فصل الكلام ما بين القول والفعل عند بعض الأنام (2-5)

فصل الكلام ما بين القول والفعل عند بعض الأنام (2-5)

المختار عنقا الادريسي

 حين ينفلت الفعل من عَهدِ القول وعِقَاله…/ تأمل في صدق المعنى وأقنعة السلوك

عتبة مدخلية:

       إذا كان القول في بعض تجلياته، يتحول إلى قناع يُخفي ما لا نجرؤ على إظهاره. فإن هذا القناع لا يظل معلقا في سطح اللعبة فقط، بل يبحث له في العمق عما يُسْنِده ويُبَّرره. فالنفس الانسانية لا تكتفي بأن تقول ما لا تفعل، بل تسعى في الان ذاته إلى أن تُقنع نفسها بأن هذا الانفصال ممكن، بل وربما مبرَّر. وهنا تتم مغادرة منطقة “التزيين اللغوي” لولوج منطقة أكثر تعقيدا، يُعاد فيها ترتيب المعنى، لا عبر كلمات وحدها، بل عبر مجموعة اليات خفية يسخرها العقل ليحمي صورة الذات من التصدع. فاذا كان – والحالة هذه – القناع يخفي الحقيقة، فان التبرير يعيد صياغتها. وبين الاخفاء واعادة الصياغة، تتشكل مسافة أخرى أكثر دهاء، لا تكتفي بأن تفصل بين القول والفعل، بل تحاول أن تصالح بينهما ظاهريا ولو على حساب الصدق الداخلي. ومن هنا يصبح من الضروري أن نتأمل:

* كيف يتحول العقل من أدة لكشف التناقض، الى وسيلة لتزيينه؟

*  كيف ننتقل دون أن نشعر من قول لا يُجَسَّد… الى فعل يُبَرَّر؟

النافذة الثانية: التبرير… حين يعيد العقل ترتيب الخطأ

في البدء أشير الى أن القناع اللغوي، عادة مايخفي التناقض بين القول والفعل، فيأتي التبرير ليمنحه شرعيته المؤقتة. فالعقل يتدخل لا ليكشف الخلل، بل ليعيد ترتيب ملامحه حتى يبدو مقبولا. ونحن هنا لا نغير ما وقع، بل نعدل الطريقة التي نراه بها، فنخفف حدَّته… نُؤَنْسِن انحرافه… نُلْبِسُه ثوب الضرورة أو الإكراه، إن اقتضى الأمر ذلك .

إن التبرير ليس مجرد حيلة فكرية عابرة بل هو الية دفاعية، تحاول من خلالها الذات أن تحافظ على صورتها المتماسكة. فنحن لا نحتمل أن نرى أنفسنا في حالة تناقض صارخ، لذلك نسارع – بوعي أو بدونه – الى بناء سردية بديلة، أقل قسوة وأكثر انسجاما مع ما نود أن نكون عليه. وفي هذا الأفق يستحضرني الحس النقدي الذي بلوره محمد عابد الجابري، حين أشار إلى أن أخطر ما يواجه الفكر ليس الجهل ، بل وهم المعرفة، فالعقل إذا لم يمارس نقده لذاته، قد يتحول من أداة للفهم الى أداة للتبرير، ومن وسيلة لكشف الحقيقة إلى آلية لإعادة إنتاج الوهم. فالعقل غير النقدي لا يواجه التناقض، بل يلتف حوله ويمنحه تسميات مخففة تُسكت قلق الضمير. وذاك  “الوهم” هو ما يمنح التبرير قوته، فلا يبدو لصاحبه كذبا، وإنما يبقى عنده – تفسيرا مشروعا. فتتحول اللغة من وسيلة اعتراف إلى أداة التفاف، فلا نقول “أخطأنا” بل نستعمل “اضطررنا”، ولا نعترف بأننا “ناقضنا أنفسنا”، بل نؤكد أن “الظروف قد تغيرت” .

   ونجد من زاوية أخرى أن عبد الله العروي – هو الآخر – يضيء هذا المسار، عندما يتحدث عن “الوعي” التي تجعل الفرد يعيش بين ما يعتقد أنه كائن، وما يعيشه فعليا. وفي المسافة الفاصلة بينهما، يتولد التبرير كجسر هش بين المثال والواقع، جسر لا يردم الهوة بقدر ما يخفيها. لأننا [نعيش بين خطاب مثالي وممارسة واقعية، ونبحث دائما عن صيغة تُصالح بينهما]، وهي مصالحة تظل شكلية، لأنها لا تعيد بناء الفعل على أساس القول، بل تعيد تأويل الفعل ليبدو منسجما مع منظومة الكلام والقول، وهنا لا يتم إصلاح التناقض، بل تجميله وفق تصور غارق في الأنانية. ليبقى أخطر ما في ذاك التبرير، هو طابعه التراكمي. فكل تبرير صغير يفتح الباب لآخر أكبر، حتى يصبح نمطا ذهنيا مستقرا.

ومع الوقت لن يشعر الواحد منا بثقل التناقض، لأنه سيعتاد على إيجاد دائم للمخرج التبريري … اللغوي … العقلي. وفي هذا السياق يصادفنا الحس الإنساني العميق عند عبد الكريم برشيد الذي يشير – في امتداد رؤيته للأقنعة – إلى أن الإنسان لا يكتفي بتمثيل أدواره أمام الآخرين، بل يبدأ في تمثيلها أمام نفسه، حتى يصدّقها. وهنا يتحول التبرير إلى “نص داخلي” يعيد ترديده، لا ليفضح التناقض بل ليُخدّره. فنحن [نقنع أنفسنا بما نقول، حتى لا نرى ما نفعل]. إن التبرير بهذا المعنى لا يُنقذ الحقيقة بل يؤجّل مواجهتها. فيبدو هذا التأجيل مريحا في لحظته، غير أنه – في العمق – يُراكم شعورا خفيا بعدم الاتساق، شعورا لا يظهر في اللغة، لكنه يتسرّب إلى الإحساس. فما لا يواجه، لا يختفي… بل يتحول إلى أثر صامت. ومن هما يصبح السؤال الأكثر إلحاحا :

 – هل نملك الجرأة للفصل بين الفهم والتبرير؟

 – هل نستطيع أن نرى الفعل… القول كما هو، دون أن نسارع إلى تليينه؟

  هل يمكن للعقل أن يستعيد وظيفته الأصلية، فيكون مراة للحقيقة لا مجرد حارس لصورة الذات؟      

        طنجة في 30 أبريل 2026

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!