أمين جمال وحكيم زياش.. حين تُرعب الملاعب عروش الكيان

أمين جمال وحكيم زياش.. حين تُرعب الملاعب عروش الكيان

عبد الرحيم التوراني

              لم يكن مجرد احتفال عابر بنصر كروي، بل كان استعادة للهوية وتصحيحا للمتن.. حين رفع لامين يامال العلم، لم يرفع مجرد قطعة قماش، بل رفع اسمه العربي الصريح الذي حاول الإعلام تغريبه، فأطلّ علينا أمين جمال.. في تجلٍّ مهيب يجمع بين أمانة الموقف وجمال القضية.

أي أمانة أسمى من الوفاء لدماء الشهداء؟

 وأي جمال أرفع من مشهد نجم يتربع على عرش “الكامب نو” وهو يلف جسده بعلم أنبل قضية على وجه البسيطة اليوم؟

 لقد كانت تلك اللحظة تجسيدا حيا لقول القائل: إنّ الحقّ إذا استيقظ في قلب شاب أرعب عروش الباطل.

لقد هاج الكيان وارتعدت فرائصه، ونفث سمومه المعهودة ضد هذا الشاب اليافع. وهنا يتجلى السؤال: كيف لصورة صامتة أن تحدث كل هذا الزلزال؟

إنها الحقيقة المجرّدة التي تطارد القتلة والمجرمين.. فالمجرم جبان بطبعه، تهزّ أركانه لقطة وتؤرقه كلمة، لأن وجوده قائم على الزيف، والحقيقة  مهما صغرت  هي عدوه الأول.

أما أولئك الذين انزعجوا من نبل الصورة وضاقوا بها ذرعا، فقد كشفت ملامحهم البروفايلات التي يسكنونها. ليس غريبا أن يستهجن “الجمال” مَن اتخذ من وجه بن غفير والمجرمين قدوة له. فالذي يألف القبح والدم، من الطبيعي أن يُستفزّ من طهر العلم وشجاعة الموقف.

سيظل أمين جمال علامة فارقة، ليس فقط في الملاعب، بل في ساحات الوعي. لقد أثبت أن النجومية الحقيقية ليست في تسجيل الأهداف فحسب، بل في تسجيل المواقف الخالدة التي تنحاز للإنسان.. كل إنسان.

واهم من يظن أن كرة القدم مجرد ركض خلف جلدة منفوخة بالهواء، بل هي نبض الشعوب وصوت المستضعفين… اسألوا الألتراسات حول العالم، وأنظروا إلى مدرجات المغرب التي استبذلت الهتافات الرياضية بملحمة إنسانية، حيث تحولت المدرجات إلى منصات احتجاج ومنابر حق ترفع لواء القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ليس من قبيل الصدفة أن تتوحد الحناجر تحت مسمى “رجاوي فلسطيني”، أو أن تغدو “الخضراء” و”الحمراء” ألوانا تمتزج بسواد وبياض الكوفية… لقد صار العلم الفلسطيني ضيفا مبجلا وعلامة فارقة في كل ملعب مغربي، يلوح في الأفق ليذكر العالم أن البوصلة لا تضل طريقها أبدا…

نستحضر بكل فخر انتصارات أسود الأطلس في مونديال قطر.. هناك حيث لم يكتف الأبطال بصناعة التاريخ الكروي، بل رسموا لوحة الوفاء الأسمى…

 رأيناهم يتلفعون بالعلم الفلسطيني، يفرشونه أمامهم في سجود الشكر، ويجعلونه تميمة النصر في كل صورة جماعية.

نستحضر شموخ جواد الياميق، وروح بلال الخنوس.. نستحضر قتالية عبد الرزاق حمد الله.. ونقف إجلالا لصرخة الحرية التي أطلقها حكيم زياش.. تلك الصرخة التي لم تكن مجرد كلمات، بل كانت زلزالا أرهب المجرم بن غفير وأشباهه، وكشفت زيف ادعاءاتهم.

لم تتوقف الحكاية، فقبل أيام جدد إلياس أخوماش العهد في الميادين الإسبانية، حين رفع العلم وبسطه أمامه بوقار المصلي الخاشع، في وقفة تحية وإجلال لنضال الشعب الفلسطيني الصامد، مؤكدا أن دماء الحرية تجري في عروق الجيل الجديد مهما نأت بهم المسافات.

هنا تبرز المفارقة التي تدمي القلب وتدعو للتأمل: في إسبانيا وجد الأمين جمال، الحامل للجنسية الإسبانية، رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ظهيرا يدافع عنه ويحتوي موقفه، بينما في مغربنا وجد حكيم زياش نفسه وحيدا في مواجهة العواصف، بعيدا عن الاحتضان الرسمي.

لكن وإن غاب الرسميون فقد حضر الشعب، فحكيم زياش وكل من سار على دربه، يكفيهم فخرا أنهم يسكنون سويداء قلب الشعب المغربي، ويحظون بنصرة الأحرار في العالم العربي وكل بقعة شريفة على هذه الأرض.

إنها صرخة الانتماء التي لا تُهزم، وراية الحق التي ستبقى ترفرف فوق كل منصة، مادام فينا عرق ينبض بالكرامة.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!