إيطو الزيانية.. ابنة الجبل التي واصلت المقاومة
المختار عنقا الادريسي
بورتريه تأملي في امرأة اختارت أن تكتب اسمها في ذاكرة المقاومة إلى جانب أبيها
[استهلال تأملي]
- إن موضوع المرأة والمقاومة المغربية يعتريه النقص ويكتنفه القصور في معظم الكتابات التاريخية، سواء أكانت مغربية أم أجنبية، ولذلك يستند الكثير من المؤرخين على الروايات الشفهية… الأغاني الشعبية… والأهازيج المحلية، التي تبقى شاهدة على الدور الأساسي والمهم في مقاومة المستعمر عبر كل أرجاء المملكة.
- يعد الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لثورة الملك والشعب خير شاهد على الأدوار الطلائعية التي قامت بها المرأة في معركة الكفاح ضد المستعمر، ومنه نقتطف: [… إن النصر لم يحالف أمتنا إلا لأن نصفها الثاني لم يبق بمعزل عن الكفاح، فقد خاضت أمهاتنا وبناتنا غماره بإيمان صادق وعزم ثابت، لم تنل منه السيطرة والسطوة، ولم يثنه العنف والقسوة، فأسهمن في العراك بالنصيب الموفور، وأبدين من الشجاعة والشهامة والإقدام ما هو معروف ومأثور].
- لم تحظ كل الأسماء العابرة للتاريخ بنفس القدر من الضوء الإعلامي، فهناك أسماء تصير رموزاً، وأخرى تبقى في الظل لا لأنها أقل استحقاقاً، وإنما لأن كتابة تاريخ المقاومة كانت تميل إلى رؤية البطولة من زاوية واحدة، تسلط الضوء على الرجل وتجعله يتقدم إلى واجهة المشهد، بينما تظل المرأة في الخلفية، حتى ولو أنها قد شاركته الخطر بكل درجاته، وتحملت معه كل المشقات، وربما تكون قد انتهت معه إلى المصير نفسه. ومن هنا أجدني ملزماً بالتوقف عند “إيطو الزيانية”، لا لأنها ابنة أحد أشهر رجال المقاومة في الأطلس المتوسط فحسب، وإنما لأنها في اللحظة التي كان يمكن أن تختار فيها النجاة بنفسها، اختارت أن تبقى إلى جانب والدها في مواجهة قوات الاحتلال الفرنسي.
- إن محطة الوقوف التي نحن بصددها هي حكاية امرأة لم تترك لنا مذكرات، ولم تكتب سيرتها بيدها، لكن شهادة منسوبة إلى الزعيم علال الفاسي احتفظت لنا بصورة شديدة الدلالة عنها، جاء فيها: [ابنة القائد موحا أوحمو الزياني التي أصرت على مواصلة القتال إلى جانب أبيها حتى استشهدت معه]. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يحاصرنا – وهو أهم من كل التفاصيل -: ماذا يعني أن تختار امرأة، في لحظة انكسار عسكري ومصير محتوم، أن تبقى إلى جانب قضية آمنت بها؟ وربما يكون الجواب هو أن المقاومة لا تبدأ دائماً من حمل السلاح والمشاركة في الأعمال الجهادية، أو تقديم الدعم والمساندة، وإنما هي نابعة من قرار داخلي بعدم الاستسلام.
أولاً: النشأة والتكوين.. هي ابنة الجبل وابنة المقاومة
نشأت “إيطو” في فضاء الأطلس المتوسط وسط مجتمع كان الجبل فيه يتجاوز صفته الطبيعية أو التضاريسية، لأنه كان موطناً… ذاكرة… مجالاً للحياة. وفي لحظات الاحتلال تحول إلى فضاء للمقاومة والنضال ضد قوات الاحتلال. وفي هذا الوسط نشأت “إيطو” ابنة موحا أوحمو الزياني، أحد أبرز رموز المقاومة المغربية في الأطلس المتوسط. وأعتقد أنه ليس من السهل التطرق إلى تفاصيل طفولتها وتكوينها، لأن المادة التاريخية المتاحة عنها محدودة، ولأن أغلب ما وصلنا عنها جاء من خلال أحاديث متفرقة – هنا وهناك – عن المقاومة النسائية بالأطلس المتوسط، وليس من خلال وثائق شخصية أو شهادات مباشرة كتبتها هي، أو كُتِبَت عنها. غير أن هناك شيئاً واحداً يبدو واضحاً من السياق الذي نشأت فيه: لقد كانت المقاومة حاضرة في كل تفاصيل حياتها اليومية، وكان والدها يعيش قضية المواجهة مع الاستعمار، وكانت الأسرة جزءاً من محيط الاجتماعي تشكلت داخله قيم التضامن والصمود والانتماء إلى الأرض. ومن هنا يمكننا أن نخلص إلى القول بأن الجبل كان مدرستها الأولى، ولا نقصد بالمدرسة هنا ذاك المفهوم المتعارف عليه، فهي ليست حجرات… جدراناً… كتباً، وإنما هي الحياة الجبلية نفسها من خلال معرفة وتعرّف الأرض… تحمل المشاق… الصبر… الخوف… الانتظار… الإيمان بعدالة القضية… والاستعداد لمواجهة المجهول. ولعل هذا النوع من التربية هو الذي يفسر لنا – ولو جزئياً – كيف أمكن لـ”إيطو” أن تتخذ لاحقاً قراراً لا يبدو مفهوماً إلا إذا قُرِئَ في سياقه الثقافي والوطني.
ثانياً: موحا أوحمو الزياني، الأب الذي تحول إلى قضية
للحديث عن “إيطو”، لا بد من فهم العالم الذي صنعته شخصية أبيها، فموحا أوحمو الزياني من أبرز وجوه المقاومة الأطلسية، استمرت مقاومته للقوات الفرنسية سنوات طويلة. وقد نشأت ابنته وهي ترى فيه رجلاً اختار المقاومة في زمن كان الاستسلام فيه قد يبدو للبعض بمثابة الطريق الأقصر للنجاة. فلم تكن “إيطو” مجرد ابنة فخورة بوالدها، وإنما أصبحت، بحسب الشهادة المنسوبة للزعيم علال الفاسي: [فاعلة في آخر مراحل المقاومة إلى جانبه]. وهذا هو الفارق بين أن تكون ابنة رجل مقاوم وأن تصبح – أيضاً – جزءاً من مقاومته ونضاله المستميت ضد قوات الاحتلال الفرنسي.
ثالثاً: “إيطو” في قلب المقاومة
لعل ما يفترض منا التوقف عنده هنا هو تلك اللحظة التي رفضت فيها التراجع، وتأتي أهم شهادة في هذا المنحى هي النص المنسوب إلى علال الفاسي في محاضرته حول “إسهام المرأة في الكفاح الوطني” التي ألقاها بنادي المحامين المصريين سنة 1952 بالقاهرة. وفي المقتطف المتداول منها، يصفها علال الفاسي بأنها: [الآنسة إيطو بنت القائد موحا أوحمو الزياني]. ثم يروي أن موحا أوحمو، بعد سنوات من مقاومة الفرنسيين، واجه آخر معركة، وأن أبناءه تراجعوا امتثالاً لأمره، إلا “إيطو” التي أصرت على الاستمرار في القتال مع والدها حتى استشهدت إلى جانبه. وتكتسي هذه الشهادة – في نظرنا – أهمية خاصة، لأنها أولاً تقدم لنا “إيطو” بوصفها ابنة القائد موحا أوحمو، الأمر الذي يجعل الروايات التي تنسب إليها صفة الزوجة موضع تعارض واضح مع هذه الشهادة. وثانياً أنها لا تقدمها لنا كـمجرد امرأة مرتبطة بالمقاومة عن طريق تقديم المساعدات المتنوعة، وحمل الماء خلف وقرب الرجال لسقي المجاهدين وإسعاف الجرحى وحملهم إلى المخابئ والكهوف ليلاً حتى لا يعثر عليهم العدو، أو استخدام “أزوان” – الشعر والأهازيج الأمازيغية – والزغاريد لتحفيز المقاومين على الصمود ورفع المعنويات، بل تجعل “إيطو” حاضرة في لحظة المواجهة الأخيرة. وبذلك تتحول هذه السيدة من اسم في العائلة إلى شخصية فاعلة في الحدث، اختارت أن تبقى صامدة، ولعلها اللحظة الأساس في قلب سيرتها كلها.
رابعاً: حين يصبح الاختيار عند “إيطو” أكبر من غريزة الحياة
في الحقيقة لا نملك أي وثيقة شخصية تكشف لنا عما كان يدور في وجدانها خلال تلك اللحظة، ولا يجوز لنا أن ننسب إليها أفكاراً لم تسجلها، ومع ذلك نستطيع أن نقرأ فعلها باعتباره الوثيقة الوحيدة التي تركتها وراءها بعد أن اختارت البقاء في ساحة المعركة إلى جانب والدها. ويمكن قراءة قرارها ذلك في أكثر من مستوى، فقد يكون وفاءً منها للأب، كما يمكن أن يكون التزاماً بالقضية، وقد يكون تعبيراً عن الرفض المطلق للاحتلال. وقد تكون هذه المعاني مجتمعة في لحظة واحدة، ولعل الفصل بينها سيكون مصطعاً. ففي وجدان امرأة شابة نشأت في بيت مقاوم، قد يصبح الأب والقضية والوطن أجزاءً متداخلة في معنى واحد. ولهذا فإنها لم تكن في تلك اللحظة قادرة على الاختيار بين أبيها ووطنها، ولعلها كانت ترى أن البقاء إلى جانب أبيها هو نفسه البقاء إلى جانب القضية التي عاش وجماعته من أجلها.
خامساً: معركة الهري والمقاومة الزيانية
لا يمكن لأي مهتم بتاريخ المقاومة الزيانية أن يفهمها من دون استحضار معركة الهري، التي أصبحت واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المقاومة ضد جحافل الاحتلال. وقد أظهرت تلك المعركة قدرة المقاومة الزيانية على إلحاق هزيمة كبيرة بقوات المستعمر، كما كشفت عن أهمية معرفة المجال الجبلي وقدرة المقاتلين الزيانيين على الاستمرار والمناورة. وتنقل إلينا مصادر إلكترونية قولاً منسوباً إلى الجنرال كَيوم، يفسر قوة الزيانيين لا بكثرة عددهم، وإنما بقدرتهم على مواصلة القتال، وما كانوا يتحلون به من بسالة وتماسك وانتظام. كما تنقل عنه وصف الهزيمة الفرنسية بالبالغة الشدة في معركة الهري – وهي قرية تقع على بعد 10 كيلومترات جنوب مدينة خنيفرة في الأطلس المتوسط – التي وقعت يوم الجمعة 13 نوفمبر 1914، وقُتِل فيها قائد الحملة الفرنسية الكومندار “لابيردور” صحبة الكثير من جنوده. وهذه الشهادة تكشف لنا أمراً مهماً: لقد كان العدو نفسه مضطراً إلى الاعتراف بأن المقاومة لم تكن مجرد انفجار عابر، وإنما امتلكت قدرة هائلة على الصمود، وهذا معطى مهم لفهم “إيطو” التي لم تكن تتحرك في فراغ، وإنما داخل ثقافة مقاومة متجذرة، لها رجالها ونساؤها الأشاوش وذاكرتها وشبكاتها الاجتماعية.
وفيما يخص أرقام الهزيمة، نجد أن بعض الكتابات الرقمية تتداول رقماً كبيراً للخسائر الفرنسية قُدِّر بـ 613 قتيلاً من بينهم 33 ضابطاً، وهي معلومة وردت في منشور إلكتروني على الفيسبوك مؤرخ بـ 15 أكتوبر 2021 وموقع باسم السيد المصطفى الحسناوي. غير أن الأمانة المنهجية تقتضي ألا يقدم هذا الرقم باعتباره نهائياً ما لم نصل إلى مصدر يؤكده، ولهذا أضعه في خانة المعلومة المتداولة التي تحتاج إلى توثيق إضافي. علما أن هذا التحفظ لا يقلل من أهمية معركة الهري الخالدة، وإنما يحمي – النص المُعَد – من الخلط بين ما هو موثق وما هو منقول، خاصة وأن كل كتابة رصينة لا تخشى كلمة (الأمر يحتاج إلى تحقيق)، بل إن الاعتراف بحدود المعرفة يبقى جزءاً من الأمانة العلمية التي نتوخاها. وفي هذا الصدد يقول الماريشال كيوم، أحد كبار قادة الجيوش الفرنسية: [… لم يسبق لجيوشنا أن تعرضت لمثل هذا الانهزام في شمال إفريقيا، فقد كان انتصاراً كبيراً للزيانيين (…) وكانت أولى خسائر وانكسارات فرنسا بالمغرب]. ويضيف قائلاً – ما معناه – أن ذاك الانكسار يحمل في طياته: [قوة وتوحيد القبائل الزيانية ضد الخطر الخارجي]. ويمكن أن نشير إلى أن معركة [الهري خلفت أزيد من 400 قتيل مغربي، محجوبة السحاقية وفاظمة رحو الشقيرية (…) في حين دُفِن القتلى المغاربة من 13 إلى 15 نوفمبر 1914]. ويمكن الإشارة هنا كذلك إلى أن أول استعمال للطيران الحربي للمعارك بالمغرب قد تم عند الاحتفال الجماعي بالنصر في معركة الهري عن طريق “أحيدوس”، مما خلف الكثير من الضحايا. وقد حاول المستعمر تحويل الهزيمة إلى انتصار عن طريق الحرب الإعلامية بتصوير الجرائد والبطاقات البريدية، وإذاعة أخبار كل الملتحقين بالقوات الفرنسية بعد سياسة “فرق تسد”.
سادساً: إيطو والمرأة المغربية في المقاومة
تشير إحدى الدراسات الموقعة باسم “محمد السليماني” حول أدوار المرأة وإسهاماتها في مواجهة الاحتلال الأجنبي بمنطقة الأطلس المتوسط إلى أن حضور المرأة لم يكن محصوراً في وظيفة واحدة، بل امتد من التحفيز والدعوة إلى المقاومة ثم إلى المشاركة في بعض المواجهات القتالية. ونشير هنا إلى أن هذه الدراسة تؤكد على ما ذهبنا إليه في البدء، عندما ترى بأن ندرة النصوص التاريخية المتعلقة بالمرأة المقاومة، وانصراف معظم الباحثين إلى الاستناد على الرواية الشفهية، سببها نقص الوثائق. وربما تكون القيمة الأعمق لسيرة “إيطو” تجبرنا على إعادة النظر في الصورة التقليدية للمرأة خلال فترات المقاومة، فإذا نظرنا إلى التاريخ من خلال المعارك العسكرية وحدها، فسوف تظهر المرأة غالباً في الهامش، لكن المقاومة في الواقع هي أوسع من المعركة، إنها أسرة… قبيلة… مجتمع بأكمله يقاوم، وفي جوهر كل ذلك وعمقه توجد المرأة.
غير أن “إيطو” تقدم حالة أكثر وضوحاً: فهي وفق الشهادة المتاحة لم تكتفِ بدور اجتماعي مساعد، وإنما واصلت القتال إلى جانب أبيها إلى أن استشهدت رفقته. ومن هنا جاءت دلالة علال الفاسي حين جعل من قصتها دليلاً على أن المرأة المغربية – عامة – ليست أقل جدارة من الرجل في الاستبسال من أجل العزة والكرامة والدفاع عن الوطن. ومن هنا نخلص – كذلك – إلى أن عبارته تلك لا يمكن أن تفهم في مدح “إيطو” فقط، وإنما في كونها تعكس – بما لا يترك مجالاً للشك – وعياً مبكراً بأن كتابة تاريخ المقاومة يجب ألا تكون كتابة ذكورية. فالمرأة لم تكن تنتظر التاريخ ليمنحها دوراً، لأنها كانت تصنع التاريخ بالفعل، ولو أن الكتابة تأخرت كثيراً في الاعتراف بها.
سابعاً: “إيطو” بين التاريخ والذاكرة
قد نجد أنفسنا أمام إحدى مفارقات الذاكرة الوطنية، فاسم الأب أصبح رمزاً، بينما ظل اسم ابنته أقل حضوراً، وهذا أمر يستحق التأمل. فإذا كان موحا أوحمو واحداً من الأسماء الكبرى في تاريخ المقاومة الزيانية، فإن “إيطو” لم تحظ دائماً بالمكانة نفسها، رغم أن الشهادة المنسوبة إلى علال الفاسي تجعلها حاضرة في آخر لحظات معاركه. وربما يكون السبب جزءاً من الطريقة التي كُتِبَ بها التاريخ، فالمرأة كثيراً ما تظهر بوصفها: ابنة… زوجة… أم… أخت فلان، وكأن الاسم الذي تستحقه لا يبدأ إلا من خلال الرجل الذي تربطها به أواصر العائلة. لكن “إيطو” تستحق أن يُكتَب اسمُها مستقلاً: (إيطو الزيانية)، ثم نضيف للتعريف والتوثيق: (ابنة موحا أوحمو الزياني)، وهذا الترتيب في حد ذاته يحمل دلالة خاصة، إنه يعيد المرأة من موقع “التابع” إلى موقع الشخصية التاريخية ذات الحضور الخاص والمتميز، دون أن يعني ذلك إضافة ما لم تقله الوثائق إلى سيرتها الذاتية، كما لا يروم تحويل كل رواية متداولة عنها إلى حقيقة، وإنما يهدف إلى أن نعطيها حقها في أن تُذكَر بما تجود به الأدلة المتاحة.
ومن هنا تصبح شهادة علال الفاسي ذات قيمة خاصة، فهي كما وصلتنا مبكرة نسبياً – تعود إلى 1952 – تقدم “إيطو” باعتبارها ابنة موحا أوحمو، وتربطها مباشرة بمعاركه. لكننا لم نطلع على أصل المحاضرة، وتعاملنا معها بوصفها نصاً منقولاً ومتداولاً في مصادر إلكترونية، وليس بوصفها مخطوطاً بين أيدينا. وهذا التفريق يبقى ضرورياً، لأن التاريخ يحتاج إلى الذاكرة، لكنه لا يمنحها تلقائياً مرتبة الحقيقة، كما يبقى في حاجة إلى الأدب، ولكن ليس لملء الفراغات التي تتركها الوثائق. وهكذا يمكن أن يكون البورتريه الأدبي – المخصص لها – عميقاً من دون أن يتحول إلى صناعة أسطورة عنها.
ثامناً: إيطو ابنة أبيها أم ابنة قضيتها؟
قد يكون هذا السؤال هو المفتاح الأكثر عمقاً لقراءة سيرتها، والتوقف من أجل التأريخ لها. لقد بدأت حكايتها من الأب، لكنها لم تنته عنده. فلو كانت مجرد ابنة لقائد مقاوم، لما كان اسمها يستحق هذه الوقفة. ولعل ما منحها مكانتها هو أنها في اللحظة الحاسمة اختارت أن تكون فاعلة في المصير الذي اختاره أبوها. ولهذا نقول إن إيطو ورثت عن أبيها شيئاً أعمق من الاسم: ورثت الشجاعة… الموقف… الصبر… المقاومة، فإذا كانت الأنساب تمنح الإنسان اسماً، فإن المواقف تصنع له مكاناً في التاريخ.
ومن هنا بالضبط تتجاوز “إيطو” علاقة الأبوة لتصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية، دون أن تعرف أن اسمها سيظل حياً بعد عقود من استشهادها، بعد أن دفعت الثمن باهظاً، تاركة وراءها سؤالاً لا يزال صالحاً لكل زمن: إلى أي حد يستطيع الإنسان أن يظل وفياً لقضيته عندما يصبح ثمن الوفاء حياته؟ فالسيدة “إيطو” لا تقدم لنا جواباً بالكلمات، وإنما قدمته بالفعل، بعد أن قاومت فكرة الاستسلام. ومن هنا لا ينبغي أن تبقى في الذاكرة باعتبارها مجرد “ابنة موحا أوحمو”، لقد كانت ابنة الجبل وابنة المقاومة، وامرأة اختارت في اللحظة الحاسمة ألا تتراجع. ويبقى أجمل ما يمكن أن تتركه من سيرتها للأجيال الجديدة هو: أن التاريخ لا يصنعه دائماً من يملكون القوة الأكبر، وإنما يصنعه أحياناً أولئك الذين يملكون شجاعة أن يقولوا: لن أتراجع. وستبقى إيطو في ذاكرة المقاومة المغربية أكثر من اسم عابر، فهي امرأة خرجت من الجبل، ووقفت إلى جانب أبيها، ثم غابت جسداً وبقي موقفها شاهداً على أن المرأة المغربية لم تكن يوماً خارج صناعة تاريخ الحرية.
تاسعاً: ما بين الحكاية وأثرها من خلال فيلم “إيطو” الاستعماري
يعتبر هذا الفيلم نموذجا للأفلام الكولونيالية الدعائية التي وظفتها فرنسا لخدمة مصالحها الاستعمارية في المغرب. وهو دراما بالأبيض والأسود مدته 117 دقيقة، من إخراج جان بينوا ليفي وماري إبشتاين – حسب موقع ويكيبيديا – صُنِع خصيصاً في سياق ما أسمته فرنسا بـ”إعادة الهيبة” للجيش الفرنسي وتلميع صورته بعد المقاومة الشرسة التي أبداها الزيانيون في جبال الأطلس. ويعتبر أول فيلم ناطق بالأمازيغية إلى جانب الفرنسية، وقد تم توظيف اللغة المحلية لضمان وصول الرسالة الدعائية لشرائح أوسع وللتقرب من القبائل الأطلسية عبر سياسة “فرق تسد”، كل ذلك خدمة للأجندة الاستعمارية عبر:
- توظيف اسم البطلة إيطو بذكاء أيديولوجي، حيث عمد إلى تجريدها من أبعادها الوطنية وتحويلها إلى أداة دعائية تخدم سردية “التهدئة والتمدين” الفرنسيين.
- محاولة إظهار والد إيطو وهو يطلب من أبنائه الاستسلام للقوات الفرنسية كحل عقلاني لحماية مستقبلهم، هذا في الوقت الذي نجد أن التاريخ يشهد على أن إيطو ووالدها اختارا القتال حتى الموت، الذي حوله الفيلم الاستعماري إلى انتحار عبثي مأساوي ناتج عن التمسك بتقاليد بالية ترفض التقدم الحضاري.
- قدم هذا الفيلم المستعمر الفرنسي على أنه الأب البديل والشرعي الذي سينقذ الأجيال القادمة ويرعاهم تحت راية الحداثة الفرنسية بعد زوال الجيل القديم المتنطع والعاصي.
- تلميع صورة الاحتلال، وإظهار المستعمر في ثوب المنقذ الإنساني والطبيب المداوي، وتصوير القبائل المقاومة على أنها تعيش في “صراعات الداخلية” وأن التدخل العسكري جاء فقط لإحلال السلم والتحضر، وليس للاحتلال وسفك الدماء.
- رصدت فرنسا لهذا الفيلم إمكانات مادية ولوجستية هائلة، وتم تصويره في مواقع حقيقية بجبال الأطلس، واستعانت بمئات الكومبارس من السكان المحليين لإعطاء المعارك طابعاً واقعياً مبهراً يخدم البروبغندا الاستعمارية (حسب ويكيبيديا).
- استند السيناريو إلى ضابط فرنسي كان قد شارك في عمليات التهدئة بالأطلس، فجاءت الأحداث لتبرير العنف الاستعماري الذي تعرض له الزيانيون، وإظهار انتصار الجيش الفرنسي كحتمية تاريخية وأخلاقية تَبَعاً لما ورد في موقع ويكيبيديا.
ملاحظة توثيقية: اعتمدت في هذا الإعداد مجموعة من المستندات منها:
- البربر المغاربة وتهدئة الأطلس المركزي 1912-1933. أوغسطين ليون كيوم. ترجمة وتقديم محمد العروصي. 2016.
- وقافات في تاريخ المغرب، دراسة مهداة إلى الأستاذ إبراهيم بوطالب، منشورات كلية الآداب – الرباط، سلسلة دراسات وبحوث، رقم 27. 2001.
- أدوار المرأة وإسهاماتها في مواجهة الاحتلال الأجنبي، منطقة الأطلس الغربي نموذجاً. محمد سليماني.
- بعض الوثائق من أرشيف المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
- شهادة علال الفاسي، مقتطف من محاضرة “إسهام المرأة في الكفاح الوطني” ألقيت بالقاهرة سنة 1952، وصلتنا عبر مصادر إلكترونية.
- بعض الوثائق المنشورة بموقع الحوار المتمدن، ومنها: “معركة الهري أول انتصار للمغرب على فرنسا خلال فترة الحماية”، جواد التابعي.
- معركة الهري.. نتائج وعِبر. أحمد بيضي، منشور بموقع أنوار بريس (12 فبراير 2019).
