محمد الباهي… لغز الرحيل المباغت وأزمة الذاكرة الاتحادية

محمد الباهي… لغز الرحيل المباغت وأزمة الذاكرة الاتحادية

المختار العنقا الإدريسي

مدخل أولي

     ليست  الأحزاب السياسية مجرد تنظيمات تؤطر المناضلين وتدبر الاختلافات حول البرامج والمواقف، بل هي أيضاً خزانات للذاكرة الجماعية، تحتفظ في أعماقها بقصص الرجال والنساء الذين صنعوا تاريخها، كما تحتفظ في الوقت ذاته بما لم يُحكَ كاملاً، وبما فُضِّل أن يبقى منزويا في منطقة الظل. وحين نتأمل تاريخ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإننا لا نجد فقط تاريخاً حافلاً بالنضالات والتضحيات والمواقف الوطنية الكبرى، بل نجد كذلك ملفات ظلت معلقة بين الذاكرة والنسيان، وبين الرغبة في المعرفة والخشية من فتح  الجراح القديمة. ومن بين هذه الملفات يبرز اسم “محمد الباهي” باعتباره واحداً من أكثر الأسماء التي أحاط بها الصمت بعد رحيلها، وأكثرها إثارة للأسئلة التي لم تجد جواباً نهائياً داخل الذاكرة الاتحادية. فالرجل لم يكن مجرد مناضل عادي مرَّ من الحزب ومرَّ عليه الحزب، بل كان واحداً من أبناء التجربة الاتحادية الذين عاشوا المنفى الطويل، وتقاسموا مع رفاقهم أحلام التغيير  الديمقراطي، ثم عادوا إلى الوطن في لحظة كانت تبدو وكأنها بداية مصالحة بين التاريخ وذاكرته. غير أن رحيله  المفاجئ أعاد طرح سؤال قديم ومتجدد: [هل كل ما يقع داخل التنظيمات السياسية يُقال؟ أم أن بعض الوقائع تُدفن مع أصحابها حفاظاً على التوازنات، أو خوفاً من اهتزاز الصور الرمزية؟].

أولاً: محمد الباهي… رجل جاء من المنفى حاملاً ذاكرة جيل بأكمله

   تحل الذكرى الثلاثون لرحيل المناضل الاتحاي محمد الباهي، وهي مناسبة لاستحضار واحد من الوجوه السياسية والفكرية التي طبعت تاريخ الحركة الوطنية والاتحادية المغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد كان من أولئك الرجال الذين اختاروا طريق النضال الصعب، متنقلا بين العمل السياسي السري والعلني… بين  الوطن والمنفى… بين الأمل في  التغيير وخيبات المرحلة. غير أن  استحضار محمد الباهي لا ينبغي أن  يقتصر على سرد الوقائع أو استرجاع الأحداث، بل يتطلب وقوفا متأنيا لقراءة تجربة متفردة – قد لا يعلم عنها الجيل الحالي الكثير – في سياقها التاريخي والسياسي، باعتباره جزءا من جيل اتحادي حمل مشروعا مجتمعيا كاملا، ودفع أثمان باهظة من عمره واستقراره الشخصي من أجل قناعاته.

  1  النشأة والتكوين

  ولد محمد باهي حرمة، والمشهور باسم الباهي” سنة 1930، في [خيمة من قبيلة أدوغلي الموريتانية، بمعنى أن جذور سلالته تنحدر من بيئة صحراوية، وأسرة أهل علم، مرسخة لديها طباع أهل الصحراء وسيادة الثقافة الشفوية، البساطة، الصراحة، الصبر، الوفاء (…) فحفظ القران ولم يبلغ بعد السابعة من عمره، والتهم جانبا كبيرا من متون الشعر الجاهلي ودخائر اللغة والفقه ومرجعيات شنقيط… وعاين في فترة شبابه معاناة أرض موريتانيا والسينغال من نير الاستعمار الفرنسي، واستغلاله لخيرات المنطقة. لذلك انصب اختياره النهائي على طريق النضال قصد المساهمة في تحرير شعوب المنطقة، مما جعله تحت مجهر الاستعمار] (1). فغادر منطقته الأصلية في اتجاه السينغال، ليستقر بمدينة  دكار ثم [بدأ يحضر في سرية تامة للانتقال الى المغرب، عبر سفينة صيد أبحرت من شاطئ “داخلة نواذيبو “، ولم يخامره قط أي شعور بالغربة (…)، فنزل من السفينة على شاطئ طرفاية ثم التحق بمدينة كلميم التي اتخدها جيش التحرير قاعدة له. فاشتغل مدة قصيرة كاتبا لقيادة  جيش التحرير، والتحق بعد ذلك بالرباط منخرطا في عالم الصحافة، ليبدأ فصلا جديدا من مساره في عالم السياسة والصحافة] (2).

  2   نضال الباهي بين الداخل والخارج 

   عرفت ستينيات القرن الماضي توترات سياسية حادة بالمغرب، الأمر الذي دفع عددا كبيرا من المناضلين الى العمل  من الخارج، وكان الباهي من بين تلك الأسماء التي وجدت نفسها موزعة بين النضال الداخلي والخارجي . فكانت بداية مساره الاعلامي محررا بجريدة “العلم” لسان حزب الاستقلال، صحبة محمد عابد الجابري وبتأطير من الزعيم الأممي المهدي بن بركة. [ومع مرور الزمن  وارتفاع وثيرة  الاحداث  (…) اعتبر يوم 25 يناير 1959 يوما تاريخيا في حياة الحركة السياسية ببلادنا، انفجر حزب الاستقلال وظهر انشقاق خطير في شتنبر، تشكل على اثره حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية] (3) . فانطلق  الاتحاد الوطني كحركة تصحيحية مستندا في اداء مهامه على الجماهير العريضة قصد التحرر الاقتصادي والسياسي في المجتمع. فاختار محمد باهي العمل صحفيا بجريدة التحرير، باعتبارها المنبر الاعلامي الأول عند التأسيس . وتحمل المسؤولية فيها كل من محمد البصري بصفته مديرا ، وعبد الرحمان اليوسفي باعتباره رئيسا . فكانت جريدة [تضيء دروب النضال، وصوتا يحمل هموم وامال الشعب ورغبات التغيير، فارتبط اسمها في الذاكرة السياسية الوطنية بمرحلة كانت فيها الكلمة سلاحا، والعناوين بيانا والمقالات موقفا (…) فلعبت دورا تأطيريا للرأي العام] (4). وبعد استقلال الجزائر في  1962، سينتقل الباهي اليها رفقة مجموعة من أعضاء جيش التحرير، انطلاقا من وجدة ثم مغنية فوهران والجزائر العاصمة، على أساس أنها [رحلة عمل كان مقررا لها بضعة أيام، لنقل الصورة مباشرة من بلد المليون شهيد. فاذا بها تمتد وتتجاوز عقدين من الزمن، عاش خلالها محمد باهي حياة اللجوء بعيدا عن الوطن] (5) وساهم بحماسة في تطوير الصحافة الجزائرية، بدءا من [المشاركة في  تأسيس جريدة “المجاهد” الناطقة باسم جبهة التحرير الوطنية. وتواصلت تجربته الاعلامية مع صحف عربية مرموقة كالسفير اللبنانية، واليوم السابع الفلسطينية التي احتضنت مقالاته. كما ساهم في ارساء لبنات صحيفةالشعب السورية (…) وفي غشت 1968 بادر رفقة العديد من السياسيين والمثقفين العرب الى تشكيل (…) لجنة العمل العربي دعما لفلسطين، أثمرت صدور أول مجلة باللغة العربية تحت عنوان افاق عربية  أعتبر الباهي أحد كتابها الاساسيين (…) ومع انطلاق معركة الكرامة شهر مارس1968، انتقل صوب وجهة قواعد الفدائيين في الاردن وسوريا ولبنان والعراق. وكان أول صحافي عربي تطأ قدماه الاراضي الليبية ، ابان الايام  الأولى للثورة التي قادها معمر القذافي سنة 1969] (6) . وبعدها سيلجأ الى عاصمة الأنوار – مدينة الجن والملائكة – باريس، ليصبح من كبار مراسلي الصحافة المشرقية ، خبيرا متخصصا في قضايا الشأن  المغاربي ويتحول الى شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ المعارضة المغربية بالخارج ، كما لم يعد المنفى بالنسبةاليه مجرد اقامة اضطرارية، بل أصبح مجالا للانتاج الفكري والسياسي فكتب العديد من [ الأدبيات  التي صدرت من اليساريين المغتربين، وكان يصوغ أجوبة الفقيه البصري ومحمد بن سعيد أيت يدر وغيرهما على أسئلة الصحفيين التي تصل مكتوبة] (7). ومن خلال ” رسائل باريس” التي كان يبعث بها الى جريدة الحزب، والتي شكلت نافذة فكرية وسياسية تطل منها المعارضة المغربية على ما يجري في أوربا والعالم. نجح محمد باهي في بناء جسر رمزي بين معارضة الخارج وقواعد الداخل. وهي رسائل امتازت بلغتها الرصينة التي تحمل نَفَس المثقف والمناضل معا، فلا هي تقارير سياسية جافة، ولا هي خواطر أدبية منفصلة عن الواقع المعيش، لقد كانت بحق شكلا من أشكال المقاومة بالقلم، حين كانت السياسة نفسها تخضع لكثير من القيود. وظلت اطلالاته من خلال رسائله الباريسية التي كتبها [بأنفاسه المتهدجة وبدمه المحترق، باحثا في دهاليز السياسة الدولية وعواصم القرار عن اجابات لأسئلة  الشرق المأزوم (…) ولم تكن مجرد مادة صحفية تُدبَّج على عجل لتغطية مساحات بياض الجريدة، بل كانت طقسا طقوسيا يترقبه القراء بشغف، مما أسهم في رفع مبيعات جريدة المحرر المغربية الى أرقام غير مسبوقة(8) . وكيف لا والباهي معروف بالتزامه وتشبته برسالة الكلمة… الرأي… الموقف في كل كتاباته، فكتب عن [السياسة الوطنية، جيش التحرير، الحركة الوطنية،  الصحراء، فلسطين، المغرب العربي، فرنسا، الجزائر، الخليج، الشرق العربي. فعل كل ذلك وهو مدجج بخبرة حياة سياسية صائبة، ومستند الى عشرات القراءات من كل الافاق ومحاط بشبكة واسعة من الصداقات التي شملت أوساط الأدب والفكر والسياسة والصحافة في الشرق العربي ومغربه، وفي أوربا وفرنسا] (9)

   ثانيا: العودة الى الوطن… الحلم الذي لم  يكتمل

      مع بداية تسعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح انفراج سياسي نسبي تظهر في المغرب، وفي هذا السياق بزت جهود كبيرة قام بها عدد من القيادات  الاتحادية التاريخية من أجل اعادة تجميع الأسرة الاتحادية وانهاء سنوات القطيعة والمنفى. ومن بين الشخصيات التي لعبت دورا مهما في هذا المسار عبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري. وتشير شهادات متداولة داخل الأوساط الاتحادية الى أن الباهي رجع الى المغرب بعد الحاح من رفاقه القدامى، وفي مقدمتهم اليوسفي، الذي كان يؤمن بضرورة عودة الكفاءات والمناضلين الى أرض الوطن للمساهمة في مرحلة جديدة من العمل السياسي. فعاد في 14 ماي 1996 بعد أن عين اليوسفي مستشارا اعلاميا، وكلفه بالاشراف على اعادة هيكلة جريدة الحزب، نظرا الى التجربة التي راكمها في العديد من الصحف. فعاد وهو يحمل في وجدانه صورة الحزب الذي غادره قبل سنوات طويلة، وصورة الرفاق الذين تقاسم معهم ذاته. لكن الزمن السياسي لا ولن يتوقف في مكانه، فالمنظمات السياسية محكوم عليها بالتغيير كما تتغير المجتمعات. والذين يعودون من المنافي غالبا مايكتشفون أن الزمن الذي احتفظوا به في قلوبهم… ذاكراتهم… تصوراتهم لم يعد موجودا كما كان عليه الأمر سابقا. لقد عاد الباهي بعد أن [مارس القائد الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي ضغوطا قوية عليه، مستعينا بثقل ورمزية الفقيه محمد البصري. لاقناع الباهي بمغادرة باريس والعودة الى الدار البيضاء] (10). وبذلك يكون قد عاد الى تنظيم يعيش تحولات عميقة، والى نخبة سياسية كانت تستعد لدخول مرحلة جديدة تختلف كثيرا عن مرحلة المعارضة التقليدية. ومن هنا ابتدأت المفارقة المؤلمة، لقد عاد الرجل الى المكان الذي حلم به طويلا، وهو [يحمل مه مشروعا متكاملا لتطوير صحافة الحزب من خلال وضع تجربته المهنية والفكرية الغنية في الخدمة غير أن مشروعه اصطدم بمقاومة كبيرة لم يكن يتوقعها من رفاقه] (11). لقد عاد بهدف تكليفه بمهمة جسيمة وخطيرة في نفس الوقت، تتحدد في [تسيير واعادة هيكلة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. كان ذلك في مرحلة دقيقة وحرجة، حيث كان اليوسفي يستعد لدخول تجربة التناوب التوافقي والتفرغ لرئاسة الحكومة باسم الحزب، وكان بحاحة الى رجل بوزن ونزاهة الباهي لضبط الجبهة الاعلامية] (12) وفي هذا السياق بدأت تظهر، داخل بعض الشهادات اللاحقة، تعبيرات ذات حمولة رمزية قوية من قبيل: أنه “عاد الى عش العقارب” – وهو الوصف القاسي والدقيق الذي أطلقه الصحفي حميد برادة في مجلة جون أفريك  – وسواء أحببنا أم كرهنا، اتفقنا أو اختلفنا مع هذا الوصف، فانه يعكس احساسا لدى الكثير من الفاعلين والمهتمين بالشأن السياسي، بأن العلاقات داخل البيت الاتحادي لم تكن دائما بالصفاء الذي توحي به الصورة الخارجية. فخلف وحدة الخطاب كانت توجد حساسيات وتباينات وصراعات صامتة لا تظهر دائما للعموم. فكان مقر الجريدةالكائن بزنقة الأمير عبد القادر عبارة عن [بيئة مشحونة بالدسائس والصراعات الصغيرة ومراكز النفوذ التي رأت في وجود الباهي ونقائه الباريسي والبدوي المفطور على النزاهة،  تمهيدا مباشرا لمصالحها] (13)  

ثالثا:  بين رفاق الأمس وصراعات المرحلة

تكشف تجارب كثيرة في التاريخ السياسي أن الانتقال من مرحلة النضال إلى مرحلة التدبير غالباً ما يكون مصحوباً بالتوترات الداخلية. فالذين توحدوا حول مواجهة الخصوم قد يختلفون حول إدارة المستقبل وقد عرف الاتحاد الاشتراكي خلال تلك المرحلة نقاشات حادة حول الخيارات التنظيمية والسياسية ومواقع التأثير. لم تدم فرحة العودة طويلا، فبعد سنوات النضال والترحال بدأت المتاعب الصحية تلاحقه، بدءا من معاناته مع أمراض القلب، ومرورا بفقدانه لابنته نتيجة حادثة سير مؤلمة، وانتهاء بالمقاومة الشديدة التي أبداها رفاقه السابقون، أمام رغبته الجامحة قصد تفعيل تصوراته عن المشروع الاعلامي الذي كلف به. فماكاد محمد باهي يشرع في الترتيبات الأولى لاعداد خارطة الطريق التي سيتبعها الاعلام الحزبي ويفرح بعودته، حتى اكتشف أن عليه [تنظيف الجريدة من “الأذرع المكسورة” التي وصلت الى الصحافة من دون دراية مهنية، وكانت قدراتهم هي الدس والنميمة وهم من اصطفوا ضده (…) وقرر التخلص من بعض الأسماء، فبدأ بواحد كان معروفا عنه كونه مخبرا لدى الحاج المديوري، بالاضافة الى افتقاره للمهنية (…) وبعد أن غادر الجميع ذهب الباهي الى القسم التقني وحرص شخصيا على نشر بلاغ قصير من أسطر قليلة في الصفحة الأولى، يوضح أن “م . ب” العامل بالقسم الرياضي، لم تعد له علاقة بالجريدة. ولم يغادر باهي حتى دارت المطبعة وأخد معه نسخة من العدد] (14). فتحركت الأيادي المعادية له متصلة بعبد الرحمان اليوسفي وحَكَو له روايتهم، فما كان منه الا أن ينتصر لهم، ويستجيب لرغبتهم في الغاء قرار الطرد. فتضاعفت مشاكل الباهي الصحية [بعد التراجع عن قرار الطرد دون العودة اليه أو استفساره ليشرح أسباب خطوته] (15) فلم يتحمل أويستسغ قرارا اليوسفي، فألمت به أزمة قلبية نقل على اثرها الى مصحة الحكيم بالدار البيضاء، وظل هناك أياما قليلة أسلم بعدها الروح الى بارئها. وفي الغد [طلعت جريدة الاتحاد الاشتراكي مكللة بالسواد، ومن ضمن مقالاتها مقال احتل الأسفل يحمل توقيع أحمد المديني تحت عنوان “وصية العربي الأخير ! ” ] (16). علما أن هذا الأخير – وعلى حد شهادة عبد الرحيم التوراني- كان يصطف الى جانب أصحاب اليازغي، أي في الصف الاخر لمحمد باهي، بل كان يصفه ب “البعير العربي” .

    رابعاً: الوفاة التي تحولت إلى سؤال  سياسي حارق

     حين توفي محمد الباهي، لم يتوقف النقاش عند حدود الفقد الإنساني. بل سرعان ما تحولت الوفاة إلى موضوع تساؤل سياسي حارق. ومن هنا بالضبط يبدأ الانتقال من الحدث إلى الرمز، فالحدث هو وفاة مناضل متفرد  في كل ماحباه الله به. أما الرمز فهو ما تولده الوفاة من أسئلة تتجاوز الشخص إلى السياق الذي عاش فيه. فقد رأى كثير من رفاقه أن رحيله المباغت يستوجب معرفة أدق بالظروف التي أحاطت به. وكان من بين الأصوات التي طالبت بتوضيح أكبر المفكر الاتحادي الكبير محمد عابد الجابري، ولم يكن ذلك نابعاً من رغبة في إثارة ضجيج سياسي بقدر ما كان تعبيراً عن قناعة  أخلاقية مفادها أن التنظيم الديمقراطي لا ينبغي أن يخشى الحقيقة. فهي مهما كانت مؤلمة، ستكون أقل ضرراً من أي شك.  وأمام هذا الرحيل المفاجئ الصادم [انتفض صديق الباهي الحميم ، المفكر الكبير الدكتور محمد عابد الجابري، مطالبا بتشكيل لجنة تقصي حقائق رسمية ومستقلة للكشف عن ملامسات الوفاة الطبية والسياسية. وتمت الاستاجبة للطلب تحت ضغط القواعد، فتشكلت لجنة ثلاثية ضمت قيادات حزبية وازنة “محمد الحبابي – عبد الواحد الراضي – فتح الله ولعلو” . الا أن مسار اللجنة كشف عن عمق الشرخ ، فلم يتفق الحبابي مع زميليه في اللجنة، واختار أن يحرر تقريرا خاصا ومنفردا خطَّه بيده، يعكس وجهة نظره الاستقصائية، بينما كُتب التقرير الثاني بخط فتح الله ولعلو محاولا تهدئة الأجواء وسحب فتيل الأزمة (…) والنتيجة كالعادة بقيت في  الدهاليز السياسية (…) ولم تظهر نتائج التحقيق للعلن، وطوي الملف بالكامل ودفنت الحقيقة مع الجسد الراحل] (17). كل ذلك بعد أن كان الأمل كبيرا في أن تساهم نتائج بحث تلك اللجنة، في تبديد الشكوك وتقديم رواية صريحة وواضحة للرأي العام الحزبي . غير أن ماحدث لاحقا فتح بابا جديدا للتساؤلات. وبدل أن يتحول الملف الى مناسبة لاغلاق الجدل ، بدا وكأنه دخل متاهة جديدة. ومع مرور الزمن اختفت نتائج اللجنة من التداول العمومي، وبقيت الاستنتاجات النهائية حبيسة الدوائر الضيقة. مثلما جرت الأمور مع لجان تحقيق سابقة. وهنا ظهر سؤال اخر أكثر عمقا: هل عجزت اللجنة عن الوصول الى الحقيقة؟ أم أنها وصلت اليها ولم يكن ممكنا اعلانها؟ أم أن الخلافات السياسية نفسها كانت أقوى من أن تسمح  بحسم الملف؟ وجميعها أسئلة لا تزال الى اليوم معلقة في فضاء الذاكرة الاتحادية.

 خامسا: الصمت باعتباره موقفاً سياسياً

      وهكذا سيتحول موت الباهي الى سر  مغلق من أسرار الحزب، والأنكى من ذلك أنه [عندما طُرِحَت في وقت لاحق فكرة وفاء وتكريم مُمَثلة في تأسيس مؤسسة ثقافية تحمل اسم  محمد الباهي لتخليد فكره ورعاية تراثه، قوبلت المبادرة ببرود قاتل. فلم يدعمها لا عبد الرحمان اليوسفي ولا الفقيه البصري، فوئدت الفكرة في مهدها ولم تر النور، خوفا من أن يتحول اسم الباهي حتى وهو في قبره، الى منصة لنقد الحزب ومراجعة مساراته] (18). الأمر الذي يدفعنا الى القول بأن الصمت في الحياة السياسية لا يكون دائماً علامة على الجهل. ويكون أحيانا هو نفسه موقفاً. فبعض الملفات تُطوى، وتذهب مع الريح لأن الكشف عنها قد يفتح جراحاً يصعب ترميمها. وبعض الوقائع الأخرى تُترك للنسيان لأن أصحاب القرار يرون أن كلفة الحقيقة أكبر من كلفة الصمت. غير أن التاريخ يعلمنا دوما أن الملفات التي تُدفن لا تموت، وانما تستقر في الذاكرة الجماعية وتعود الى الظهور كلما سنحت الفرصة بذلك. ولهذا سيظل اسم محمد باهي حاضراً رغم مرور العقود ليس بسبب ما نعرفه عنه فقط، بل بسبب ما لا نعرفه أيضا. خاصة وأنه [لم يكن مجرد حروف، بل كان رمزا بسبب الهلع والقلق المزمن  للانتهازيين والوصوليين، وبخاصة أولئك الذين تحالفوا وتكتلوا خلف الكواليس لافشال مهمته الاصلاحية في تسيير جريدة الحزب وتنقيتها من الأذرع المكسورة والأقلام المأجورة والمندسين الذين زرعتهم أجهزة الاستخبارات لابقاء الجريدة  تحت  السيطرة]  (19) .

 سادسا:  من ملف فردي إلى أزمة ذاكرة 

   ربما تكمن أهمية قضية محمد الباهي في أنها لم تعد مجرد قضية شخص، وأن حقيقة اغتياله [وخيانة نقائه، لا يمكن سترها أو طمسها أبدا، لا بفعل ماض ناقص يراد به تزييف البدايات، ولا بأخوات “كان” التي تحاول تغيير أقوال الضحايا، ولا بأخوات “ان” التي تُستعمل للتوكيد الكاذب وتزيين الوجوه الشائنة] (19). الأمرالذي يجعلنا نقول بأن حياة المنظمات السياسية، تبقى  شبيهة – الى حد كبير – بحياة الأفراد، كما أنها تبقى دوما في حاجة إلى مصارحة ذاتها ومواجهة أسئلتها المؤجلة بدل تأجيلها… تناسيها… غَضِّ الطرف عنها باستمرار. خاصة وأن قوة الأحزاب لا تُقاس فقط بقدرتها على صناعة المستقبل، بل أيضاً بقدرتها على مراجعة الماضي بكل شجاعة، وتصحيح ما ينبغي تصحيحه. لأن التاريخ الذي لا يُناقش يتحول إلى أسطورة. والأسطورة قد تمنح  الهيبة، لكنها لا تمنح الفهم، خاصة وأن قضية محمد الباهي تكمن في أنها لم تعد مجرد قضية شخصية، تحولت الى مراة تعكس علاقة الحزب بذاكرته. 

خاتمة: الحقيقة التي لم تصل بعد لمناضل من زمن الحلم الكبير

    بعد ثلاثة عقود من رحيل محمد الباهي، ما يزال الملف مفتوحاً في الذاكرة وإن كان مغلقاً في الأرشيف. وما يزال السؤال نفسه يتردد بصيغ مختلفة: هل نعرف فعلاً كل ما ينبغي أن يُعرف عن تلك النهاية؟ أم أن جزءاً من الحقيقة ما يزال نائماً في أدراج لم تُفتح بعد؟ قد لا يكون الهدف اليوم هو محاكمة أشخاص أو إعادة إنتاج صراعات مضت، بقدر ما هو الدفاع عن حق الذاكرة في المعرفة. فالأحزاب  الديمقراطية لا تضعف حين تواجه أسئلتها الصعبة، بل تزداد قوة ونضجاً . أما الصمت الطويل ، مهما كانت دوافعه ، فإنه لا يلغي الأسئلة، بل يؤجلها فقط. ولعل محمد باهي  بعد كل هذه السنوات لم يرحل، فمواقفه… رسائله من باريس… ذكراه داخل الوجدان، ماتزال تشهد على سيرة رجل وعلى أن [الحبر الذي خطه بنبضه لا يزال حيا، والوشايات التي حيكت ضده لاتزال تلاحق أصحابها كلعنة أبدية. وأن محاولات القتلة لتنصيب أنفسهم أوصياء على النضال والشرف ستتحطم صخرتها أمام حتمية تدوين الذاكرة الحقة. فالتاريخ قد يمهل ولكنه لا يهمل، والتواطؤ قد يطول لكنه يتفتت أمام صرخة الحق] (20). ويبقى السؤال الأكبر والأعمق – علما أنه لا يخص  حزب  الاتحاد  الاشتراكي وحده –  محددا في: كيف تتعامل التنظيمات السياسية مع حق  الذاكرة في الحقيقة؟. وهو بطبيعة الحال يخص كل التنظيمات التي صنعت التاريخ، وما تزال مطالبة  بأن تروي تاريخها كاملاً، لا نصفه فقط.

                   الهوامش

1 . سعيد بوخليط. محمد باهي.. مثقف استثنائي من زمن الكبار. هسبريس- 2022.12.21

2 . أحمد بابا العلوي. في ذكرى محمد باهي.. خواطر حول الذكرى والتذكر . هسبريس-   2016 . 6 .  3

3 . المختار عنقا الادريسي . حزب الاتحاد الاشتراكي من الاعتدال الى الاعتلال. كراسة في طريقها الى النشر

4 . سعيد بوخليط .م . س

5 . عبد الرحيم التوراني. في ذكرى المناضل والصحفي محمد باهي: باهي زمن القتلة . 24 ساعة.كوم  .4.6. 2020

6 . سعيد بوخليط . م .س

7 . عبد الرحيم التوراني. في ذكرى المناضل والصحفي محمد باهي . م . س

8 . عبد الرحيم التوراني. ثلاثون الرحيل . محمد باهي… السفر بين الموتين وزمن القتلة. السؤال الان  3 . 6 . 2026

9 . حسن طارق. محمد باهي ورسالة باريس. العربي الجديد  10. 6 . 2016

10. عبد الرحيم التوراني. ثلاثون الرحيل م . س

11 . ويكيبيديا ، محمد باهي حرمة المناضل والمثقف والانسان. الهامش رقم 3 ، نسخة محفوظة على موقع واي باك مشين ، 25 . 6 . 2020

12 . عبد الرحيم التوراني،  ثلاثون الرحيل .   م . س

13 . عبد الرحيم التوراني،   نفسه

14 . 15 . 16 . 17 . 18. 19 . 20…  نفسه

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!