أوراق من ذاكرة الصحافة: عبد الله رشد.. “ولد جامع الفنا” الذي حمل خيباته ومضى
عبد الرحيم التوراني
♦ تتوارى الأسماء وتطوى الصفحات، ثم يطوي الصمت قامات كانت يوما ملء السمع والبصر في مشهدنا الوطني. من السياسة إلى الثقافة.. ومن الفن والرياضة إلى الإعلام، غابت شخصيات صنعت تحولات حاسمة، واختفت من ذاكرة الأجيال الحالية وكأنها لم تترك أثرا، في تكريس صارخ لثقافة النكران والجحود المطبوع بالنسيان.
ومن بين هذه السير النضالية والإعلامية التي طالها جفاء الذاكرة الجمعية، تقف شخصية الصحفي والمناضل المغربي عبد الله رشد، ذلك القلم الذي صال وجال في كواليس الصحافة المعارضة وسنوات الجمر والنضال قبل أن ينسحب في صمت، تاركا خلفه إرثا حافلا بالأسئلة، وشاهدا على زمن يمحو أبناءه بلا اعتراف ولا إشادة.
غير أن أشدّ ما في قصة رشد إيلاما ليس فقط هذا الغياب القسري، بل ذلك التحول العميق الذي طرأ على شخصيته في خريف العمر، إذ تحول ذلك الصحفي الثائر تدريجيا إلى رجل ناقم على الجميع، مثقل بالحقد والمقت تجاه الرفاق والخصوم على حد سواء. تحول لم يكن وليد نزوة أو طبع عابر، بل كان النتيجة المباشرة لتراكم الخيبات المريرة، وانفراط سنوات العمر في المنفى والهامش، وشعوره الحارق بأن التضحيات الجسام التي قدمها جيله انتهت به إلى العزلة والخذلان. ♦
***
قبل بضعة أشهر رنّ هاتفي، كان على الطرف الآخر الصديق والصحفي طالع سعود الأطلسي. بادرني بسؤال يحمل نبرة تقص واسترجاع:
– هل لديك أي أخبار عن عبد الله رشد؟ وهل ما يزال على قيد الحياة؟
وعدته بأن أثير الأمر من جديد، وأستقصي عن مصير رجل كان في يوم من الأيام ملء السمع والبصر في أوساط الصحافة والنضال، ثم توارى خلف حجاب سديم من النسيان.
تعود معرفتي الأولى بعبد الله رشد إلى مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. جمعتنا اللجنة الإعلامية للبطولة العربية لكرة القدم بالدار البيضاء عام 1983. وتزامنت تلك الدورة مع التحضيرات الجارية لألعاب البحر الأبيض المتوسط التاسعة، وهي المحطة التي كلّفت فيها بمهمة صحفية إلى جانب القامة الإعلامية الراحل عبد الله الستوكي، الذي كان يتولى إدارة مديرية الصحافة بتلك الدورة.
في تلك الأجواء الشديدة الدينامية اقترب مني عبد الله رشد، ونشأت بيننا صداقة وطيدة، كنت أشعر بشرف كبير وأنا أرافق صحفيا ينتمي إلى الجيل الأول من صنّاع الخبر بالمغرب. كان رشد ينحدر من قلب مدينة مراكش، ومنها استمد لقبه الشهير الذي رافقه طوال مسيرته: “ولد جامع الفنا”، وهو الاسم المستعار الذي خلده التاريخ المهني لجريدة “التحرير” اليسارية في الستينيات، حيث اشتهر بزاويته المنتظمة والمثيرة للجدل “حديث المعركة“.
توارى رشد عن الأضواء في السنوات الأخيرة، بعد حياة حافلة بالتقلبات النضالية والسياسية. كان الرجل من المقربين للقيادي الاتحادي البارز الفقيه محمد البصري، ومرافقه الشخصي في أدق المحطات التاريخية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية. فعقب حادثة اختطاف الشهيد المهدي بنبركة سنة 1965 بفترة قصيرة، شوهد رشد برفقة الفقيه البصري عند الحدود في السيارة نفسها التي غادر بها الأخير المغرب، مستهلا رحلة قسرية في المنفى لم تنته إلا بعد ثلاثة عقود.
أما عبد الله رشد فتنقل في شتاته الأوروبي بين ألمانيا الشرقية وفرنسا والبرتغال، معايشا جراح المعارضة المغربية بالخارج، إلى أن فتحت الثمانينيات أبواب العودة التدريجية للمغتربين السياسيين، وفي مقدمتهم عبد الرحمان اليوسفي والصحفي والكاتب محمد باهي.
مع انطواء صفحة جيل الستينيات والسبعينيات من الصحافة اليسارية المعارضة، طوى الغموض مصير رشد. اختفت أخباره ولم نعد نجد تفاصيل دقيقة تثبت مقر إقامته أو تنفي شائعة وفاته التي تردد صداها لدى البعض. غير أن الصديق عبد الصمد بلكبير قطع هذا الشك بيقين آخر، حين أكد لي الشهر الماضي، أن رشد لا يزال على قيد الحياة، وأن أقدامه المقعدة استقرت في كنف المقاوم الفذ مولاي عبد السلام الجبلي بإحدى ضواحي مراكش.
***
خلال فترة إقامته بالدار البيضاء عقب العودة من منفاه الاختياري، كان رشد يقطن بفندق غير مصنف بشارع مصطفى المعاني. كنا نلتقي كثيرا في مقاهي وسط المدينة ذات الطابع التاريخي مثل “لاكوميدي” و”لاشوب”، وأحيانا بفضاءات ساحة مرس السلطان.
كانت أحاديثنا تدور دائما في فلك حزب الاتحاد الاشتراكي وصراعاته الداخلية، وتتخللها حكايات استثنائية من أرشيف جريدة “التحرير” التي تولى إدارتها في الستينيات الفقيه البصري وترأس تحريرها عبد الرحمان اليوسفي. وكان يسرّ لي أحيانا بجهوده الأكاديمية لإعداد أطروحة دكتوراه يتهيأ لمناقشتها بجامعة برتغالية، وتتناول فصلا عميقا من التاريخ المغربي المعاصر.
لم تكن شؤون السياسة وحدها ما يشغله، إذ كان يحدثني بمرارة عن نزاعات ومشاكل تتعلق بإرث عائلته، ملتقطا تفاصيل منها شراء الناشر محمد لغلام وزوجته الصحفية زكية داوود، مؤسسي مجلة لاماليف Lamalif الشهيرة والمحظورة التي كانت تصدر بالفرنسية، لمزرعة تعدّ جزءا من تلك الأملاك الموروثة.
غير أن الأيام كشفت لي شيئا فشيئا عن طبعه الحاد وشخصيته النزقة. كان رشد يحمل في داخله حنقا وغضبا عارما لم يعد يقوى على ستره، حنقا متولدا عن تراكم خيبات النضال وانكسار الأحلام السياسية.
تجلى ذلك الغضب في مواقف صادمة، إذ تختزن ذاكرتي يوما صادفته فيه قرب مقهى “لاكوميدي” يحمل بين يديه السفر الضخم لـ “تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب“ بجزئيه للكاتب عبد الكريم غلاب، وهو العمل المرجعي الصادر بتقديم للمفكر الفرنسي جاك بيرك. ورغم القيمة التاريخية للكتاب الذي يؤرخ للفكر السياسي لحزب الاستقلال، كان رشد يغلي غضبا لأنه أنفق ماله في شرائه، وأقسم أمامي أنه سيرميه في أقرب سلة مهملات!
عندما توجست من جديته طلبت منه أن يمنحني إياه، فقدمه إلي قاطعا:
– خلصني من هذه الخزعبلات!
ثم أطلق وابلا من الشتائم المكثفة واصفا غلاب وحزب الاستقلال بالخيانة والغدر. حينها فقط أدركت أن عين الرجل لا تزال شاخصة عند لحظة الانشقاق التاريخي لعام 1959 وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وأنه يعيش الحاضر بأحقاد الماضي.
***
بدأت أنتبه لاحقا لأحكام القيمة القاسية التي كان يوزعها يمنة وشمالا، رجل لم يعد يعجبه العجب، يسقط الجميع من حسابه. كان يستثني فقط المناضل الراحل محمد بنسعيد أيت يدر، الذي مدّ له يد العون ماديا وأفسح له المجال للكتابة في جريدة “أنوال”. هناك انكب رشد على الكتابة الرياضية بذوق خاص، ووثّقها بكتاب صدر عن منشورات “أنوال” ثم أعاد طبعه على حسابه. لم يكن الكتاب رياضيا خالصا، بل بيّن فيه برؤية نافذة كيف شكّلت الأندية الرياضية الحرة واجهة نضالية سريّة واستخدمت في التجنيد السياسي والتعبئة ضد الاستعمار.
كانت تربطه بعبد الرحمان اليوسفي علاقة ممتدة، وكان يتردد باستمرار على منزله في زنقة “بوان دوجور” بحي بوركون في الدار البيضاء. غير أن هذه الصداقة التاريخية سرعان ما انقلبت إلى عداء مستحكم، إذ حكى لي رشد شخصيا وبمرارة، كيف قصد اليوسفي عقب توليه قيادة حكومة التناوب التوافقية وزيرا أول، طالبا منه مساعدة مادية تعينه على الزواج، غير أن اليوسفي قابل طلبه بابتسامة ومثل شعبي قائلا:
– حتى شاب عاد دارو له حجاب!… في إشارة إلى تقدمه في السن وفوات قطار الزواج. ترك ذلك الرد جرحا عميقا في نفسه لا تداويه الأيام.
خرج رشد من بيت اليوسفي مثقلا بكرامة مجروحة وغضب عارم، وترجم ذلك الغيظ في تأليف كتاب استقصائي وتاريخي حاد بعنوان: “كفاح المغاربة في سبيل الاستقلال والديمقراطية 1953-1973“.. تشكل الكتاب من قراءة نقذية وكواليس لتأسيس جيش التحرير والعمل السري، وسلط الضوء على أدوار اليوسفي والمناضلين، وهو الكتاب الذي نشرت حينها صحيفة “الصباح” صفحات ضافية منه ونال إشادة الباحثين، ومنهم عبد الصمد بلكبير. كما أتبعه بكتاب آخر بعنوان “المغرب والجلادون“، حاول فيه تشريح العلاقة بين السلطة والمجتمع وتقلبات التاريخ النضالي.
شملت شظايا نقده الجميع، حتى في أروقة جامعة ألعاب القوى زمن رئاستها من طرف الحاج محمد نودير، حيث تقرب رشد من مسير لرياضة ألعاب القوى بالدار البيضاء كان محسوبا على الاتحاديين، ثم أسرّ لي بخطاب حاسم أن الرجل عميل جهاز سري، مؤكدا ما تردد حينها في كواليس بعض الاتحاديين.
***
بدأت أبتعد تدريجيا عن رشد بعدما أصبحت نزعته للانتقاد والنميمة لا تطاق. أتذكر أننا كنا نسير يوما بشارع باريس بالدار البيضاء، فالتقيت صدفة بصديق لي وتوقفت لأحييه، فيما ابتعد رشد قليلا. وما أن ودعت صديقي ورجعت إليه، حتى بادرني بحدة متسائلا:
– من هذا الخامج الذي أوقفك؟
سألته بدهشة:
– هل تعرفه؟
فأجاب بالنفي… استبد بي الذهول، كيف لرجل أن ينعت إنسانا لا يعرفه بـ “الخامج” (أي النتن)! ليتبيّن لي لاحقا من بعض المعارف أن هذه اللفظة كانت تجري على لسانه بسهولة، حتى صار البعض يطلق عليه اللقب نفسه ردا بالمثل.
كانت آخر مرة وقعت فيها عيني على عبد الله رشد في عام 2012. كنت أستريح بكافتيريا محطة حافلات الساتيام بمدينة مراكش، بانتظار الرحلة المتجهة نحو الدار البيضاء. لمحته عبر الواجهة الزجاجية، كان يترجل ببطء رفقة امرأة خمسينية مكتنزة القوام، بيضاء البشرة، ملفوفة الجسد بجلابة بنية، وتضع على رأسها فولارا أزرق وشفتيها مثقلتان بأحمر شفاه فاقع.
ركبت المرأة الحافلة بمفردها متجهة للدار البيضاء بعد أن ودعها عند الباب، ومضى هو بخطواته التائهة في زحام مراكش.
***
رحل جيل كامل، وتوارى “ولد جامع الفنا” خلف الغياب.. وأنا أكتب هذه الأوراق، أتمنى أن تكون شائعة رحيله مجرد كذبة صحفية أخرى، وأن يكون ذلك المناضل الغاضب ما يزال في مكان ما، يمارس حنقه النبيل على عالم لم يعد يشبه الأحلام التي ناضل من أجلها.
