عبد الله تغزري (المنصوري).. الغائب الحاضر بيننا
لحسن أحمامة
في أواخر صيف 1974 وأنا في بدايات مراهقتي، أرسلتني أسرتي عند عائلة، صديقة لنا، تقطن بكريان بنعبيد (طماريس) لقضاء بعض الوقت برفقة عبد الرحمان، أحد أبناء هذه عائلة، يكبرني بحوالي سنتين أو ثلاث. لم تكن طماريس في تلك الفترة على النحو الذي عليه الآن بعد أن اجتاحها الإسمنت والآجور، وغاب كل ما يغري فيها. كل صباح نتوجه، أنا وعبد الرحمان، إلى شاطيء طماريس 2 إما على دراجة نارية من نوع بيجو سيتي، أو مترجيلن. عادة ما يكون الشاطيء في تلك الفترة شبه فارغ ماعدا أبناء كريان بنعبيد المهووسين بالصيد على متن إطار داخلي لعجلة الجرار. وعلى مسافة غير كبيرة على الرمل تصطف العربات الكبيرة، لعائلات ميسورة أو لبعض الأوروبيين، مقابلة زرقة الماء.
ولما كان بعض الشبان من أبناء المنطقة يشتغلون في المخيم الدولي طماريس2، لم نكن أنا وصديقي نجد مشكلة في الولوج إليه، نستغل الفرصة للسباحة في المسبح. كانوا يسمحون لنا بالتجول في المخيم، أو لنقل يتغاضون عنا ربما لصغر لسننا. أحيانا ندلف إلى المطعم والبار لنلقي نظرة على جميع مكوناته. في تلك الفترة، على ما أتذكر، كان المسؤول عن المخيم هو ولد لاخيري قبل أن يعهد به إلى الجماعة.
مرة ونحن، أنا وعبد الرحمان، في المخيم، اقتربنا من البار، التفت إلي وقال:
– هل ترى ذاك الرجل الأسود المتكيء على الكونتوار؟
– نعم. أراه.
– إنه أستاذ لمادة الفلسفة، واسمه تغزري.
أمعنت النظر إليه، شاب في عقده الثالث، بلحية فاحمة، ونظارتين طبيتين سميكتين. بدا لي آخذا في الحديث مع شخص آخر، و لم أحدق فيه جيدا. ربما لأن لفظة “فلسفة” في ذاك الإبان كانت من القوة بحيث كانت تصبينا بالدهشة والإعجاب من جهة، وبعدم التفكير فيها والابتعاد عنها بعد أن ربطها كارهوها عن قصد، أو المتوجسون منها، بلفظة “الإلحاد”، من جهة أخرى.
في غمرة طيش المراهقة، والنزق، واللامبالاة، نسيت الاسم وصاحبه، من دون أن أعرف أنه سيظل محفورا في ذاكرتي، إلى أن اشتغلت بالصحافة في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، مما جعلني أتعرف على مجموعة من المثقفين والفنانين، والمسرحيين، من بينهم الناقد المسرحي عبد الله تغزري. توثقت علاقتي به لدرجة أننا كنا غالبا ما نلتقي في مقهى موريطانيا كل صباح بعد أن توقفتُ عن العمل لمدة قصيرة قبل أن ألتحق بسلك التعليم. وبين الفينة والأخرى كان يزوره صديقه الحميم، الراحل محمد مؤيد. يستأذننا تغزري ويجلسان معا، وغالبا ما تطول جلستهما.
سأعرف بعد سنوات طويلة، من خلال أحاديثنا، أنه رأى النور بكريان كرلوطي، درب السلطان، الحي الذي كان فيه مسقط رأسي، وكان من بين معارفه أبي. بعد ذلك، سترحل الأسرة إلى درب البلدية، ثم إلى درب بلْعالية، وتقيم بإحدى العمارة، أمه، رحمها الله، تقيم في الطابق الأول وعبد الله في الطابق الثاني، وهو الذي كان يؤدي إيجار الشقتين. كانت شقتة مزار العديد من الأصدقاء.
سيلتحق تغزري بالتعليم سنة 1967، لتدريس الفلسفة في السلك الثاني، ويعود إلى ثانوية الأزهار المقابلة لثانوية مولاي عبد الله، وهي المؤسسة التي درس به على يد الأستاذ مصطفى العمري الذي ألف بمعية عابد الجابري، وأحمد السطاتي، مقرر الفلسفة. في سنوات الرصاص، سيعهد له بإدارة المؤسسة التعليمية الخصوصية عبد الكريم الخطابي، بشارع الفداء عقب اعتقال بعض المناضلين الذين كانوا يدرسون بها. في هذه الفترة زاوج تغزري بين التدريس، وتسيير إدارة هذه المؤسسة الخصوصية، والكتابة في جريدة “المحرر”، قبل أن تتحول إلى جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، حيث كان يكتب زاوية قارة عنوانها “زاوية حادة”. ولما تأسست جريدة “الأحداث المغربية”، سيشرع في نشر مقالات في النقد المسرحي. كل هذه المقالات المنشورة في الجريدتين لعبت دورا كبيرا في المشهد المسرحي بالمغرب، وكما انتمى في وقت مبكر إلى اتحاد كتاب المغرب.
لم يكن عبد الله تغزري من تلك الطينة التي تجامل أو تنافق، أو تتزلف. رجل، من أصول صحراوية، حاد الطبع، مثل زاويته، و ذو صراحة قل نظيرها، وسرعة بداهة تجمع بين السخرية السوداء و الفكاهة. حدث مرة أن عيره أحد تلامذته بلون بشرته، في اليوم التالي، توجه إلى التلميذ وهما في قاعة الدرس، وأخبره بأن ما تلفظ به لم يكن سبابا بقدر ما كان توصيفا لبشرته. لم تكن جلساته تخلو من متعة مفيدة، و نادرا جدا ما يغضب إذا ما انتقد شخص ما لون بشرته أو هندامه. والواقع أنني كنت أستفزه، و أدفعه للحديث عن تجربته في الصحافة و المسرح رغم أن قرر عدم الخوض في هذه الأمور، بعد أن أدار له بعض ممن تتلمذوا على يده ظهر المجن. وأكاد أقول إن التذمر من كل شيء قد نخره من الداخل، على أن ذلك لم يصيره عدميا. لكن يكفي أن تثار أمامه أسماء معينة حتى تستبد به سورة غضب لا تطفئها إلا نكتة أو تقمعها قفشة، أو نغير الموضوع.
قبل مدة طويلة، التقيته بمقهى هيلتون بشارع بني امكيلد، بعد أن رحل من سكنه القديم، أسر إلي بأنه ألف ثلاث روايات: “عندما تحدثنا عيناك”، و”الحاج قدور: أبو النور يظهر ولا يختف” و “رموش في المزاد: حضور البهاء، جذور الدهاء” وهي روايات ذات أبعاد سياسية، اقترحها على أحد الناشرين، وما زال ينتظر الرد إلى حد تلك الساعة. بدا لي في صوته بعض الوهن من غير أن يفقد حدته وسخريته المعهودتين. أما ما نشره من قبل، في شكل كتيبات حول السياسة والنقد المسرحي، فقد كان جلها، على ما أعتقد، على نفقته، من بينها: “اتجاهات المسرح المغربي: الممكن والمستحيل (تسربات من ذاكرة القرابة)”، و”القيم بين الثقافة والتربية (نموذج المكتبة المدرسية)”، و”مقدمات لكل ديمقراطية مقبلة”، وجدل الإرهاب و المقاومة”، وبين إيديولوجية العقيدة وإيديولوجية الهيمنة”، و”المغرب السياسي إلى أين؟” والواقع أنني لم أطلع على أية واحدة من روايته، لكنني يبدو لي أنه كتبها بهدف توثيق تجربته السياسية، وربما أيضا لتصفية حساباته مع بعض الأشخاص، مقتنعا بأن من أراد أن يتفاداه الناس، ما عليه إلا أن يقول الحقيقة. كان هذا ديدنه، وأسلوبه في التعامل مع الآخرين، يكره العلاقات المبنية على الانتهازية، ويرى أن الصداقة تقف عند حدود العلاقات الإنسانية. لم يكن تغزري يخشى في الله لومة لائم، وأعتقد من خلال صداقتي به، رغم فارق السن بيننا، أنه كان يدرك جيدا أن حدة طبعه و مواقفه الثابتة سوف لن تتوافق البتة مع واقع تفشى فيه الرياء والمجاملات الزائفة، وكل ما ينسف جوهر الصداقة الصادقة. يخيل إلي أنه يقول في نفسه: أخسر العالم كله، و أربح ذاتي. وفوق ذلك، كان يمنطق كل شيء في الحياة إلى درجة العبث. أتذكر مرة حكى لي فيها عن لقاء له مع القاصة المغربية رفيقة الطبيعة (زينب فهمي)، حين سألته إن كان يمتلك شقة أو دارا، كان جوابه أن تلك الجدران لن تسأله يوما إن كان هو مالكها أم لا.
لروحه السكينة و السلام.
