة الغربية. هذه المعادلة جعلت الصراع أكثر تعقيداً، إذ لم يعد من الممكن التعامل مع كل ساحة بمعزل عن الأخرى.

أما في العراق، فإن المشهد السياسي يعكس بدوره جزءاً من هذا الصراع الإقليمي. فالتجاذبات بين القوى السياسية ليست مجرد خلافات داخلية، بل تتداخل فيها حسابات إقليمية ودولية تسعى كل منها إلى توجيه مسار الأحداث بما يخدم مصالحها. ومع ذلك، فإن الواقع العراقي لا يمكن اختزاله في صراعات النخب السياسية فقط، فهناك حضور واضح لمزاج شعبي يرفض أن تتحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الخارجية.

لقد ظل العراق، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، نقطة تقاطع بين مشاريع إقليمية متنافسة. لكن التجارب القاسية التي مر بها خلال العقود الماضية خلقت لدى قطاع واسع من المجتمع حساسية متزايدة تجاه أي محاولة لفرض إرادات خارجية على القرار الوطني. هذا الوعي المتنامي يعكس إدراكاً بأن استقرار البلاد لا يمكن أن يتحقق إذا استمرت في لعب دور “ساحة الصراع بالوكالة“.

في ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى. فالنظام الدولي نفسه يشهد تحولات متسارعة مع تراجع نسبي للهيمنة الأمريكية، وصعود قوى دولية أخرى تسعى إلى توسيع حضورها في الشرق الأوسط. هذه التحولات تمنح بعض الدول الإقليمية هامشاً أوسع للمناورة، لكنها في الوقت ذاته تزيد من تعقيد المشهد وتفتح الباب أمام صراعات جديدة.

ما يجري اليوم هو صراع بين مشروعين: مشروع يريد تثبيت نظام إقليمي قائم على الهيمنة والتبعية، ومشروع يسعى إلى بناء توازن جديد يقوم على فكرة الاستقلال النسبي وتعدد مراكز القوة. وبين هذين المسارين تتشكل معادلات السياسة في الشرق الأوسط، حيث لا تزال النتائج مفتوحة على احتمالات متعددة.

لكن المؤكد أن المرحلة الحالية تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل عقدين. فالقوى التي كانت تُعتبر هامشية في المعادلة الإقليمية أصبحت تمتلك اليوم أدوات تأثير حقيقية، سواء عبر قدراتها العسكرية أو شبكاتها السياسية والاجتماعية. وفي المقابل، لم تعد أدوات الضغط التقليدية التي استخدمتها القوى الكبرى قادرة على تحقيق النتائج نفسها التي حققتها في الماضي.

لذا، تبدو المعركة الحقيقية اليوم معركة إرادة وصبر استراتيجي أكثر منها مواجهة عسكرية مباشرة. فالتاريخ السياسي للمنطقة يظهر أن التوازنات لا تتغير بضربة واحدة، بل عبر تراكمات طويلة من الصراعات والتحولات. وفي هذا السياق، يبدو أن الورقة التي اعتمدت عليها واشنطن وتل أبيب طويلاً في مواجهة إيران فقدت كثيراً من فعاليتها، الأمر الذي يفرض على جميع الأطراف إعادة النظر في حساباتها للمرحلة المقبلة.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن يستمر في دوامة الصراعات المفتوحة التي تستنزف موارده وتعرقل استقراره، أو أن تتجه قواه المختلفة نحو صياغة معادلة جديدة تقوم على توازن المصالح واحترام سيادة الدول. وحتى يتضح أي المسارين سيكون الغالب، ستبقى المنطقة ساحة مفتوحة لصراع الإرادات، حيث تحاول كل قوة فرض رؤيتها لمستقبل هذه الجغرافيا المضطربة.

شارك هذا الموضوع

عقيل وساف

كاتب وإعلامي عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!