الهوية المغربية بين الجذور المحلية والخوَرزْميات الرقمية
عائشة بوزرار
لم تعد الهوية المغربية تُبنى فقط داخل البيت، أو المدرسة، أو الحي الشعبي، ولا حتى عبر التلفزيون الرسمي كما كان الأمر في السابق. اليوم، صار الهاتف الذكي فضاء جديدا لصناعة الانتماء، وصارت منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” و”فيسبوك” ساحات يومية يُعاد فيها تعريف معنى أن تكون مغربيا. نحن أمام جيل يعيش بين هويتين: هوية واقعية مرتبطة بالأرض والمكان والعائلة واللغة والعادات، وهوية رقمية سريعة ومتقلبة تتشكل داخل الشاشات.
في السنوات الأخيرة، بدأ يظهر ما يمكن تسميته بـالهوية المغربية الجديدة، أو ما يطلق عليه بعض الباحثين “نيو تمغرابيت”، وهي هوية هجينة تجمع بين المحلي والعالمي، بين الدارجة المغربية واللغة الرقمية، بين اللباس التقليدي وثقافة “الترند”. لم يعد الشاب المغربي يكتفي بتلقي الثقافة، بل صار يصنعها بنفسه وينشرها للعالم بضغطة زر. ويكفي أن نتأمل طريقة تفاعل المغاربة مع الأحداث الكبرى على مواقع التواصل لفهم حجم هذا التحول. خلال مونديال قطر 2022 مثلا، لم يكن الاحتفال المغربي مجرد انتصار رياضي، بل تحوّل إلى لحظة رقمية جماعية أعادت تقديم صورة المغربي للعالم، ملايين الفيديوهات والتدوينات والتعليقات صنعت خطابا وطنيا جديدا، امتزجت فيه الوطنية بالفكاهة والرموز الشعبية والأغاني والهتافات، بدا وكأن “تمغرابيت” خرجت من الكتب والخطب الرسمية لتصبح محتوى رقميا حيّا يتداوله الجميع. فهل ما نراه اليوم هو تطور طبيعي للهوية المغربية، أم أننا أمام نسخة استهلاكية منها تُنتجها الخوارزميات؟
لم تمنح النيو ميديا المغاربة فقط مساحة للتعبير، وإنما غيّرت أيضا طريقة فهمهم لأنفسهم. ففي السابق، كانت صورة المغربي مرتبطة بالانتماء المحلي.. ابن المدينة أو القرية أو القبيلة أو الجهة. أما اليوم، فالكثير من الشباب يعرّفون أنفسهم من خلال ما ينشرونه رقميا.. عدد المتابعين، طريقة اللباس، المحتوى، وحتى “اللايفات” اليومية، هنا تتحول الهوية من تجربة معيشة إلى صورة قابلة للعرض والتسويق. ولا يتوقف الأمر عند الشباب فقط، ولكنه يمتد إلى اللغة نفسها، الدارجة المغربية مثلا دخلت مرحلة جديدة مع وسائل التواصل، حيث ظهرت تعبيرات هجينة تجمع العربية والفرنسية والإنجليزية في جملة واحدة. بل إن بعض الكلمات التي وُلدت داخل “تيك توك” أصبحت تُستعمل في الشارع بشكل يومي… فهل نحن أمام تطور لغوي طبيعي؟ أم أن الهوية اللغوية للمغاربة بدأت تفقد توازنها أمام سرعة العالم الرقمي؟
من أبرز التحولات أيضا صعود ما يمكن تسميته بـالمواطنة الرقمية. اليوم، قد يتحول فيديو صوّره مواطن بهاتفه إلى قضية رأي عام خلال ساعات. لقد منحت النيو ميديا الأفراد سلطة لم تكن متاحة من قبل.. سلطة التأثير وكشف الاختلالات وصناعة النقاش العمومي. لكن في المقابل، فتحت الباب أيضا أمام التنمر الرقمي، والأخبار الزائفة، والمحاكمات الافتراضية التي قد تدمر حياة أشخاص في لحظات. واللافت أن الهوية المغربية الجديدة لم تعد ثابتة كما كانت، ولكنها أصبحت سريعة التغيّر. “الترند” اليوم يصنع رموزا جديدة كل أسبوع، ويمنح الشهرة لأشخاص عاديين لمجرد فيديو قصير. هنا يصبح السؤال أكثر عمقا: هل ما نعيشه هو ديمقراطية رقمية حقيقية، أم مجرد استهلاك جماعي سريع للمحتوى والمشاعر والانتماءات؟
ورغم كل هذه التحولات، لا يمكن القول إن الهوية المغربية فقدت جذورها بالكامل، على العكس، أعادت النيو ميديا إحياء عناصر كثيرة من الثقافة المحلية، الأغنية الشعبية المغربية، الطبخ التقليدي، القفطان، الأمثال، وحتى تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، كلها تحولت إلى محتوى يجذب ملايين المشاهدات، وكأن المغربي وجد في الفضاء الرقمي فرصة جديدة ليقول للعالم..هذه هويتي. لكن التحدي الحقيقي يبقى في كيفية التوفيق بين الانفتاح والحفاظ على العمق الثقافي، لأن الهوية حين تتحول فقط إلى “محتوى قابل للمشاهدة”، تصبح مهددة بفقدان معناها الإنساني الحقيقي.
يعيش مغرب اليوم لحظة انتقالية دقيقة، تتصارع فيها “تمغرابيت” التقليدية مع “نيو تمغرابيت” الرقمية، وبين الاثنين يقف جيل كامل يحاول أن يفهم نفسه داخل عالم سريع، متصل، ومليء بالصور والأسئلة. فهل ستنجح الهوية المغربية في التأقلم مع العصر الرقمي دون أن تفقد روحها؟ أم ان الشاشات ستعيد تشكيل الإنسان المغربي بطريقة لم ننتبه إليها بعد؟
