ذاكرة اللعب والرمز: استعادة افتراضية لسيرة الراحلة زبيدة بورحيل
د. لطيفة حليم
اللعب عند الطفلة زبيدة بورحيل يشكل نظاما من العلامات والرموز، يهدف إلى لذة الجسد، ويعتمد على الحركة والسرعة والتمرد، في تمظهر قد يبدو بسيطا لكن فيه قوة شبيهة بقوة الكتابة التي تواجهها خوفا من الرقابة والشرطة التي تلاحقها… “شرطي يحدثها وشرطي آخر يراقبهما…” (قصة: الفندق الفخم، نشرت القصة في مجلة “معكم” 2021، مجلة إلكترونية). “رجال الشرطة” (قصة: نقطة الحدود، نشرت في مجلة “معكم” – 2021).
لا نجد في اللعب عند الكاتبة بورحيل قطيعة بين الحرف المتحرك فوق سطح الورق وهي شابة، والجسد المتحرك فوق سطح الأرض وهي صبية؛ كلاهما يخفقان ويخلقان نصا حيا متكاملا تحكمه السلطة، مثلما تحكم فواصل الخطوط داخل المربعات، فتشعر الصبية بالخوف وتحاذر أن تلامس الخط الفاصل، الذي يرمز إلى التمرد على الواقع المتعارف عليه عند صبية تتحدى فضاء الداخل – البيت – وتتمرد، لتعرض نشاطاً حركياً له دلالة سيميائية.
الصبية زبيدة تخاف أن تقترب من الخط الفاصل بين المربعات، تنط بجد ونباهة لتتفوق على السلطة التي يمارسها الخط الفاصل، والذي شَرَّطَتْهُ بَيْدِهَا وخلقت منه نظاماً له علاقات متراصة قصد المغامرة الشبيهة بالكتابة، غرضها الانتصار على الذات.
زرتُ صباح اليوم الأول من شهر رمضان دار الأستاذة زبيدة بورحيل بمدينة فينيكس ولاية أريزونا، لغرض استرجاع ألعاب الطفولة بالمدينة التي تقطن بها: القنيطرة، هذه المدينة الحديثة العهد التي شهد تشييدها المارشال ليوطي (Lyautey).
صادفتها تلعب بحي “فال فلوري” (Val Fleuri) مع زمرة من الصبايا لعبة “تكشبيلة” زمن الحماية الفرنسية؛ صبية عمرها أحد عشر سنة، لا معرفة لها بماضي “تلك إشبيلية”، تعيش الحاضر: “تِلْكَ قُنَيْطِرَة”. تغيّر اللعب مثلما تغيّر ضفيرتيها إلى ضفيرة واحدة تسويها إلى الأمام، تنفلت من بين قريناتها بعد فوزها بلعبة “تلك قنيطرة”، لم تسقط على الأرض، سقطت “تلك إشبيلية”. تلتحق بالصبايا يلعبن “غمايضة”، وقد غطت إحداهن عِصابةً محكمة على عينيها حتى لا ينسل ضوء الظهيرة، تضرب على كتف إحداهن وتهرب.
تفترش الأرض لتلعب لعبة “المالة”، تنفض لباسها من أثر التراب، تسرع إلى لعبة القفز فوق الحبل ومنها إلى كرة اليد. تجرب جميع الألعاب إلى أن تستقر على لعبة “شريطة” – تِكْ تِيكَا -، عرفت ببراعتها في اختيار قطعة أرض مستوية بطحاء خالية من الأحجار. تشرط بقطعة الفحم رسم مربعات، تنصرف عن الرسم بالفحم وتهتدي إلى النحت بالبيكار، تنحت مربعات بعناية فائقة حتى لا يمحوها خطو المارة ولا يغسلها هطول الأمطار، وكأنها النحات “فريد بلكاهية”. مربعان أعلى، تحتهما ثلاثة مربعات في الوسط بنفس الحجم.
ذكاء الصبية يكمن في اختيار “شقيفة” ملساء نظيفة، تقبلها، تذكر الله وتترجى البركة وترمي بها على الأرض داخل المربع. تربطها بقطعة الشقيفة علاقة حميمية وكأنها كنز ثمين، فهي تحت وسادتها ليلاً وداخل محفظتها نهاراً. الوسيط الفاعل في اللعبة هو القفز، وهذا يستدعي منها انتباهاً حاداً في حَطِّ قدمها اليمنى عند القفز فوق الأرض وترك بصمة قدمها داخل المربع، وترفعها بسرعة برجل واحدة دون المساس بالخط الفاصل بين المربعات وإلا أُقصِيَت من اللعب، لتنتقل إلى مربع آخر…
حصل مرة أن قدم معلم الحساب لدارهم ليجتمع مع والدها قصد تحضير اجتماع خلية حزب الاستقلال بمدينة القنيطرة، وعند الانتهاء من الاجتماع طلب منها أن تأتي بمحفظتها. لم تفهم قصده، جاءت على استحياء منكسة الرأس وكأن مسطرة الحديد تترصدها لأنها لا تحفظ جدول الضرب.
أفرغ ما بداخل المحفظة، منبها المعلمُ أن حمل هذه الأثقال لا فائدة منه، وإذا بشقيفة مندسة وسط دفتر الفرنسية! سقطت قطعة من الزليج مستوية ملساء، على جدارها بقايا رسوم متآكلة بألوان خافتة، استغرب أمرها وسألها:
– ماذا تفعلين بهذه الشقيفة؟ أجابت بسرعة:
– ألعب شريطة.
لم ينهرها والدها ولا المعلم لأن نجابتها كانت شفيعة لها.
لعبة أخرى كانت تستهويها هي لعبة الجري – العدو المدرسي -، لاحظ معلم التربية البدنية تفوقها على زميلاتها في مسابقة الجري فاصطفاها لمباراة سباق العدو المدرسي. وحدث عندما تابعت دراستها للحصول على الشهادة التوجيهية بالقاهرة سنة 1957 أنها فازت في مسابقة الجري التي نظمتها مدارس البنات في منطقة الجيزة.
تلعب زبيدة رفقة الصبايا قرب باب الدار بزقاق يحوطه الخوف من مدفع الاستعمار الفرنسي، وهن ينتظرن غروب الشمس ليضرب مدفع آذان المغرب، تجري مهطعة لتلتحق بمائدة الإفطار وما هي بصائمة. تكتمل سعادتها حين تلتحق بها ابنة عمتها وبنات الجيران وابنة إحدى صديقات أمها.
تستثمر زبيدة مهارتها في اللعب لتسائل السلطة الكامنة في رموز اللعب لتُفرغه من قدسيته وتُعيد إنتاج التاريخ بطريقة هزلية عبثية غاوية خلقاً جديداً، وبذلك يصبح الهدف من لعبة “تيك تيكا” هو التشويش على التاريخ.
مونتريال، 01-07-2021.
