ذكريات لا تنسى: الدُّكالي في الحسيمة الخزامية وأيام الزمن الجميل
د.محمد محمد الخطابي
المطرب والملحن والمغني، وكاتب الكلمات الجميلة الموفية والضافية الذائع الصيت؛ عبد الوهاب الدكالي، غادرنا في الأيام الأخيرة من دار الشقاء إلى دار البقاء عن سن تناهز الخامسة والثمانين حولاً من عمره. هذا حكم الله وقضاؤه ولا مرد لحكمه وقضائه.
كان المشمول برحمة الله الواسعة فناناً عظيماً، ومبدعاً فريداً، ومجتهداً مجدداً في فنون الموسيقى الجميلة، والسماع الراقي، والأداء الجيد، والغناء الرائع البديع، والطرب الفني الرفيع، والألحان الرقيقة المبتكرة، وكتابة الكلمات المتناغمة الحلوة التي تبقى محفورة وراسخة في ذاكرة وقلب ووجدان سامعيها في المغرب، والعالم العربي، والمهجر على امتداد العقود الأخيرة، ولا بد أنها ستظل حاضرة مع الأجيال القادمة بحول الله.
المطرب الكبير الدكالي صاحب رائعة (مرسول الحب) والعديد من رائعاته الغنائية الأخريات، زارنا أوائل الستينيات من القرن الفارط في مدينة الحسيمة الخزامية الفيحاء، بدعوة من صديق له من رفقاء طفولته وشبابه كان يُدرّس لنا في أولى قلاع التعليم الحصينة بالمدينة منذ أواخر الخمسينيات من القرن المنصرم (ثانوية أبي يعقوب البادسي) العتيدة. صديق المرحوم الدكالي كان يسمى الأستاذ أحمد العلوي، ولقد عبّر المشمول برحمة الله الفنان عبد الوهاب الدكالي خلال هذه الزيارة عن إعجابه الكبير بمدينة الحسيمة الفيحاء التي اشتق اسمها من نبات “الخزامى” الذي كان يكثر في أرباضها ونواحيها، وهو نبات ذو رائحة طيبة عبقة فواحة، كان وما يزال يُصنع ويُستخرج من رحيقه عطور زكية. وراقه كثيراً صفصافها الباسق الرائق البديع، وصنوبرها الأخضر البديع، وشطآنها الهادئة الساحرة، ورمالها الذهبية الآسرة، وغاباتها الكثيفة، ومنتزهاتها الرائعة، وبحورها المتلألئة، وثغورها السياحية الفريدة، وطبيعتها الغناء الخلابة، قبل أن تمتد إليها الأيدي الآثمة وتحيل بعضها إلى عصف مأكول..!
ولقد أمتعنا الفنان الكبير خلال هذه الزيارة بحفلتين غنائيتين؛ كانت الأولى عمومية بـ “الملعب البلدي” الذي كنا صغاراً نطلق عليه اسم (فوربو) وهو تحريف لكلمة Fútbol في اللغة الإسبانية، وأحيا الحفلة الثانية في دار السينما الكبرى التي كانت موجودة بشارع الحسيمة الأنيق آنذاك Calle Alhuceimas، وقد اختفت هذه السينما، وتبدّل هذا الشارع الجميل بفعل فاعل، وتوارد المطارق والمعاول! وأصبحنا لا نرى اليوم في هذا الركن من وسط المدينة سوى الجدران العالية الرهيبة، والأسمنت المسلح الصلد الجامد المخيف.
وقد أمتعنا الفنان الدكالي بأغانيه الجديدة في ذلك الزمن البعيد، تلك الأغاني التي حققت شهرة كبيرة، وانتشاراً وذيوعاً واسعين في المغرب وخارجه، منها أغنيته الناجحة القديمة: (يالغادي فالطوموبيل)، وكانت ألحانه المبتكرة تنبئ بما لا يترك مجالاً لشك أو ريبة عن ولادة فنان كبير ينتظره مستقبل زاهر في عالم الغناء والطرب والإبداع والألحان، وذلك ما حدث بالفعل.
كان الدكالي في تلك السنوات البعيدة شخصاً لطيفاً، وإنساناً ظريفاً، وشاباً بشوشاً، وإنساناً متواضعاً ما زال في مقتبل العمر وشرخ الشباب وريعانه. لن ننسى له ولصديقه أستاذنا السي العلوي (الذي كان شاعراً مجيداً)، وما زلت أذكر أنه قال في رثاء مدينة أكادير بعد الزلزال المدمر الذي كان قد أصابها في ذلك الإبان:
أكادير يا مهد القلوب / أكادير يا سحر الجنوب رثاكِ قلبي الحزين / المعذب في شحوب
كنا معشر الطلبة وتلاميذ ثانوية أبي يعقوب البادسي نجول ونصول معه ومع أستاذنا السي العلوي في أطراف وضواحي ونواحي وأرباض ومنتزهات وشطآن مدينتنا الخزامية الغراء. هذه الزيارة الجميلة للفقيد الغالي يأبى النسيان أن يطولها ما حيينا.
وتجدر الإشارة في هذا القبيل، أنه على الرغم من وجود عبد الوهاب الدكالي في القاهرة أواسط الستينيات من القرن المنصرم، حيث كنت موجوداً بها أنا كذلك أتابع دراستي العليا بآداب جامعة عين شمس، في هذا الوقت لم تشأ الظروف ولم يشأ القدر أن نلتقي هناك مثلما التقيت فيها في مرات عدة وأقمت صداقة متينة مع الفنان المغربي الكبير الآخر صاحب الحنجرة الذهبية الراحل كذلك عبد الهادي بلخياط، الذي كان موجوداً بالقاهرة أيضاً في ذلك التاريخ.
تغمد الله فقيدينا العزيزين بواسع رحمته، وأمطر عليهما شآبيب رضوانه وغفرانه، وأسكنهما فسيح فراديسه وجنانه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
