ذكرى غير قابلة للتّرميم

ذكرى غير قابلة للتّرميم

سعيد بوخليط  

       انتقلت وأمّي خلال زمن ما للعيش في غرفة توجد فوق إحدى سطوح منزل ينتمي لحيّ شهير غير بعيد عن ساحة جامع الفنا سوى بخطوات معدودة. مسكن شبه عشوائي شديد الحرارة صيفا وبارد شتاء، ميزته الوحيدة تكلفة الكراء المقدور عليها مع انعدام أيّ دخل ويا للمفارقة!

انقسم المنزل إلى ثلاث طبقات تسكن وسطاه مالكة البيت وصاحبته رفقة أولادها الستّة، أربعة ذكور وفتاتين، تعلّقت خياليا طيلة فترة إقامتنا بالصغرى واسمها مريم.

شابّة مثيرة حقيقة ذات عينين نجلاوين يغمرهما سواد كالح بعث في نفسي دوما حينما أسترقّ النّظر إليها على خجل تلك التّفاصيل السّريرية الموغلة في نسج صور شبق حميمي، لاسيما أنّي كنت وقتها في أوج شبابي وفتوّتي العضوية. لم أخاطبها قط، ولم نلتق وجها لوجه ولو في حديث عابر مع أنّنا قطننا معا طيلة سنتين، كنت أتحاشى باستمرار لقاءها المباشر سواء حين صعودها إلى السّطح كي تستمتع بدفء الشمس خلال الأيّام الباردة وفي نفس الوقت تسليها بتقاسم أحاديث شتّى مع جارتنا الأخرى التي تحاذي غرفتها غرفتنا، وهي بدورها شابّة تقاربها سنّا بحيث قاربا معا حدود العشرينات أو أدنى قليلا، متزوّجة من رجل يكبرها بفارق عُمُرِي ملحوظ يشتغل في فرن شعبي، وأنجبا طفلين. يقضي المسكين مثلما عاينت الوضع عن قرب يومه كاملا داخل قبو الفرن الجهنّمي ولا يعود سوى مساء متعبا ومنهكا، مع ضرورة الاستيقاظ باكرا صبيحة اليوم الموالي، بينما تمكث الزوجة في فراشها غاية الحادية عشر صباحا وأحيانا أكثر، ثم بعد تناولها وجبة واحدة تجمع بين الفطور والغذاء، مادام التّركيز أساسا على وجبة العشاء موعد عودة الزّوج، تسرع مباشرة إلى فتح حقيبة المساحيق بهدف الانكباب لمدّة ليست بالقصيرة على تطريز ملامح وجهها وصباغته بمختلف الألوان الفاقعة كي تنطلق صحبة طفليها وإحدى صديقاتها نحو جامع الفنا وقضاء ساعات تجوالا في دروب مراكش والعودة  خلال نفس الموعد قبل مجيء زوجها.

كنت باستمرار أتخيّل مريم في أوضاع مختلفة، أتلصّص عليها خفية قصد عدم إثارة الانتباه كلّما أتيحت لي فرص ذلك، عبر الفجوات الموجودة في السّطح التي تطلّ من أعلى على غرفتهم. يشتدّ الإلحاح كلما رغبت في الانتشاء والتلذّذ، لاسيما خلال فصل الصيف مع ازدياد قيظ مراكش بحيث تمكث طيلة اليوم بقماش صيفي خفيف شفّاف يكشف بوضوح عن تبّانها وفخذيها المكتنزتين وفق هندسة رياضية طبيعية، زاد من إثارتهما نبات شَعْرٍ هَرْمونِي خفيف التّشَكّل أكثر رغبتي.

تركت المدرسة ولم تنه بعد الطّور الإعدادي، مثلما أخبرتني أختي التي احتكّت بها لفترة بينما عجزتُ عن التحدّث إليها وجها لوجه حتى لدقائق معيّنة مع أنّ قلبي ارتفعت دائما إيقاعات نبضاته كلما سمعت اسمها حينما تنادي عليها أمّها بصوتها الجهوري الذّكوري، أو صعدت إلى السّطح بين الفينة والأخرى لتمضية بعض الوقت مع جارتنا. كنت في دواخلي أشعر بأنّها تبادلني صمتا أيضا نفس المشاعر، وتنتظر منّي فقط المبادرة لكن مثلما دأبت عادتي دائما، كنتُ خجولا بهذا الخصوص أو متكبّرا أو نرجسيا أو عدوّا لمشاعري أو جلاّدا لأحاسيسي المتوثِّبة، لاأعلم حقيقة تحديدا التّأويل المناسب.

عشت في تلك الغرفة وحيدا على جميع المستويات. أختي استضافتها إحدى الأسر مقابل تقديم خدمات في المنزل ورعاية الأطفال، والثانية تعيش مع جدّتي. أمّي شبه ميّتة تقريبا، نائمة على امتداد اليوم. لا تدرك ما يجري حولها، تحضر حوا سّها جزئيا خلال مواقف معيّنة لاسيما لحظات الغضب والاحتجاج بينما غالبا هي منخرطة في نوم عميق، أو شاردة خلف تيه كئيب، تتقاذفها أمواج عاتية بلا شطآن ولامرافئ آمنة.

لم يسعفني حينها، أو ينقدني حتى لا ألقي بنفسي من أعالي السطح صوب أسفل المنزل، غير شغفي الأصيل بمتعة القراءة والذهاب إلى السينما. لاأصدقاء، لا أسرة، لا علاقات مجتمعية، أو ترفيه أو أسفار أو علاقات عاطفية، كأنّي أقضي عقوبة منفى لفترة غير محدّدة ولأسباب غير معلومة.                                            

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!