الرقص على إيقاع الفساد والمستقبل المجهول

الرقص على إيقاع الفساد والمستقبل المجهول

عبد الرحيم التوراني

           كغيري من المغاربة وصلتني على تطبيق الواتساب مقاطع مصورة تحمل الشريط الشهير ذاته: مدام فاطمة الزهراء المنصوري عمدة مدينة مراكش، وزيرة السكنى وسياسة المدينة، والمنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الجرار، وهي ترقص على إيقاعات الأهازيج الشعبية الحارة، وتحتفل وسط الأهل والمريدين في إقامتها الباذخة بعاصمة النخيل.

في مستهل الشريط تطل فرقة نسائية من “اللّعابات”.. وفعلا لقد فازت السيدة الوزيرة في ما يصطلح عليه باللعبة الديمقراطية. غير أن تفصيلا بائسا فات صانعي هذا الكرنفال السياسي.. إذ ظهرت “اللّعابات” وهن يمسكن البنادير ويلبسن الأصفر الفاقع… وهو بحسب الأعراف السياسية والكروية بالمغرب، لون حزب الحركة الشعبية ولون نادي المغرب الفاسي…

كيف يسهو بروتوكول الاحتفال عن التوصية باللون الأزرق الممثل لهوية التراكتور؟ أم أن خيوط التحالف الحكومي واقتسام الغنائم تداخلت حتى عميت الألوان في متجر الأزياء؟

 يزداد العجب حين نتذكر أن الأصفر يختزل في الوجدان الإنساني دلالات الخيانة والنفاق والأنانية والنحس والموت، ناهيك عن فوبيا الأصفر التي تطبق على الأنفاس وتذكي التوتر والاضطراب العصبي…

كانت الحناجر حولها تصرخ بإيقاع زفافي تعالت صيحاته: “وااا فاطمة.. وااا المرضية…”، وهو الهتاف الذي يلعلع عادة في الأعراس التقليدية حين يتأكد الحضور من عذرية العروس، فيشفعونها بـ: “سِيد الرجال دِّيتيه انتِيا”.. و”هكدا يكونو بنات الرجال المحضية”..

ولن ندخل هنا في متاهات التأويل السياسي لنشرح مفهوم العذرية الحزبية، ولا من يكون سِيد الرجال أو سيد الأحزاب في هذه النازلة، حتى لا يذهب بنا القول إلى مضايق لا نبتغي خوضها، فقد يمضي بنا الكلام إلى كواليس تجعل من العذرية السياسية نكتة سمجة…

لكن لنواصل تصفح هذا الشريط الباذخ..

كانت السيدة المنصوري ترقص وهي من دون نظارات طبية، ترتدي قميصا يتماهى لونه مع الجلباب الذي استقبلها به عاهل البلاد لحظة التعيين الحكومي. غير أن الوزيرة التي ظهرت في الاستقبال الملكي بشعر مجموع ومشدود على طريقة “كوب غارصون” الرجالية، أطلقت في حفلها المنزلي العنان لشعرها ولجسدها معا، ليترقرق على إيقاع التمايل أمام الحاضرين. وكان من بين من راقصتهم زوجها الثاني، وهو للمصادفة ابن عم الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار البركة…

هكذا إذن تظل البركة حاضرة ودائمة الدوران بين العائلات النافذة والمسيطرة في البلاد، تماما كما وثق ذلك الباحث الأمريكي جون واتربري قبل أكثر من نصف قرن في كتابه الشهير “الملكية والنخبة السياسية في المغرب”.

 ولا بأس من التذكير على هامش هذا العقد الميمون، بأن الزوج المبارك (نبيل البركة) تلاحقه هو الآخر شبهات فساد في منطقته بالشمال، ليلتقي الشمال بالجنوب وتكتمل اللوحة السياسية التي على البال…

أما اللقطة الأكثر إثارة للدهشة والاستغراب في هذا المقطع المسرب من قصر بنت الباشا، فهي تلك التي ظهر فيها بعض الحضور وهم ينثرون الأوراق المالية من فئة 200 درهم الزرقاء، ويلصقونها بنحر السيدة الوزيرة، في إعادة إنتاج صريحة لمشاهد التعلاق التي تحظى بها الشيخات في الأعراس والحفلات الشعبية…

لعلها إرهاصات إعادة اعتبار للشيخات دشنت بها السيدة المنسقة ولايتها التنفيذية.. فما دامت الشيخات نساء، وهي امرأة تعتقد أن اختيارها جاء انتصارا لتأثيث المشهد بالنصف الآخر، ولتكون أول امرأة تحظى بهذا السبق في تاريخ المملكة، فقد كان لا بد من هذا الاستعراض الفلكلوري…

هكذا أريد للناس أن يفهموا الأمر، وكأن المعنية بالأمر قضت زهرة شبابها تناضل في صفوف الحركة النسائية والمنظمات والهيئات الحقوقية، بينما هي تنتمي لحزب يتصدر المشهد بأباطرة الفساد وتجار المخدرات من عيار كوماندو إسكوبار الصحراء، ناهيك عن نهاب المال العام، والفراقشية ومروجي عفونة الفروماج الفاسد.. أولئك الذين أدانت المحاكم بعضهم، وسُلّ آخرون منهم كما تُسل الشعرة من العجين، ويبدو أنهم سيسلون مجددا في ظلال هذه الولاية المباركة… وسنسمعهم يرددون لهم ولها دعاء “اللهم بارك وزد في ذلك”…

لقد كان الفيديو المسرّب مهزلة بجميع المقاييس، وعنوانا صارخا لابتذال العمل السياسي وهوان الفاعلين في المشهد العام، وإشارة مبكرة لما سيكون عليه تدبير الشأن العام…

فانتظروا معنا إذن إبداعات الكواليس..

لقد نجحت الأجهزة إلى حد ما في إشغال الرأي العام بمسألة “النوع” أو “الجندر” (وتلك مفردة تجعلنا نتساءل بسخرية تهكمية عن صلتها بـ “الجندر..مة” أو الدرك السياسي)، وذلك لتحويل وجهة النقاش من التنديد بفساد الانتخابات وشراء الذمم والصيكان المحشوة بأوراق الاقتراع الحرام التي اكتظت بها مقطورات التراكتور، إلى التغني الزائف بدخول المغرب عصر الحداثة والتمكين السياسي، لمجرد تنصيب امرأة على رأس الجهاز الحكومي…

إن المشهد السياسي البرجوازي اليوم لا يختلف كثيرا عن حلبة تنتهي فيها نشوة الفرح الانتخابي ليبدأ الواقع الخشن. ساعتها لن يكون كل هذا الرقص سوى تجل صارخ لـ “الرقص مع الذئاب”.. ذلك النوع من الرقص السوريالي الذي ما أن تتوقف إيقاعاته وتخبو أضواؤه، حتى تنجلي الساحة السياسية والاجتماعية عن بقايا افتراس، وعن أزمات معيشية طاحنة يكتوي بنارها المواطن البسيط، بعد أن ينفض السامر ويذهب الرعاة بالغنيمة…

***

وكما التقطت شاشات الهواتف هذا الفيديو المثير للجدل، تهاطلت معطيات وتعليقات الأصدقاء، والتي تتصل جميعها ببؤرة واحدة: الانحدار الناعم نحو الابتذال السياسي، وتكريس خيار التمييع كمنهج في إدارة الشأن العام.

من بين تلك الانطباعات توقفت عند تسجيل صوتي باعث على التأمل بعثه لي صديق رسام كاريكاتور، تساءل فيه باستنكار يشوبه الشفق على مآلات السياسة..

ألم يكن حريا بهذه المسؤولية العمومية أن تستحضر أولا حجم الأمانة المقيدة في عنقها؟ وما ينتظرها من معارك تشريعية وتنفيذية لا تحتمل الخفة؟

 ألم يكن أحرى بها أن تمثل أمام مخيلتها نبيلة منيب ورفاقها بالبرلمان، وأن تتذكر شراسة المعارضة المرتقبة من إخوان بنكيران، ليكون ذلك أرقا يصونها عن النوم بدل استعراضات الرقص والطرب؟

وإن كان للابتهاج والترويح من بد، فما كان أليق بها إلا أن تخلو بنفسها في إحدى القاعات المنسية لإقامتها الباذخة، ولترقص هناك أمام المرآة بعيدا عن العدسات، قبل أن تجبرها المعارضة السياسية المرتقبة على مواجهة حقيقتها في مرآة الواقع الخشن…

ختاما.. والمؤسف أن نضطر للتأكيد على البديهيات.. لسنا في وارد الاعتراض على حضور المرأة المغربية في المشهد السياسي أو تبوئها أرفع المناصب التنفيذية.. ولا ينطوي هذا النقد على أدنى موقف فئوي أو جندري كما قد يتوهم قاصرو الفهم، بل إن بوصلتنا الناظمة كانت وستبقى معلنة بلا تدليس.. ضد الفساد، ضد التطبيع، وضد إشاعة المنكر السياسي.

واللهم إن هذا منكر نرفضه، نجهر به باللسان ونستنكره بالقلب، وذلك أضعف الإيمان.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!