الجلاد وابنة الباشا.. عن الابتذال السياسي وزمن “الزيت العنكورية”
عبد الرحيم التوراني
ما العلاقة المترتبة إذن عن لقاء الجرار بالنخلة؟
المعروف في أدبيات الفلاحة والواقع أن النخل الشاهق لا ينبت بحرث الجرارات، ولا تستقيم غراسته تحت حديد الآلات.. لكن المستحيل أضحى خيارا ممكنا وسالكا في مواسم الابتذال السياسي… حين يلتقي ريع العائلات بآثام الماضي، وتتوارى المبادئ ليفسح المجال لعقد الصفقات، ساعتها فقط يتحول الحرث النشاز إلى طقس من فصول التلميع والتسويق السياسي، وتغدو النخلة شجرة يابسة تعلق عليها ذاكرة الضحايا في زمن “الزيوت العنكورية“.

لا معنى لتلك الهالة الباكية التي أحيط بها مشهد استقبال فاطمة الزهراء المنصوري للكوميسير محمود عرشان ونجله عبد الصمد، ضمن مشاورات تشكيل الحكومة.
أصرّ الكوميسير الأب وهو في العقد التاسع من عمره، على التوشّح باللون الأبيض الناصع، جلبابا وعمامة وجوربا وحذاء، كأنه في رحلة لا تتوقف لتبييض سِجل يطفح بالسواد… ولم يكن ينقصه لاستكمال المشهد سوى قفازات بيضاء توهم ببراءته من دماء الضحايا...
وبالمصادفة.. ظهر “البامي” أحمد اخشيشن، ثالث المعاونين للسيدة المنصوري في مشاوراتها، بجلباب تقليدي مغاير اللون، وهو الملاحق بهمس المجالس حول شبهات التورط في اختلاسات البرنامج الاستعجالي للتعليم. هكذا يكتمل المشهد ويغلق القوس على معناه.
كان اللقاء إجراء بروتوكوليا محضا ضمن جدول متزاحم استقبلت فيه أطياف المشهد الحزبي، وطالما أن الكوميسير وابنه يقفان على رأس تنظيم سياسي (الحركة الديمقراطية الاجتماعية) نال من المقاعد النيابية ما ناله تحالف اليسار برمته (8 مقاعد)، فمن الطبيعي أن تفتح لهما أبواب المقر. فلماذا كل هذا الصخب والعويل السياسي؟
إن أشد المعترضين على اللقاء هم من سلالات اليسار والهيئات الحقوقية وبعض ضحايا سنوات الرصاص. لكن غاب عن هؤلاء جميعا أنهم برجمهم المشهد، يمنحون ابنة الباشا طهارة مفترضة، وكأنهم يخشون على ثوبها الناصع من التلوث، في حين أن صورتها السياسية لا تقل قتامة في ميزان التقييم المنصف.
لقد سقط من ذاكرة الغاضبين السؤال الأجدر بالتأمل:
– كيف شرعن المجتمع السياسي وجود هذا التنظيم أساسا؟ كان الأجدر بهم خوض المعركة يوم أنشئ هذا الحزب على يد رجل اقترن اسمه جهارا بتعذيب المعتقلين السياسيين في عهد الحسن الثاني، وورد اسمه صريحا في قوائم الفالتين من العقاب التي وثقتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.. طالما منحته السلطة صك العمل السياسي، فكل الحديث عن طي صفحات الماضي ليس إلا خرافة. يزداد هذا جلاء إذا تذكرنا أن حزب الجرار نفسه، يوم أخرجه إلى الوجود فؤاد عالي الهمة، عجز عن إيجاد مرجعية إيديولوجية تؤطر أسباب نزوله، فلجأ إلى التغطية بتقريرين صادرين عن أجهزة الدولة: تقرير الخمسينية برئاسة المستشار الملكي عبد العزيز مزيان بلفقيه، وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة برئاسة المعتقل السياسي السابق إدريس بنزكري.
كان التقرير الأخير يفترض فيه أن يقطع مع تركة سنوات الرصاص، وقد أوصى بنزكري الدولة، لما تعذر تقديم المسؤولين عن العنف السياسي للمحاكمة، أن تقصيهم من المجال العام وألا تمنحهم فرصة تقلد المناصب الرسمية. لكن الاستثناء كان قاعدتنا.. وكان عرشان تجليه الأبرز.
حدثني مصدر وثيق أن الوزير الأول الراحل عبد الرحمان اليوسفي، حين جمع قادة الأحزاب لتوقيع وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ذكراه الخمسين تحت رعاية الأمم المتحدة ومنظمة أمنيستي، قدم الوثيقة أيضا إلى رئيس حزب النخلة… وقف اليوسفي فوق رأس عرشان كالمسترد لحق منسوب، وقال له بصرامة الآمر: – امضِ.. وقّع… ، وكأنه ينتزع نصرا للضحايا، بينما كان المنتصر الحقيقي هو الكوميسير الجلاد الذي تسلل بسلاسة من زنازين التعذيب وأقبية درب مولاي الشريف إلى صالونات الشأن العام.
أن تستقبل ابنة الباشا الجلاد عرشان، فهو حدث يرتد إلى الابتذال، فمتى كان للمنصوري موقفا يذكر في نصرة حقوق الإنسان أو حتى حقوق المرأة؟ وهي القادمة من أروقة الريع وسلالات المحيط المخزني، والمنخرطة في حزب يعد التوصيف الأقل إيلاما له أنه حزب الفساد…
إذًا وافق شنُّ طبقة، فما الداعي للدهشة؟ وعلى طريقة المقبور القذافي: من أنتم؟…
لكن المثير حقيقة هو محاولات تبييض الصفحة، حيث أصدر حزب النخلة بيانا.. (ويبدو أن الكوميسير اختار رمز النخلة لا لثمارها، بل لأنها تمنح جذعا شاهقا لتعليق الضحايا!)، ادعى البيان أن محمود عرشان كان مجرد موظف أمني أدى واجبه، وزعم آخر أن الكومسير أرغم جريدة “لوموند” الفرنسية على الاعتذار حين رفع ضدها دعوى تشهير وعجزت عن إحضار شهود على اتهاماتها…
وهنا تحضر في الذهن وقائع صريحة لا تقبل التأويل:
الحدث الأول كتبت عنه سابقا في مقال نشرته في موقع “السؤال الآن”، ووصفت لحظته بانتصار الضحية على الجلاد. كنت أرتشف القهوة مع الصديق المناضل الراحل أحمد بنجلون في مقهى دولتشي فيتا خلف فندق باليما المشهور المقابل للبرلمان. فجأة جحظت عينا بنجلون وركزتا في ذهول على رجل دخل المقهى للتو ووقف عند الكونتوار يطلب فنجانا. غاب بنجلون في نظرة متألمة ومفزعة، وما أن التفت ذلك الواقف عند الكونتوار حتى ترك قهوته الساخنة وانسحب هروبا.. وحين استفسرت بنجلون، أفهمني أن هذا الهارب هو الجلاد الذي ذاق على يديه العذاب الأليم، حتى تشققت قدماه وخرج منهما الدود. ولم يكن سوى الكوميسير محمود عرشان.
أما الحدث الثاني فيعود لعام 2002، حين أقدم عرشان على تأسيس منظمة تعنى بحقوق الإنسان، لا أستحضر الآن الاسم الذي كان اختاره لها. جاء هذا التأسيس في ظرفية احتدت فيها مطالب الحركة الحقوقية الوطنية ، وفي مقدمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، بمساءلة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة، وإدراج اسم الكوميسير السابق محمود عرشان ضمن قوائم المطلوبين للمحاسبة. ولمواجهة هذا التضييق الحقوقي وتلميع صورته، أنشأ عرشان هذا الإطار البديل، وعيّن على رأسه محاميا اسمه عبد الرحمان لبدك، نقيب سابق لهيئة المحامين بمدينة خريبكة، قبل أن تطوى هذه الجمعية وتختفي كليا بعد أداء غرضها الظرفي.
في فترة سابقة تعرفت عن قرب على الأستاذ لبدك، الذي كان أيضا من مسيري عصبة من فروع الجامعة الملكية لكرة القدم، إذ جمعني به المخرج المسرحي الراحل عبد القادر البدوي على مائدة غذاء بمطعم “تيفاني” في شارع باريس بالدار البيضاء. لاحقا سيكون لبدك أحد المرشحين لرئاسة جمعية هيئات المحامين بالمغرب في انتخابات عام 2009، كما انتخب مستشارا برلمانيا في مجلس المستشارين عن إقليم خريبكة بألوان حزب الحركة الشعبية، الحزب الأول لعرشان.
أتذكر أنني حضرت الجلسة الافتتاحية لتأسيس تلك الجمعية بصفتي صحفيا، بطلب من محمد السكتاوي، مسؤول فرع منظمة العفو الدولية (أمنيستي) بالمغرب آنذاك. ألقى السكتاوي كلمة أمام الحاضرين أشاد فيها بالمبادرة الحقوقية العرشانية، وهو ما فجّر ضده عاصفة عاتية، إذ احتج شديد الاحتجاج الراحل إبراهام السرفاتي وضحايا آخرون من ضحايا سنوات الرصاص، بل وسافر وفد منهم إلى المقر الرئيسي لمنظمة أمنيستي بلندن لتبليغ التنديد بهذا الانحراف…
أسرّ لي السكتاوي يومها بأن قيادة لندن هي من منحته الضوء الأخضر، فقلت له ناصحا:
– كان أحرى بك ألا تحضر بصفتك التنفيذية كمسؤول أول للفرع، بل كان يجب انتداب ممثل على أدنى مستوى…
وكم كان الذعر والفزع باديين على السكتاوي من حجم الهجوم الذي لم يتوقع حدته وشراسته…
أقيمت تلك الجلسة التأسيسية صباح يوم أحد بفندق الهيلتون (سوفيتيل حاليا) بالعاصمة.. وقبل انطلاق أطوارها، اقتربت من محمود عرشان في بهو الفندق، فأفزعتني نظرات عينيه المترعة بالنفس العدواني، وحركات جسده المتوترة التي لم يستطع الفكاك من قبضتها كجلاد قديم لا تبارحه آثامه.
لم تكن تلك اللقطة نشازا في سيرة الكوميسير، إذ تكرر المشهد ذاته حين التقاه النقابي الصلب محمد نوبير الأموي. مدّ عرشان يده للمصافحة، فاستنكف زعيم الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن ملامسة اليد التي سامته سوء العذاب، ورده بصفعة كلامية مدوية حين صاح في وجهه بتحدٍّ:
– دابا نخرج منك الزيت العنكورية!.
وهي العبارة عينها التي كان الجلاد يجلد بها الأموي إبان استنطاقه في أقبية ودهاليز التعذيب خلال سنوات الرصاص.. فاستدارت العبارة على صاحبها، وطأطأ الجلاد رأسه متراجعا بدحر ووجوم أمام شموخ ضحيته السابقة.
والزيت العنكورية في المخيال الشعبي المغربي تعبير مجازي يضرب لاستخراج الشيء بالقوة القصوى وعصر المستحيل عبر العنف والشدة..
اليوم ومع الارتفاع الفاحش في أسعار زيت الزيتون وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، يبدو أننا سننعم مجانا بتعصير الزيوت العنكورية من أجسادنا المعذبة في عهد أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة…
إنه الزمن العنكوري بامتياز، وقد أطل علينا بكامل هيبته وابتذاله…
