ميشيل دي مونتيني والإسلام.. القلب في كنيسة والجسد في كنيسة أخرى

ميشيل دي مونتيني والإسلام.. القلب في كنيسة والجسد في كنيسة أخرى

كاركاسون- المعطي قبال

         مرت أكثر من أربعة قرون على وفاة ميشيل دي مونتيني (1533-1592) صاحب “المحاولات” ولا يزال حضوره حيا. وقد احتفظت ذاكرتي بحكاية قلبه المدفون في كنيسة وجسده في كنيسة أخرى. وهي حكاية صحيحة تماما، كما أكدتها المصادر التاريخية.

القلب في سان ميشيل والجسد في بوردو

توفي مونتيني في 13 شتنبر 1592 في قصره في سان ميشيل دي مونتيني في البيريجور. وحسب طقس أرستقراطي شائع في عصره يسمى dilaceratio، يتم فصل القلب عن الجسد. فأوصت أرملته فرانسواز دولا شاساني بدفن قلبه في كنيسة القرية، كنيسة سان ميشيل التي ستحمل منذ 1936 اسم سان ميشيل دي مونتيني، بينما نُقل جسده إلى بوردو، حيث كان عمدة للمدينة بين 1581 و 1585، ودُفن في كنيسة دير الفويان Les Feuillants.

بعد الثورة الفرنسية، اختفى الدير، ونُقل التمثال النصفي لمونتيني وهو بدرعه وأسد عند قدميه، إلى متحف الأكيتان في بوردو. أما القلب، فلا يزال محفوظا في الكنيسة القروية على بعد مئات الأمتار من برج مكتبته حيث كتب محاولاته. هكذا بقي: القلب في سان ميشيل، والجسد في بوردو.

مونتيني والإسلام

لم يسافر مونتيني إلى بلاد الإسلام، لكن الإسلام حاضر بقوة في مكتبته. كان يقرأ مؤرخي الأتراك ورحلات المبشرين. وأشهر مقطع له عن الإسلام يوجد في “دفاع عن ريمون سبون” (الكتاب الثاني، الفصل 12) :

“عندما يَعِدُ محمد أتباعه بجنة مفروشة ومزينة بالذهب والحجارة الكريمة، مأهولة بفتيات فاتنات، فيها خمر وأطعمة نادرة، أرى بوضوح أنهم ساخرون ينحنون أمام غبائنا ليخدعونا ويجذبونا بآراء وآمال تلائم شهيتنا الفانية”

قد يبدو المقطع قاسيا، لكنه يأتي من شكاك ينتقد كل الأديان التي تغري الناس بجنات مادية، بما فيها مسيحية عصره التي كانت تمزقها حروب الدين.

والأهم من ذلك هو انقلابه المنظوري. فكما دافع عن “آكلي لحوم البشر” في البرازيل ضد همجية المتحضرين، يدافع ضمنيا عن الأتراك. في “عن العادة” و “عن العربات”، يلاحظ أن للأتراك عدالة وانضباطا وتسامحا فقدناه نحن. بالنسبة لمونتيني، الذي ينحدر من أم يهودية متحولة هي أنطوانيت لوبيس دي فيلانوفا من عائلة لوبيس الأراغونية، فإن الإسلام واليهودية جزء من تنوع العادات البشرية الذي يجب أن يعلمنا التواضع. “ماذا أعرف أنا؟” ?Que sais-je

لذلك يُعتبر اليوم رائدا للتسامح الديني، ليس بمبدأ مجرد، بل بتجربة سياسية: عايش مذابح سان بارتيليمي، وكان وسيطا بين هنري الثالث وهنري دي نافار، عمدة لبوردو في زمن الطاعون.

شارك هذا الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!