رحمة حموش: أيقونة المقاومة الصامتة من قلب البهاليل

رحمة حموش: أيقونة المقاومة الصامتة من قلب البهاليل

المختار عنقا الادريسي

هامش مدخلي:

       عادة ما يبقى تاريخ المرأة مرتبطاً بتاريخ الرجل فيما يتعلق بالمقاومة، علماً أنهما معا ساهما – كل بطريقته – في صنع أحداث الماضي، غير أن دور المرأة الواضح بالاستنتاج والمنطق – للأسف الشديد – لا يظهر بالشكل الجلي في المادة التاريخية المكتوبة التي يتم الاعتماد عليها بالنسبة للدارسين والمهتمين بشأن المقاومة المغربية. وحتى حينما تسعفنا المصادر ببعض الإشارات عن أدوار مميزة لبعض النساء، فإن ذلك يتم باقتضاب وبدون نفس التركيز الذي يتم عليه تناول أدوار الرجل، رغم أنها حملت السلاح وقدمت التضحيات الجسام والكثير من الأعمال خدمة لحركة المقاومة، من أجل نيل شرف الاستقلال والتخلص من تبعية الاستعمار. فغابت أو غُيبت بطولاتهن وسيرهن عن المناهج الدراسية والكتب المدرسية، ولعله الأمر الذي يدفعنا إلى القول: ألم يحن الوقت للإشادة بجهود النساء المقاومات إنصافاً لهن واعترافاً منا جميعاً – بغض النظر عن مواقع وخانات تواجدنا – بالتضحيات الجسام المقدمة من طرفهن في سبيل تحرير الوطن.

وفي هذا الإطار يأتي توقفنا في هذه المحطة عند إحدى النساء المغربيات المناضلات اللواتي طالهن التهميش والغياب، بعد مضي ما يزيد عن قرن من الزمن على توقيع معاهدة الحماية. لنقول بأن تاريخ المقاومة لا ينبغي أن يختزل في أسماء القادة الذين تصدرت صورهم صفحات الكتب – المدرسية وغيرها – ولا في المعارك التي تخلدها الوثائق الرسمية، لأنه يبقى ممتداً إلى آلاف الوجوه التي اختارت أن تعمل بعيداً عن الأضواء، وأن تجعل من حياتها اليومية جزءاً من مشروع التحرير الوطني.

ونستحضر في هذا التوقف امرأة من بين الوجوه المضيئة، هي ابنة منطقة البهاليل – تبعد عن مدينة صفرو بـ 5 كلم، وعن مدينة فاس بـ 27 كلم – إنها المناضلة “رحمة حموش”، التي لم تحمل رتبة عسكرية، ولم تعتلِ منبراً سياسياً، لكنها حملت في قلبها وطناً بأكمله، وجعلت من بيتها حصناً منيعاً للمقاومة، ومن صمتها سلاحاً لا يقل فتكاتً وفاعلية عن البندقية. ويبقى الحديث عنها – وغيرها من الأيقونات – ليس استعادة لسيرة امرأة فحسب، بل هو استعادة لذاكرة نسائية ظلت زمناً طويلاً حبيسة الظل، رغم أنهن أسهمن في صناعة إحدى أنبل صفحات الكفاح الوطني المغربي.

أولاً: من البهاليل إلى الوعي الوطني (أو حين تصنع البيئة إنسانها)

ولدت رحمة حموش سنة 1906 بدوار الخندق بمنطقة البهاليل، في محيط قروي بسيط حيث كانت الحياة اليومية بمثابة مدرسة في الصبر والاعتماد على النفس والتشبث بالأرض. لم تنل حظاً وافراً من التعليم النظامي كأغلب نساء جيلها، غير أن التجربة الحياتية كانت كفيلة بأن تخلق لديها وعياً عميقاً بقيمة الكرامة والتضحية والانتماء للوطن. وقد أسهم زوجها المقاوم “عبد السلام القندوسي” نقيب الزاوية القندوسية بمدينة صفرو آنذاك، في تعليمها أبجديات المقاومة، فكان يلقنها مبادئ الدفاع عن الوطن والتضحية من أجل الاستقلال، ملحاً على أن المرأة يجب أن تكون مع الرجل في خندق واحد لمواجهة المستعمر. وبعد سنتين من انتقال زوجها إلى دار البقاء، تزوجت من المقاوم المسمى “علي بن محمد” وأكملت إلى جانبه مسيرتها النضالية، بعد أن زرع فيها بذور المقاومة والنضال، ومن ثَمَّ يكون ما تعلمته قد نفذته على أرض الواقع، بعد أن وجدت نفسها تدريجياً داخل فضاءات المقاومة، لا بوصفها متفرجة على الأحداث وإنما باعتبارها شريكاً في تحمل المسؤولية. لقد أدركت منذ البدء أن الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها، وإنما يستهدف كرامة المواطن أيضاً، ولذلك لم يكن الانخراط في المقاومة بالنسبة إليها قراراً عابراً أو لحظياً، بل كان امتداداً طبيعياً لمنظومة القيم التي تربت عليها، القائمة على الوفاء… الإخلاص… التضحية… الشجاعة. ومن هنا بالضبط بدأت رحلتها مع التاريخ، رحلة لم تصنعها الخطب الرنانة، وإنما كونها الإيمان الهادئ بأن الوطن يستحق كل التضحية.

ثانياً: البيت الذي تحول إلى قلعة لبطولة صنعتها المرأة في صمت

حينما أعلنت السلطات الفرنسية على لسان ناطقها الرسمي، أنه تم عزل ملك المغرب محمد الخامس من مهامه ونفيه وعائلته إلى جزيرة كورسيكا، وذلك عن طريق خطاب أذيع في الراديو يوم 20 غشت 1953، الأمر الذي ولد حدثاً مفصلياً سيمهد لإنهاء عمر الاستعمار الفرنسي. وقد استقبل يومها المغاربة خبر نفي الملك بغضب شديد، وزاد من حدته ووطأته بطش المستعمر، ومعه دخلت المقاومة المغربية مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد العمل الفدائي، وأضحت الحاجة ملحة إلى أماكن آمنة لإخفاء الأسلحة وتنظيم اللقاءات السرية. وفي تلك اللحظة الدقيقة بالذات، اتخذت رحمة حموش – المعروفة باسم البهلولية، نسبة لمنطقتها – قراراً استثنائياً تجلى في تحملها المسؤولية المباشرة في فتح بيتها ليصبح مخزناً للأسلحة وملاذاً للمقاومين. ولم يكن الأمر مجرد عمل لوجستي، بل كان إعلاناً صامتاً بأن البيت المغربي قادر هو الآخر على أن يتحول إلى جبهة من جبهات المقاومة.

وهكذا كانت تلبس الجلباب وتلثم وجهها وتمشي بحذر شديد في الأزقة الضيقة وتدخل الفرن التقليدي كجميع النساء لتجلب الخبز، فيمر المقاوم ويضع السلاح في طاولة الخبز “الوصلة” وتحملها بكل هدوء وثبات، بعد أن تتأكد أن السلاح مخفي جيداً، وتخرج إلى بيتها لتخفي السلاح، بعد أن تدسه في وسط أكوام الحطب أو في سلال الغلال الخاصة بالقمح والشعير. كما كانت تحشر الرشاشات والبنادق في ملاحف الصوف، وتحتفظ بها إلى أن يأتي دورها ويطلبها رجال المقاومة لتنفيذ خططهم الفدائية ضد سلطات الاحتلال. كما كانت تستقبل المقاومين وكأنهم ضيوف عاديون، في وقت كانت فيه أعين سلطات الحماية تراقب كل حركة وكل بيت. ولعل أعظم ما يميز تجربتها تلك أنها لم تعتبر نفسها بطلة، ولم تنتظر اعترافاً من أحد، بل كانت ترى أن خدمة الوطن واجب أخلاقي لا يحتاج إلى أي تصفيق. وبذلك تكون قد جسدت نموذجاً للمقاومة الصامتة، تلك المقاومة التي لا يسمع الناس صوتها، ولكنها كثيراً ما تكون الضامن الحقيقي لاستمرار الكفاح.

ثالثاً: رحمة حموش.. حين تصبح الذاكرة مسؤولية وطن

بعد نفي السلطان، قام المغاربة قاطبة بالعديد من العمليات الفدائية ضد سلطات الاحتلال، وهكذا استطاع الحسن البرنوصي – وهو من مقاومي المنطقة – تنفيذ هجوم على ثكنة للجيش الفرنسي بمنطقة سيدي بوسرغين، وتمكن رفقة بعض المقاومين من الظفر بغنائم مهمة من الأسلحة، عمدوا إلى تخزينها بإحدى الإسطبلات بضواحي المدينة، وفي هذه الفترة الحساسة والمفصلية سيبرز – من جديد – دور رحمة حموش ويسطع نجمها بعدما مدت لهم يد المساعدة معلنة استعدادها للتعاون مع المقاومين لإخفاء السلاح في بيتها. وبرباطة جأش قل نظيرها تولت مهمة الحارسة الأمينة للسلاح لسنين عديدة، وحولت منزلها لعقد الاجتماعات السرية بعيداً عن أية مراقبة دون أن يتم اكتشافها.

وقد ظلت كذلك حتى عاد محمد الخامس وعائلته من المنفى وانتزع المغاربة استقلال بلادهم، وقد احتفظت “البهلولية” بما تبقى من الأسلحة بكل أمانة إلى أن تم تسليمها للجهات المسؤولة، دون أن تستثمر ما قامت به من تضحيات للحصول على امتيازات أو مواقع، ودون طلب أي مقابل على طول ليالي الحراسة والترقب، مفضلة العودة إلى حياتها البسيطة وحضن انشغالاتها المنزلية، وكأنها تؤكد أن الوطنية الحقة لا تنتظر أي مقابل. وبقيت كذلك إلى أن رحلت يوم 5 يناير 1988 ودفنت بمسقط رأسها بمنطقة البهاليل قرب مدينة صفرو، تاركة وراءها درساً بليغاً في معنى الالتزام، مفاده أن البطولة ليست دائماً في مواجهة العدو بالسلاح، وإنما قد تكون كذلك في حفظ الأمانة وصون السر والثبات على المبدأ.

واليوم حين نستعيد سيرتها، فإننا لا نستحضرها كمجرد امرأة من جيل المقاومة، وإنما نستحضر قيمة إنسانية كبرى، تؤكد أن بناء الأوطان لا يتم فقط في ساحات المعارك، بل أيضاً من البيوت التي تربي أبناءها على حب الوطن والتضحية من أجله، ومن النساء اللواتي يزرعن في النفوس معنى التضحية دون أن ينتظرن جزاءً ولا شكوراً. ولهذا فإن رحمة حموش تستحق أن تُقرأ باعتبارها واحدة من مؤسسات الذاكرة الوطنية المغربية، لا لأنها قادت جيشاً، بل لأنها حافظت على الروح التي جعلت ذلك الجيش قادراً على الفعل والاستمرار.

خاتمة تأملية

إن سيرة رحمة حموش البهلولية تكشف لنا أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم ولا أولئك الذين احتلت أسماؤهم العناوين الكبرى، بل يكتبه رجال ونساء آمنوا بقضية عادلة، وعاشوا لها ومن أجلها في صمت، ثم غادروا الحياة تاركين آثارهم في ضمير الوطن. فبيت رحمة حموش لم يكن مجرد جدران تؤوي أسرة بسيطة، بل كان رمزاً لمغرب آمن بأن الحرية تبدأ من مسؤولية الفرد، وأن المقاومة ليست ذاك الفعل العسكري فقط، بل هي منظومة من القيم أساسها الشجاعة… الأمانة… الوفاء.

وبذلك يكون أجمل ما تهديه إلينا هذه السيرة وذاك البورتريه هو ضرورة إعادة الاعتبار لدور المرأة المغربية – من مختلف المناطق – في صناعة الاستقلال، ليس بوصفها سنداً للرجل فحسب، وإنما بوصفها شريكاً كاملاً في حمل وتحمل أعباء تحرير الوطن… صنع الأمل… حفظ الذاكرة. وعندما تُنصف رحمة حموش وأمثالها – وهن كثر – فإننا لا ننصف أشخاصاً فقط، بل ننصف حقيقة تاريخية مفادها أن الأوطان العظيمة لا تُبنى إلا بسواعد جميع الأبناء والبنات، وأن البطولة الحقيقية كثيراً ما تختار أن تمشي في صمت، تاركة للأجيال أن تكتشف – بعد حين – أن أعظم تلك الأصوات هي تلك التي لم تكن بحاجة إلى ضجيج.

وقبل الختام أشير إلى حقيقة مفادها أن الكثير من الباحثين يجمعون على أن التاريخ لم ينصف المرأة المغربية في خمسينيات القرن الماضي، وأن ما كُتب عنهن يبقى قليلاً ومشتتاً بين مختلف المصادر، ناهيك على أنه لا يعطي الصورة الحقيقية لما قمن به. وفي هذا الإطار يشير إبراهيم القادري أستاذ التاريخ بكلية الآداب بمكناس، إلى أن المدونات التاريخية المعروفة تحتوي على إشارات ولكنها لا تؤرخ إلا للمرأة التي لعبت أدواراً أساسية في الوسط الأرستقراطي، في حين أنها لاذت بالصمت بالنسبة للمرأة العادية التي تدخل في إطار فئة العامة.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!