بقرة المغرب الحلوب: هل تخدعنا “البزولة الرابعة” بقيادة أنثوية جديدة؟
عبد الرحمان الغندور
على هامش التطورات السياسية التي أفرزتها محطة 23 شتنبر 2026، وما رافقها من تعيين قيادة أنثوية لتدبير الشأن العام، يطفو على السطح ذلك المجاز الواقعي والساخر الذي طالما لخص علاقة المغاربة بثرواتهم ومؤسساتهم.
المغرب، في المخيال الشعبي والسياسي، ظل تلك البقرة الحلوب المعطاءة، بينما يقف المغاربة طيلة العام يحضرون لها العشب والعلف ويسقونها وينظفون اسطبلها، وفي ساعة الحلب الكبرى، يستولي “التجمع الوطني للأحرار” بقيادة ذكورية على الضرع بأسره، ليقوم بعملية توزيع هندسية لأثداء البقرة الأربعة؛ حاصداً ثلاثة منها لنفسه ووزرائه ومقربيه، ومكتفياً بمنح “البزولة الرابعة” مناصفة أو تباعاً لحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، ليجد المواطن نفسه في نهاية المطاف أمام حقيقة مُرة قوامها الاكتفاء بـ فرث البقرة وغبارها، بينما يُصرف حليبها وخيراتها في غير مصلحة من تعبوا في رعايتها وسقايتها.
اليوم، تتجدد الأسئلة الحارقة مع تولي قيادة أنثوية دفة الحزب الثاني في الائتلاف الحكومي السابق، فهل ستغير هذه الأنثى سياسة توزيع الحليب؟
الواقع السياسي المجرد لا يترك مجالاً للأوهام العاطفية أو المراهنة على النوع الاجتماعي بمعزل عن البنية الحزبية والخيارات الاستراتيجية. فحزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب شريكه الاستقلالي، لم يكن يوماً خارج السياق؛ بل كان شريكاً أصيلاً وقابلاً بالقسمة “الأخنوشية” الذكورية، ومستفيداً شرعياً من ريعها السياسي. لم يصدر عن هذه القيادات يوماً أي صوت معارض حقيقي يفضح اختلالات التوزيع، بل استمر السكوت مطبقاً، ولم ينفجر الصراع بين الحلفاء إلا في أمتار الحملة الانتخابية الأخيرة بسبب تنازع المصالح، لا دفاعاً عن حقوق المواطن المقهور.
وها هي نفس التشكيلة تعود لتتصدر الواجهة، ولكن هذه المرة بمتغير تسويقي براق قومه: “القيادة الأنثوية لسياسة توزيع الحليب”.
لكن التاريخ القريب والبعيد يضع علامات استفهام كبرى أمام هذا الاستعراض الجندري؛ فالقائدة الجديدة لم تكن معارضة للأمس، بل كانت شريكة أساسية، ومستفيدة مباشرة، إما صامتة مبررة، أو مشاركة في صياغة المشهد. وعليه، فإن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل حضور الأنثى سيغير حقاً من سياسة توزيع الحليب ليستفيد المغاربة من منتوجهم، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تبديلاً للوجوه والأقنعة مع الاحتفاظ بذات المضامين الاستغلالية؟
إن التعويل على تغيير جوهري في البنية الاقتصادية والاجتماعية لمجرد استبدال ذكر بأنثى في إدارة نفس عجلة الريع يبدو مجازفة تحليلية. فالعبرة ليست بالأشكال ولا بالواجهات البراقة، بل بـ الخواتم وما ستكشف عنه الأيام القادمة، وما ستقرره تلك الدوائر الخفية التي كانت وراء هندسة هذا التعيين وإخراج هذه المسرحية السياسية الجديدة. وحين ينقشع غبار البدايات، سيبقى المحك الوحيد هو مدى قدرة هذا التغيير على إعادة الحليب إلى بطون المغاربة بدلاً من الاكتفاء بوعود واهية على هامش الضرع.
في تقديري الشخصي مع بعض ” الموضوعية غير المحايدة “، إن الرهان على “النوع الاجتماعي” وحده بمعزل عن البنية السياسية والاقتصادية الحاكمة يظل رهاناً محفوفاً بالأوهام. فالسياسة الحزبية في المغرب لا تُدار بمنطق الجندريات، بل بمنطق موازين القوى، وتوزيع المصالح، والتحالفات الطبقية العميقة.
فالواجهات النسائية الجديدة، مهما بلغت من كفاءة أو رغبة في التغيير، تأتي غالباً من رحم نفس المنظومة السياسية التي ترسخت فيها لغة الولاءات والترضيات وريع الامتيازات. وحين يدخل الحزب الحاكم في تحالفات حكومية تقليدية، فإن منطق “الضرع والغنيمة” يفرض إكراهاته؛ حيث تصبح القائدة الجديدة مُطالبة بإرضاء الأجنحة الحزبية، وتأمين مواقع الحلفاء، والحفاظ على التوازنات، مما يجعلها رهينة لدوائر القرار القديمة، وتتحول أحياناً إلى واجهة “تجميلية” لتمرير نفس السياسات بمسحة حداثية أو نسائية براقة.
وفي المقابل، لا يمكن نفي أن وصول نساء إلى مواقع القرار الحزبي والتدبيري يمكن أن يحمل نَفَساً تدبيرياً مختلفاً، شريطة توفر الإرادة السياسية الذاتية والجرأة على كسر المحظورات. وهو الأمر المشكوك فيه بالنسبة لسيدة تتبعها بعض الشبهات. فالنساء اللاتي عانين طويلاً من التهميش داخل هياكل الأحزاب الذكورية قد يكنّ، نظرياً، أكثر حساسية تجاه معاناة الطبقات الشعبية والتهميش الاجتماعي والمجالي. لكن هذا الاحتمال يظل ضعيفاً وهشاً ما لم يتحول إلى خط سياسي واجتماعي واضح يواجه ريع التحالفات القائمة، لا أن يكتفي بإدارته.
لكن الواضح الذي تؤكده المعطيات الواقعية هو أن الضغوط الحزبية وشروط التحالفات التقليدية هي الأقوى حالياً، وما لم تنخرط هذه القيادات في مواجهة جذرية مع اقتصاد الريع وبنيات الاحتكار، فإن حضور الأنثى لن يعدو أن يكون تبديلاً في الأقنعة لا في الجواهر، ولن يستفيد المغاربة من حليب بقرتهم بل سيظلون يقتاتون على فرثها.
