السوق السوداء والتصنيع المحلي: قصة مسيّرات لبنان

السوق السوداء والتصنيع المحلي: قصة مسيّرات لبنان

د. زياد منصور

         منذ اندلاع الحرب في غزة واتّساع المواجهة على الجبهة اللبنانية، تحوّلت المسيّرات إلى واحدة من أكثر المفردات حضورًا في الخطاب العسكري والإعلامي. يكاد لا يمرّ يوم من دون حديث عن “خطر المسيّرات”، أو عن “تهديد استراتيجي جديد” مصدره المسيرات، حتى بدا وكأنّ لبنان كلّه بات منصّة طائرات مسيّرة عابرة للحدود. لكن خلف هذا الضجيج الإعلامي والعسكري، يبرز سؤال أكثر تعقيدًا وأهمية: من أين يحصل الحزب فعلًا على هذه المسيّرات؟ وهل يمتلك القدرة على تصنيعها محليًا؟ أم أنّ ما يجري هو جزء من حرب نفسية وسياسية أوسع يستخدم فيها ملف المسيّرات لتبرير استمرار الاعتداءات على لبنان، وربما التمهيد لعمليات أكبر مستقبلًا؟

الواقع أنّ صورة المسيّرات اليوم تختلف جذريًا عمّا كانت عليه قبل عشر سنوات. فهذه التكنولوجيا لم تعد حكرًا على الجيوش الكبرى أو الشركات العسكرية العملاقة. الحرب الروسية ـ الأوكرانية غيّرت قواعد اللعبة بالكامل، وحوّلت المسيّرات منخفضة الكلفة إلى عنصر مركزي في الحروب الحديثة. هناك، لم تعد الطائرات المسيّرة تحتاج إلى مصانع عملاقة أو قواعد جوية معقدة؛ بل بات بالإمكان تصنيع أجزاء كبيرة منها باستخدام مكوّنات تجارية متوافرة عالميًا: كاميرات، ومحركات كهربائية، وأنظمة تحكم، وألياف ضوئية، وشرائح إلكترونية، وحتى طابعات ثلاثية الأبعاد.

ومن هنا تحديدًا، يصبح الحديث عن “مصدر واحد” لمسيّرات الحزب تبسيطًا مخلًّا بالواقع. فالتكنولوجيا الحديثة لم تعد تنتقل فقط عبر صفقات سلاح رسمية، بل عبر شبكات تهريب، وأسواق سوداء، وشركات واجهة، وخبرات تنتقل عبر الإنترنت والحروب المفتوحة. وهذا ما تؤكده تقارير جهات مختلفة، والتي تشير إلى أنّ معظم الجماعات المسلحة الحديثة باتت تعتمد بصورة متزايدة على المكوّنات المدنية مزدوجة الاستخدام، وعلى إعادة تكييف التكنولوجيا التجارية وتحويلها إلى أدوات قتالية.

لذلك، فإنّ الاحتمال الأكثر واقعية لا يكمن في وجود “شحنة سرية مباشرة” تنقل المسيّرات من أوكرانيا إلى لبنان، بل في انتقال الخبرات والنماذج التشغيلية والتقنيات القابلة للتقليد والتطوير. فالحرب الأوكرانية تحوّلت عمليًا إلى مختبر عالمي مفتوح لحروب المسيّرات، ومن الطبيعي أن تستفيد منها جيوش ودول وتنظيمات حول العالم، تمامًا كما استفادت سابقًا من تجارب أفغانستان والعراق وسوريا.

تضخيم خطر المسيَّرات

في هذا السياق، لا يبدو مستبعدًا أن يكون حزب الله قد طوّر جزءًا من قدراته محليًا، سواء عبر تجميع المكوّنات، أو تعديل نماذج موجودة، أو تصنيع أجزاء محددة داخل لبنان أو خارجه. فالتصنيع المحلي هنا لا يعني بالضرورة صناعة كل شيء من الصفر، بل القدرة على دمج المكوّنات التجارية والخبرات التقنية ضمن منظومة تشغيلية فعّالة، وهو ما أصبح ممكنًا نسبيًا في عصر التكنولوجيا المفتوحة والطباعة ثلاثية الأبعاد والهندسة العكسية.

لكنّ الجانب الآخر من المشهد لا يقل أهمية: هناك مسعى حثيث من طرفي الصراع لتضخيم “خطر المسيّرات” إلى أقصى حد ممكن. فمنذ أشهر، يجري تقديم أي تحليق أو تطوير تقني لدى بوصفه تهديدًا وجوديًا أو تحولًا استراتيجيًا خطيرًا، في خطاب يختلط فيه الأمني بالإعلامي والسياسي. وهناك من يقول أن المسيرات هي السلاح الأمضى الذي سيحرر الأرض ويثبت صحة مقولة المواجهة.. ولعل هذا التضخيم لا ينفصل عن الحاجة الدائمة إلى بناء سردية “الخطر الداهم”، سواء لتبرير استمرار الغارات والاعتداءات داخل لبنان، أو لتهيئة الرأي العام الداخلي والدولي لاحتمال توسيع العمليات العسكرية مستقبلًا، وتبرير الحق بالابقاء على السلاح كوسيلة لتحرير الأرض…

ما يجب قوله هنا ، أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن “الخطر الوجودي” للمسيّرات يذكّر، إلى حد بعيد، بخطابات سابقة استخدمت لتبرير حروب واسعة أو عمليات استباقية، من الصواريخ العراقية سابقًا، إلى الأنفاق في غزة، وصولًا إلى البرنامج النووي الإيراني. وفي كثير من الأحيان، يتحول التهويل الإعلامي إلى جزء من المعركة النفسية والسياسية، لا مجرد توصيف تقني بحت.

وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: فالمسيّرات لم تعد مجرد أداة عسكرية، بل أصبحت عنصرًا مركزيًا في صناعة الخوف، وفي إعادة رسم قواعد الاشتباك، وفي إنتاج الذرائع السياسية والعسكرية. ولذلك، فإنّ السؤال الحقيقي المطروح: “كيف يجري توظيف هذا الملف لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في لبنان والمنطقة؟”

بين التصنيع المحلي والسوق السوداء العالمية

غير أنّ الحديث عن انتقال هذا النوع من المسيّرات إلى لبنان لا يمكن اختزاله بسردية مبسّطة من نوع “نُقلت من أوكرانيا إلى لبنان”. فالمسألة أكثر تعقيدًا وتشابكًا، وترتبط بطبيعة الحروب الحديثة نفسها، حيث لم تعد التكنولوجيا العسكرية تنتقل فقط عبر صفقات سلاح رسمية بين الدول، بل عبر شبكات تهريب ووسطاء وأسواق سوداء وشركات واجهة، إضافة إلى الانتشار الواسع للمكوّنات المدنية ذات الاستخدام المزدوج.

وهنا يجب التمييز بين بيع “سلاح متكامل” رسميًا، وبين انتقال مكوّنات أو تقنيات يمكن استخدامها لاحقًا في تصنيع أنظمة قتالية. ففي حالة المسيّرات الحديثة، وخصوصًا مسيّرات FPV والمسيّرات الموجّهة بالألياف الضوئية، فإنّ جزءًا كبيرًا من مكوّناتها ليس عسكريًا بالمعنى التقليدي، بل متوافر أصلًا في الأسواق التجارية العالمية: محركات كهربائية، كاميرات، أنظمة تحكم، بطاريات، ألياف ضوئية، شرائح إلكترونية، وحتى طابعات ثلاثية الأبعاد تُستخدم في تصنيع الهياكل والأجزاء الدقيقة.

وهذه المواد تُباع قانونيًا في معظم دول العالم، ما يجعل عملية تتبّع استخدامها النهائي بالغة الصعوبة، خصوصًا عندما يجري تجميعها محليًا أو إعادة تكييفها لأغراض عسكرية. ولهذا السبب تحديدًا، لم تعد الجماعات المسلحة الحديثة تعتمد فقط على “صفقات سلاح كلاسيكية”، بل على إعادة هندسة التكنولوجيا المدنية وتطويعها ميدانيًا.

وتشير تقارير إعلامية إلى أنّ الحروب المعاصرة تشهد توسّعًا هائلًا في استخدام المكوّنات التجارية والإلكترونيات المدنية داخل الأنظمة القتالية، سواء عبر شبكات تهريب أو عبر أسواق الإنترنت المفتوحة والتجارة العالمية الاعتيادية.

روسيا، أوكرانيا، وانتقال الخبرات العسكرية

ومن هنا، فإنّ الحرب الأوكرانية لم تكن فقط ساحة قتال، بل مختبرًا عالميًا مفتوحًا لتطوير المسيّرات منخفضة الكلفة وعالية الفعالية. وقد أظهرت تلك الحرب كيف يمكن لتقنيات بسيطة نسبيًا أن تتحول خلال أشهر إلى أدوات حربية شديدة التأثير. كما كشفت سرعة انتقال الخبرات العسكرية والتقنية بين الجبهات المختلفة، سواء عبر الإنترنت، أو عبر خبراء ومرتزقة ووسطاء وتجار سلاح. كما أن الاعلام الأوكراني على امتداد سنوات ضج كثيرا بصفقات فساد وبيع أسلحة إلى أي كان لتحقيق أرباح كثيرة استفاد منها وسطاء أوكران، وأوروبيين ومافيا السلاح عبر العالم

ورغم النفي الرسمي الأوكراني، بحيث يحتاج الأمر إلى تحقيقات استقصائية دقيقة، بسبب عدم توفر أدلة علنية موثقة تثبت أنّ الحكومة الأوكرانية أو الجيش الأوكراني قاما ببيع هذه المسيّرات مباشرة إلى الحزب، لكن احتمال وصول التقنيات شديد الاحتمال بسبب حالة الفوضى العارمة في أسواق السلاح العالمية، وكثرة الحروب الأهلية والمحلية وانتشار النقاط الساخنة بشكل لم يعرفه العالم من قبل منذ انتهاء الحرب الباردة.  وبذا يبقى هذا الاستنتاج ضمن إطار التحليل والاحتمال، ويحتاج إلى وقائع مثبتة.

غير أنّ التاريخ العسكري الحديث يُظهر أنّ الحروب الكبرى تفتح دائمًا أبوابًا واسعة لتسرّب التقنيات والسلاح والخبرات، كما حدث سابقًا في أفغانستان بعد الحرب السوفياتية، وفي البلقان خلال التسعينيات، وفي ليبيا بعد عام 2011، ثم في سوريا لاحقًا.

وعادةً ما تنتقل التكنولوجيا العسكرية في مثل هذه البيئات عبر مسارات غير مباشرة: شراء قطع مدنية من السوق الدولية، نقل المعرفة عبر مهندسين وخبراء، دراسة المسيّرات المصوّرة ميدانيًا وإعادة تصنيعها محليًا، أو عبر وسطاء غير رسميين وشبكات تهريب عابرة للحدود، فضلًا عن احتمال استفادة بعض الجهات من دعم تقني تقدّمه دول حليفة تمتلك خبرة متقدمة في هذا المجال.

لذلك، يبدو التقدير الأقرب إلى الواقعية أنّ ما انتقل من الحرب الأوكرانية إلى ساحات أخرى، ومنها لبنان وغزة، ليس بالضرورة “المسيّرة نفسها”، بل نموذجها القتالي وخبرتها التشغيلية وفلسفة استخدامها الميداني، أي الانتقال من الاحتكار العسكري المعقّد إلى الحرب منخفضة الكلفة المعتمدة على التكنولوجيا التجارية القابلة للتعديل والتطوير السريع.

الاتهامات لروسيا جزء من حملة التحريض

أما بشأن بعض الاتهامات التي تُكال لروسيا بالوقوف المباشر خلف نقل هذه التقنيات، فتبدو، حتى الآن، ضعيفة من الناحية العملية والسياسية. فروسيا، بوصفها دولة مصدّرة للسلاح، ما تزال حريصة على أن تتمّ صادراتها العسكرية عبر قنوات رسمية واضحة ومحكومة بمنظومات رقابة وبيروقراطية معقّدة، ولا سيّما في ما يتعلّق بالأسلحة والتقنيات الحساسة التي تحمل أرقامًا تسلسلية ومسارات تتبّع دقيقة.

ويزداد هذا الأمر تعقيدًا في ظل العقوبات الغربية الواسعة المفروضة على موسكو منذ سنوات، والتي لم تعد تقتصر على القطاع العسكري فحسب، بل طالت رجال أعمال روس، وشبكات مصرفية، وتحويلات مالية، وحتى صادرات النفط والغاز عبر ما يُعرف بـ«أسطول الظل». وهذا يعني أنّ أي عملية نقل مباشرة لتقنيات عسكرية روسية نحو جهات غير رسمية ستكون عرضة لمراقبة مالية واستخباراتية دولية شديدة التعقيد، سواء عبر الأطراف الثالثة أو الرابعة المستخدمة عادةً في الالتفاف على العقوبات.

إضافة إلى ذلك، لا تزال العقيدة الروسية التقليدية، الممتدة منذ العهد السوفييتي، قائمة على قدر كبير من التحفّظ في نقل الخبرات العسكرية النوعية والحفاظ على سريتها، وعدم تعميمها إلا ضمن حسابات استراتيجية ورسائل سياسية دقيقة. فموسكو تدرك أنّ تفلّت بعض الابتكارات أو التقنيات من الرقابة قد يرتدّ عليها عسكريًا واستخباراتيًا في ساحات أخرى.

كما أنّ الروس، في المرحلة الحالية تحديدًا، يبدون حريصين على إعادة صياغة علاقات أكثر وضوحًا واستقرارًا مع الجهات الرسمية في كلٍّ من لبنان وسوريا، وعلى دراسة أي خطوة في هذا المجال بحذر شديد، تفاديًا للدخول في مواجهات سياسية أو دبلوماسية إضافية مع الغرب أو مع أطراف إقليمية أخرى.

ومن هنا، يبرز احتمال أكثر واقعية يتمثّل في انتقال خبرات وتقنيات المسيّرات عبر أطراف أخرى: وسطاء، وتجار سلاح، وشبكات تهريب، ومجموعات تقنية تعمل في السوق السوداء الدولية، سواء داخل أوكرانيا أو خارجها. فالحرب الأوكرانية نفسها تحوّلت إلى مساحة مفتوحة لتعميم خبرات الحرب بالمسيّرات، وهو ما عبّر عنه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مرارًا من خلال حديثه عن “الريادة الأوكرانية” في تطوير الطائرات المسيّرة وأنظمة إسقاط المسيّرات والحرب الإلكترونية.

وقد بدا واضحًا خلال السنوات الأخيرة أنّ كييف لم تكتفِ باستخدام هذه التقنيات ميدانيًا، بل عملت أيضًا على تسويق خبراتها العسكرية والتكنولوجية وعرض نماذجها القتالية على عدد من الدول، سواء بصورة مباشرة أو عبر شركات وخبراء ومؤسسات مرتبطة بصناعات الدفاع والتكنولوجيا العسكرية. وهذا ما يجعل فرضية “انتشار النموذج الأوكراني” عالميًا أكثر واقعية من فرضية وجود مسار روسي مباشر ومنظّم لنقل هذه التقنيات.

ختامًا، فإنّ النقاش هنا لا يتناول مسألة ما إذا كان يحقّ لـ حزب الله الحصول على السلاح من أي مصدر، ولا يهدف إلى تبرير سياساته أو نفيها، فهذه مسألة مختلفة تمامًا، ترتبط بالتوازنات الداخلية اللبنانية وبالصراع السياسي والاستراتيجي حول سلاح الحزب ودوره ووظيفته الإقليمية، وهي قضية تفتح بابًا واسعًا أمام السجالات والانقسامات والتقييمات المتباينة وفق مقاربات كل طرف وأجنداته السياسية والفكرية.

ما يجري بحثه هنا هو الجانب التقني والتحليلي المرتبط بكيفية انتقال تكنولوجيا المسيّرات الحديثة، وطبيعة تحوّل الحروب المعاصرة، والدور الذي تلعبه الأسواق المفتوحة والحروب الكبرى في تعميم الخبرات العسكرية خارج الأطر التقليدية. كما أنّ الهدف هو قراءة الكيفية التي يجري فيها توظيف ملف المسيّرات سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا، سواء داخل لبنان أو في الخطاب الإسرائيلي، الذي يبالغ أحيانًا في تصوير هذا الخطر، ليس فقط بوصفه تهديدًا أمنيًا، بل أيضًا كأداة لتبرير استمرار الاعتداءات والتصعيد، وربما التمهيد لخيارات أكبر في المستقبل.

وبذا يصبح من الضروري إضافة إلى الفصل بين النقاش السياسي ـ الداخلي حول سلاح الحزب، وبين القراءة الواقعية للتحولات العسكرية والتكنولوجية التي يشهدها العالم اليوم، حيث لم تعد المسيّرات وتقنيات الحرب الحديثة حكرًا على الدول الكبرى، بل أصبحت جزءًا من بيئة عسكرية عالمية مفتوحة تتداخل فيها التكنولوجيا المدنية، والأسواق السوداء، والحروب، والإنترنت، والخبرات العابرة للحدود. ومن الواضح أن هناك جيوشا محترمة باتت تعدل من برامج تسليحها لامتلاك هذا السلاح الخطير والمكلف لناحية الخسائر البشرية والمادية

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!