مصطفى الدرقاوي يترجل.. حين يتحول رحيل الكبار إلى “حدث بلا دلالة”
عبد الرحيم التوراني
♦ يبدو أن قطاع الثقافة في المغرب وصل إلى درجة من الكفاءة البيروقراطية تجعله يمارس الموت الرحيم على الذاكرة الوطنية بدقة متناهية♦
لم ترتد الثقافة الوطنية وشاح حزن كما تردد البلاغة الرسمية المتبذلة في قنواتها، فالأحزان أرفه من أن تهدى لإدارة مشلولة الذاكرة.
ما حدث عقب رحيل رائد السينما المستقلة والتجريبية مصطفى الدرقاوي، كان مجرد استئصال جديد لقطعة من الوجدان الوطني في صمت بيروقراطي مريب.
لقد أثبت المسؤولون عن قطاع الثقافة والسينما لمرة أخرى أنهم يمتلكون جهاز تنفس اصطناعي يعمل فقط في رحاب البروتوكولات والكاميرات، أما حين يتعلق الأمر بالرعيل الأول الذي أسس معنى الفن والمواجهة في هذه البلاد، فإن المكاتب المكيفة تطلق برودتها الفتاكة لتعلن الجهل الشامل بكل ما هو إنساني ورمزي.

لما جرت ظهيرة يوم الجمعة الأخيرة مراسيم تشييع جثمان الدرقاوي بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، اختارت المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها الوزارة الوصية والمركز السينمائي المغربي الغياب التام، تاركة إياه يشيع بقلة من أصدقائه الأوفياء.
يعيد هذا الجفاء الإداري إلى الأذهان المشهد المأساوي ذاته الذي رافق قبل أيام جنازة الشاعر الكبير محمد السرغيني في مدينة فاس، حيث تبين أن مكاتب المسؤولين تمتلك حصانة كاملة ضد التواجد في المقابر، إلا إذا وجد شريط افتتاح أو عدسة تلتقط الابتسامات الرسمية.
يمثل فيلم “أحداث بلا دلالة” (1974) للراحل مصطفى الدرقاوي، لحظة انقطاع حاسمة في تاريخ السينما العربية. فعندما عاد الدرقاوي متسلحا بخبرة مدرسة “لودز” البولندية، لم يقدم سينما استهلاكية، بل أنجز شريطا يندرج ضمن السينما التي تستجوب نفسها.
تدور القصة حول طاقم سينمائي ينزل إلى حانة بيضاوية ليسأل الناس: “ما هي السينما التي نريد؟”.. فيفكك إيهام الشاشة متقاطعا مع المفهوم الماركسي لتفكيك وسائل الإنتاج البصري.. ولم تكتف الكاميرا بتسجيل الممثلين، بل اشتبكت مع شخوص الحركة الراديكالية آنذاك، كالقاص والروائي محمد زفزاف، والشاعر بالفرنسية مصطفى النيسابوري، وأعضاء مجموعة جيل جيلالة، والممثل شفيق السحيمي مع الممثل الراحل عباس الفاسي (له الاسم نفسه للسياسي في حزب الاستقلال)… فكان الفيلم مانيفستو بصريا لجيل يحاول اقتطاع المعنى من بين فكي الواقع المغلق.
بسبب هذه الحداثة التفكيكية لم تملك السلطة آنذاك سوى مصادرة الشريط ليبقى معتقلا أربعة عقود، قبل أن يرمم في إسبانيا كاعتراف متأخر بقيمة رجل سابق لزمانه.

المفارقة الساخرة أن عنوان “أحداث بلا دلالة” تحول اليوم من تحفة جمالية إلى المنهج العملي الوحيد الذي تدير به الإدارة الثقافية شؤونها، فكل الخطب الطنانة واسترخاص الوعود، والجهل المتوارث بالقامات… من إدريس الخوري إلى محمد السرغيني فمصطفى الدرقاوي… تصب في صناعة مشهد وطني هائل يمكن أن نطلق عليه بسهولة وصف “أحداث بلا دلالة”.
هل نغرق في العبث؟
نعم.. إنها حالة غرق منسق، حين يتحول الجهل بوعي الأمة إلى سلوك إداري. لكن المفارقة الأخيرة التي انتصر فيها الدرقاوي، هي أن فيلمه الممنوع عاش وترسخ في ذاكرة الفن المغربي ورمم رغما عن التهميش، بينما ستبقى تصريحات المسؤولين ومناصبهم مجرد تفاصيل عابرة… وبلا أي دلالة.
