مفهُوم “الأصَالةُ والمعاصَرة” بِمَنْأىَ عن السيّاسة!

مفهُوم “الأصَالةُ والمعاصَرة” بِمَنْأىَ عن السيّاسة!

د. محمّد محمّد الخطّابي

      مفهوم مُصطلحيّ “الأصالة والمعاصرة” كما فسّره لنا أقطابُ الأدب، وفقهاء اللغة، وصناديدُ الفِكر، وفرسانُ الثقافة، والإبداع على مصاطب العِلم، وفى حلقات الدرْس، وما جاء مبثوثاً فى بطون كتب وأسفار المصادر، ومظانّ المراجع التاريخية، والأدب، والنقد، والفكر، والعِرفان.. بعيداً عن السياسة وبمنأى عن أهوالها وويلاتها…

طيب لي بادئ ذي بدء أن ألفت نظر القراء الكرام أنّ هذا المقال لا علاقة، ولا صلة له إطلاقاّ من قريبٍ أو بعيد بالسياسة أو بالأحزاب السياسية من أيّ لونٍ كانت، خاصّة، والبلاد عاشت مؤخراً فى خضمّ أوار، وأتون الحملات الإنتخابية المستعرة للأستحقاقات التي شهدها المغرب فى الثالث والعشرين من شهر سبتمبر الفارط 2026.

حزب “الصّداقة الخالصة”!

ينبغي أن أنهي إلى وطيد علمكم – بهذه المناسبة – بادئ بدء أنني لم أنتمِ قطّ فى حياتي لأيِّ حزبٍ سياسيٍّ فى بلادنا، وإن كانت تربطني صداقات حميميّة متينة مع العديد من الأعضاء، والمنتمين أو المسيّرين أو زعماء بعض هذه الأحزاب الكبرى في بلادنا حيث كنت وما زلت أنشر مقالاتي، ودراساتي بين الفينة والأخرى فى صُحفهم وجرائدهم، ولا أخفي عنكم سرّاً إنْ أنهيتُ إلى علمكم أيضاً أنه قد عُرض عليّ فى العديد من المناسبات الإنتماء إلى بعض هذه الأحزاب منذ سنوات بعيدة خلت إلى يومنا هذا المشهود، حيث زارني بعضُهم لهذه الغاية خلال تأدية مهامّي كملحق صحفي، ومستشار سياسي، وثقافي، ووزير مُفوّض، ثمّ كقنصل عام، وسفير مفوّض وفوق العادة فى بعض مقارّ عملي بقصلياتنا، وسفاراتنا فى مختلف البلدان التي عملتُ بها، ولكنني كنت دائماً أعتذر بلطف للجميع…!

وكنت فى تدوينةٍ سابقة قد أنهيتُ إلى علكم أنَّ الحزبَ الوحيد الذي أتنمي إليه حقيقةً هو (حزب “الصّداقة الخالصة” التي تربطني بكم جميعاً معشر لقراء الكرام والقارئات الكريمات)، ويملأني ذلك فخراً، وزهواً، ونخوةً وإعتزازاً.. وما أكبرَ، وما أعظمَ، وما أوسعَ، وما أشسعَ قاعدة حزبنا الصّلبة التي تغطيّ مختلفَ أنحاء المعمور فى مشارق الأرض ومغاربها، وهي تضمّ تحت فضائها الوريف مختلف الجنسيّات، والأصول، والجذور، والملل، والنّحل، والإثنيات، والأعراق الذين أكنّ لهم وولهنّ جميعاً كلّ المودّة، والتجلّة، والتقدير.

بعد هذه التوطئلة انتقل إلى القول:

كما هو فى علمكم وعلم الجميع أنّ صفوةٌ من النُخبٍ السياسية فى مجتمعنا المغربي أمعنت منذ سنوات بعيدة خلت على إستعمال مُصطلحيْ ”الأصالة والمعاصرة” – المُثقليْن بحمولةٍ وِقْرِيّةٍ، وَسَقيّةٍ هائلة تنوءُ بكاهلِ حامليها حضاريّاً، وتراثيّاً، وروحيّاً، وثقافيّاً، وفكرياً، وتاريخيّاً، وعوائديّاً، وأدبيّاً، وشعريّاً، ولغوياً وسواها – دأب هؤلاء وألئك على إستعمال هاذين المُصطلحين فى صُلب أهوال “السياسة” وويلاتها، التي قد يَنظرُ إليها غيرُ قليلٍ من النّاس بنوعٍ من التلكّؤ، والشّزر، والإزدراء، والإرتياب، فى حين قد ينظر إليها آخرون بقدرٍ باهظٍ من الإعجابِ، والإعتزازِ، والزّهوِ، والفخار..! فكلّ شئٍ يظلُّ نسبياً فى عُرفهم، كما أخبرهم بذلك الأنكل ألبرتْ أنشتاين! وقديماً قال أحدُ العارفين: مَنْ تسيّسّ ولم يتسلّق، فقد أخفقَ، ومَنْ تسلّق ولم يتأنّق فلن يتألّق، كما أنّه مَنْ تفقّه ولم يتصوّف، فقد يتفسّقَ، ومَنْ تصوّف ولم يتفقّه، فقد يتزندقَ، ومَنْ جمعَ بين هذه المعاني، والأماني، والمثاني جميعِهاً فقد تحقّق…! إنّهم هؤلاء وأولئك الذين:

(يُحَيَّوْنَ بَسَّامِـيْنَ طَـوْراً وتـارةً / يُحَيَّوْنَ عَبّاسِيْنَ شُوْسَ الحَواجِبِ) ..!

موضوع سال من أجله مداد غزير فى ثقافتنا، له صلة مباشرة بما يُنعَتُ إصطلاحاً بالثابت والمتحوّل، أوالأثيل والدخيل، أو الأصيل والمعاصر، أو الوافد والتليد، أوالإتّباع والإبداع، فهناك من يتشبّث بالأصول لا يرضى بها أو لها بديلا تحت ذريعة حفظ الهويّة والجذور، وهناك من يعانق كلَّ جديدٍ وافدٍ كَسِمَةٍ وعلامة من سمات أو علامات الإنفتاح، والتطوّر، والحداثة، والعصرنة، بمعانيها الواسعة، وهناك من يحاول الجمع، أوالتقريب بين هاذين التيارين الذين يبدوان للوهلة الأولى وكأنّهما يقومان على طرفي نقيض.

وينطبق هذا على مختلف مجالات الفكر، والثقافة، والآداب، والعلوم، والشّعر، والشريعة، واللغة ومعظم المجالات، والمفاهيم، والسلوكيّات التي أضحت تتحكّم فى حياتنا العصرية، فمصطلح “الثابت” معناه الرّسخ أوالرّاسخ، أو القارّ والمستقرّ، ومعناه الديمومة، والإستمرارية، والملازمة، والمكوث، والبقاء، وجاء فى مُحكم التنزيل: (كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)، وأمّا مصطلح “المتحوّل”، أو المتغير، أو المتحرّك، أو المتنقّل فمعناه التحوّل، والتبدّل، والتغيير، أو التغيّر، وجاء هذا المعنى فى القرآن الكريم: (إنّ الله لا يغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسِهم).

بين مفهوميْ الثّابت والمُتحرّك

الثابت والمتحوّل، يفضيان إذن إلى ما يُعرف بالاصالة والمعاصرة، أو بالقديم والحديث، أوبالمطلق والنسبي، أو بالموروث والحداثة. ويؤكد غير قليل من الباحثين أنّ الجدلية بين ثقافة المجتمع وقيمه لا يمكن أن تنفصم، وكلّ ثقافة لا تنطلق من قيم المجتمع السائدة فيه هي ثقافة منبوذة، وعليه فإنّ أيَّ مجتمعٍ أيّاً كان لا يمكنه أن يتأقلم مع ثقافات أجنبية دخيلة أو وافدة عليه تتنافى أو تتجافى مع القيم الأصيلة لهذه المجتمعات أو هذه الثقافات.

وليس معنى التشبّث بالثقافة الأصلية إهمال ثقافة الآخر، وعدم الاطلاع عليها والإفادة منها، بل إنها تعني العودة إلى الأصول، والإغتراف من الينابيع الأولى أيّ الرجوع إلى (الأصل أو الأثل) بمعناهما الواسع، مع ضمان المرونة والإنفتاح.

وما فتئنا نشهد معاركَ كلامية ساخنة، ولا أقول طاحنة إلى يومنا هذا بين مُسمّيات، ومُصطلحات لغوية متعددة ولكنها تصبّ فى آخر المطاف فى معنىً واحد، وهي طالما وردت وكرّرت وإنثالت على ألسن مختلف الدّارسين فى مختلف ربوع وأصقاع العالم العربي والإسلامي المترامي الأطراف، مثل مصطلحات من باب (التقليد والتجديد، والأصيل والدخيل، والمحافظة والتحديث، والجمود، والجموح، والتحرّر، والإنعتاق، والرجعية والتقدمية، والأنا والآخر، والقيد والإنطلاق، والإنسية والإستلاب، والوافد والتالد، والمحليّ والعالمي، والقديم والجديد، والتراث والحداثة..إلخ).

ويؤكّد الناقدان الانجيزيان ”ريتشارد وأوغدن” Ogden and Richards فى كتابيْهما الذائع الصّيت ”فى معنى المعنى” The Meaning of Meaning أنّ الثقافة مثل اللغة (مخلوقٌ حيٌّ يدبّ على قدميْن)، وهي ليست جامدة، أو هامدة بل إنها فى تبدّل وتطوّر دائميْن، وهي فى نموّ مطّرد، وتغيّر متواصل. وإلقاء نظرة على تاريخنا وثقافتنا ولغتنا فى مختلف العصور يؤكّد لنا مصداق هذا القول، فالإنفتاح الذي طبع ثقافتنا هو الذي كفل لها الغنى والثراء، والإستمرارية، والتطوّر الذين تتميّز بهما اليوم، متشبّثة بماضيها التليد، وقائمة على حاضرها العتيد، ومنفتحة على غدها الواعد.

كلمة ¨أدب” وتطوّرها عبر العصور

فلنتوقّف قليلاً فى هذا المجال عند كلمة ”الأدب” بالذّات على سبيل المثال وليس الحصر كنموذج للتطوّر واالتحوّل اللذين تشهدهما اللغة نفسها، والكلمات والألفاظ التي تتالّف منها، فقد صار معنى كلمة ”الأدب” يكتسب فى كلّ عصر مفاهيم جديدة لم يكن يعنيها من قبل، وهي من المصطلحات التي دارت حولها مناقشات عدّة. هذا ما أكّده لنا جهابذة الدارسين، والمدرّسين للأدب العربي، والنقد الأدبي بشكل مباشر فى حلقات الدّرس الذي كنّا نختلف إليها بكلية الآداب بجامعة عين شمس بالقاهرةّ أمثال الدكاترة مصطفى الشكعة، وعبد القادر القطّ، وعزّ الدّين إسماعيل، ومصطفى ناصف، ولطفي عبد البديع وسواهم، من تلامذة تلاميذ طه حسين رحمه الله.

فهذه الكلمة “أدب” عرفت عدّة مراحل أو أطوار لغوية، ففي الجاهلية إستعملت في كلامهم شعرًا ونثرًا بمعنى الدعوة إلى الطعام، ويستدلّ المؤرخون القدماء على ذلك بقول الشاعر المنكود الطالع، المأسوف على شبابه “طرفة بن العبد”:

نحن في المشاةِ نَدْعُو الجَفَلَى / لاتــرى الآدِب فينا يَنْتَقِر

(إنك لا ترى الدّاعي فينا إلى الطعام يخصّ شخصاً دون آخر)، ومنها اشتقوا كلمة (أدٌب – يأدٌب) بمعنى أعدّ أو صنع طعامًا، كما إشتقّت منها كلمة (المأدبة) جمع مآدب وهي الوليمة، أو الولائم.

وقد تحوّل هذا المعنى إلى قياس، فالضّيف أو الآدب إلى المأدبة غالبا ما يتّسم بأدب، وحشمة، وخجل، وخلق، والغريب أنّه فى لغة أو أمازيغية سكّان منطقة ”كتامة” وضواحيها وأرباضها (الواقعة على الطريق الجبلية القديمة الرّابطة بين مدينتي تطوان والحسيمة) حيث توجد ثاني أعلى قمّة فى المغرب وهو جبل ”تدغين” بعد توبقال، يُسمِّي بعضُهم الضيوفَ بهذا المعنى أيّ ”الخجولون”! فيقولون على سبيل الدعابة والمزاح: (إمْحَاشمَنْ ينقّين أوزرطيط) أيّ (الضيوف يقتلهم البّرد)..! وهي منطقة معروفة بالبرد الشديد القارص الزّمهرير خلال فصل الشتاء على وجه الخصوص، ويقال عند أهل الرّيف فى هذا الصّدد بنفس المعنى: ”إنبجيونْ إنقّين أصمّيض”.

وهناك أبيات طريفة فى سياق آخرعن الضيف للصّوفي الشهير الحسين ابن منصور الحلاّج يقول فيها: نديمي غيرُ منسـوبٍ / إلى شـيءٍ من الحيفِ سقاني مثلما يشــــرب / كفعل الضيفِ بالضيفِ فلـــما دارت الكــأسُ / دعا بالنّطعِ والســّــــيفِ كذا مَنْ يشربُ الرّاحَ / مع التنّين في الصّـــــيفِ

ولقد استعمل الرّسول الكريم كلمة “أدب” فيما بعد فقال: ”أدّبني ربّي فأحسن تأديبي”. ثم إستعملت فى العصر الأموي بالمعنى الخلقي والتهذيبي، إلا ّأنه أضيف لها معنى تعليمي، فـ”المؤدّبون” كانوا يعلّمون أبناءَ الخلفاء مختلف العلوم، والمعارف، والآداب، والأخبار. ثمّ أصبحت هذه الكلمة تعني (العِلم) الذي كان يطلق إبّانئذٍ غالباً على العلوم الدينية والفقهية إلخ، وقيل: ”كلّ إناء يضيق بما فيه، إلاّ إناء العِلم فإنه يزداد إتّساعاً”، ويُقال: مَنهُومَان لا يشبعان: طالبُ علمٍ وطالبُ مال.!

وكان التعليم الأدبي فى العصر العبّاسي قائماً على الحفظ، والإجترار، والعنعنة، والرّواية، والنّسب، والشّعر، واللغة، ونحوها، فأطلقت على كلّ هذه العلوم، قال صاحب ”المقدّمة” ابن خلدون: ”الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كلّ علم بطرف”.

ثمّ صارت الآداب تطلق على فنون المنادمة وأصولها، إذ كانوا يعتبرون معرفة النغم، والأغاني، والسّماع من أرقى وأرقّ فنون الآداب، ثم إنفرد لفظ الأدباء بالشّعراء والكتّاب. ثم أصبح الأدب يرادف لفظ الثقافة، فالعلوم، والمعارف، والإنسانيات، والإجتماعيات، واللّسنيات، والفنون الجميلة كالموسيقى، والرّسم، والتصوير، والشعر، ومختلف مجالات الإبداع، تدخل في باب الأدب بمعناه العام والواسع اليوم.

اللّغات الأصلية والهويّات والأعراق

كنت قد نبّهت فى عدّة مقالات سابقة فى هذا المنبرالاعلامي الرّصين وفى سواّه أنّ الدّفاع عن جذورنا، وأصولنا، وعن أصالتنا، وهويّتنا، وكياننا، أوإنفتاحنا، وتطوّرنا، لا ينبغي أن يثنينا، أو ينسينا، أو يقصينا، أو يبعدنا عن العناية، والإهتمام، والنّهوض، والدّفاع كذلك بشكل متوازعن عناصرهامّة، ورئيسية أخرى فى المكوّنات الأساسية، والأصلية، والأصيلة للهويّات، والإثنيات، والأعراق الوطنية الأخرى فى رقعتنا الجغرافية، وفى مختلف أنحاء المعمور.

ففى حالة البلدان المغاربية على سبيل المثال، فإنّ اللغات الأمازيغية التي تعتبر من المكوّنات الأصليّة كذلك فى نسيجها الإجتماعي قد تعايشت جنباً إلى جنب مع لغة الضّاد فى تآخٍ، وتكاملٍ، وتناغمٍ وتلاحمٍ منذ وصول أو دخول الإسلام إلى هذه الرّبوع والأصقاع، والتأثّر والتأثير المتبادل ببينهما، فى مجتمعات إتّسمت بإستمرار بالعدّد، والتنوّع، والمرونة والإنفتاح، ليس على لغاتها ولهجاتها الأصلية المتوارثة وحسب، بل وحتى على اللغات الأجنبية الأخرى الدخيلة كالفرنسية، والإسبانية، والإنجليزية، والإيطالية، والبرتغالية وسواها.

وحسبي أن أشير فى هذا الصّدد إلى التعايش الذي كان قائماً بين هذه اللغات برمّتها، والذي لم يمنع أبداً فى أن يكون هناك علماء أجلاّء، وفقهاء جهابذة، وشعراء أفذاذ، فى هذه اللغة أو تلك من مختلف جهات ومناطق هذه البلدان، وكان “المواطن من أصل عربيّ” فى هذا السياق يفتخر ويتباهى بنخوة وشجاعة وأرومة إخوانه من البربر الأمازيغ، والعكس صحيح، قال قائلهم فى هذا الصدد متباهياً بجذرهم العريق: (وأصبحَ البِرُّ من تكرارهِ علماً / على الخير والنّبل والمكرمات). فالبِرّ (بكسر الباء) الذي يعني الخير والإحسان إذا كُرِّر مرّتيْن أصبح (بِرّبِرّ) أي البربر!

وأعيد إلى الأذهان فى هذا المقام قولَ شاعرٍ آخر من “الرّيف” الوريف ينشد متحسّراً ومتألّماً على حاضرته التي إندرست، وإندثرت، وتلاشت، وإمّحت، وزالت، وبادت بعد التعايش الزّاهر، والإزدهار المتألّق اللذيْن عرفتهما مدينته من قبل، مستعملاً ثلاث لغات فى بيتٍ واحدٍ من الشّعر، وهي اللغات: (العربيّة، والرّيفيّة، والسّودانية)، وهو خير دليل على توفّرعناصر التثاقف، والمثاقفة، والتمازج، والتعدّدية والإنفتاح التي كانت سائدة فى ذلك الإبّان فقال:

(أثادّرث إينُو مَانيِ العلومُ التي دَكَمْ / قد إندرستْ حقّاً وصارتْ إلى يَرْكَا) .

وقيل إنّ الكلمة الأخيرة الواردة فى هذا البيت وهي ”يَرْكَا” تعني باللغة السّودانية الله، وبذلك يكون معنى البيت: (أيَا دارِي أينَ العلومُ التي كانت فيك.. قد إندرست حقّا وصارت إلى الله)، ويذكّرنا هذا البيت ببيتٍ آخرشهير للبيد ابن ربيعة العامري الذي يقول فيه:

ألاَ كلُّ شئٍ مَا خَلاَ اللهَ باطلُ / وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ .

“الأصالة”: تقتضي الإعتزاز بالإنتماء، والتشبّث بالأصول، والتعلّق بالجذور، والتراث، والعودة إلى الينابيع الأولى، فالشجرة الكبيرة أو الدّوحة العظمى الضاربة جذورها فى عمق الثرى لا يمكنها أن تقتلع من مكانها، وفى حال القيام بذلك تتعرّض للخطر، والموت، والهلاك، والتّوى.. وربّما لهذا يُقال إنّ ”الأشجار تموت واقفة“…! وكذلك قولهم: (أخي إستقمْ فالشّجرُ ينمُو جِذعُه مستقيماً.. إذا إلتوىَ حاقَ به التّوىَ).

و”المعاصرة”: تعني إستساغة وهضم، وقضم، وفهم، والتقبّل، والإنفتاح على مستجدّات العصر، ومخترعاته، ومعطياته، ومستحدثاته، ومتغيّراته، ومعايشاته، أيّ المواءمة، أوالجمع، والتأليف، والتوليف، والموازنة، والمعانقة والمقاربة بين إرث ثقافي تليد (أصيل)، وبين حاضر حدثيّ عتيد (معاصر) بشكلٍ قريبٍ جدّاً من ”الكيّاسة”، وبعيداً بعيداً جدّاً عن ”السّياسة”..!

إذن.. نعود لنذكّر والذكرى تنفع المؤمنين.. ما جاء فى مستهلّ هذا المقال وهو أنّ صفوةً من نُخبٍ فى مجتمعنا المغربي أمعنت فى أيّامنا على إستعمال مُصطلحيْ ”الأصالة والمعاصرة” – المُثقليْن بحمولةٍ وِقْرِيّةٍ، وَسَقيّةٍ هائلة تنوءُ بكاهلِ حامليها حضاريّاً، وتراثيّاً، وروحيّاً، وثقافيّاً، وفكرياً، وتاريخيّاً، وعوائديّاً، وأدبيّاً، وشعريّاً، ولغوياً وسواها – دأب هؤلاء وألئك على إستعمال هاذين المُصطلحين فى صُلب أهوال “السياسة” وويلاتها، التي قد يَنظرُ إليها غيرُ قليلٍ من النّاس بنوعٍ من التلكّؤ، والشّزر، والإزدراء، والإرتياب، فى حين قد ينظر إليها آخرون بقدرٍ باهظٍ من الإعجابِ، والإعتزازِ، والزّهوِ، والفخار..! فكلّ شئٍ يظلُّ نسبياً فى عُرفهم، كما أخبرهم بذلك الأنكل ألبرتْ أنشتاين!

وقديماً قال أحدُ العارفين: مَنْ تسيّسّ ولم يتسلّق، فقد أخفقَ، ومَنْ تسلّق ولم يتأنّق فلن يتألّق، كما أنّه مَنْ تفقّه ولم يتصوّف، فقد يتفسّقَ، ومَنْ تصوّف ولم يتفقّه، فقد يتزندقَ، ومَنْ جمعَ بين هذه المعاني، والأماني، والمثاني جميعِهاً فقد تحقّق…! إنّهم هؤلاء وأولئك الذين:

(يُحَيَّوْنَ بَسَّامِـيْنَ طَـوْراً وتـارةً / يُحَيَّوْنَ عَبّاسِيْنَ شُوْسَ الحَواجِبِ) .!

وقديماً قال الشّاعر مُحقّاً:

دعنيِ والفخارَ بعزِّ قومٍ / ذهبَ الزّمنُ القديمُ بهمْ جميدَا وشرُّ العالمينَ ذوو خمولٍ / إذا فاخرتَهم ذكرُوا الجُدودَا وخيرُ النّاس ذو حَسَبٍ قديمٍ / أقامَ لنفسِه حَسَباً جَدِيدَا.

* تحريراً فى “Torremolinos برج الطواحين “مالقة” فى الثاني من شهر اكتوبر 2026.

شارك هذا الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!