28 سنة على رحيله… محمد الحيحي والبقاء حيًّا في ذاكرة الناس

28 سنة على رحيله… محمد الحيحي والبقاء حيًّا في ذاكرة الناس

جمال المحافظ

         يختصر مسار مربي الأجيال محمد الحيحي (1928 – 1998)  الذي تحل اليوم الجمعة  الذكرى 28 لرحيله في 11 شتنبر 1998 تاريخا طويلا، يمكن تلخيصه في ثلاث مجالات رئيسة، كان لها تأثير  في تاريخ المغرب، ويتعلق الأمر بالتربية والسياسة و حقوق الانسان والمجتمع  المدني.  لقد اضطلع الحيحي بدور أساسي وهام خاصة في مجال الحركة الجمعوية التطوعية، وترسيخ قيم التربية على المواطنة وحقوق الانسان.

مسار سي محمد الحيحي، شاهد على مرحلة حاسمة من تاريخنا الوطني الذى تميز بمحاولات بناء المغرب الجديد، وهي فترة لما قبل وبداية الاستقلال وتمتد الى أواسط تسعينات القرن الماضي، مرحلة لم تحظ بالاهتمام الكافي من الباحثين من الفاعلين في المجتمع المدني بالمغرب.

ملهم   الأجيال

ظل محمد الحيحي ذاكرة حية رغم مرور ما يناهز من ثلاثة عقود، وأن يتحول ما خلفه في مجالات التطوع والتربية والسياسة وحقوق الإنسان، والقيم والمبادئ التي كان ينافح عنها قيد حياته الى ملهم   للأجيال الحالية والصاعدة، وهو ما جعل محمد الحيحي – حسب الكثير من الشهادات -، المؤسس الفعلي للمجتمع المدني في المغرب الحديث، لمساهمته الفعالة منذ وقت مبكر في إرساء اللبنات الأولى للعمل الجمعوي،

وانطلاقا من ايمانه بتوحيد مكونات الحركة الوطنية في مختلف الميادين، كان له الفضل الكبير إلى جانب آخرين، في تأسيس عدد من الهيئات المدنية في مقدمتها الجمعية المغربية لتربية الشبيبةAMEJ  سنة  1956 وبعد ذلك الجمعية المغربية لحقوق الانسان سنة 1979، وإحداث اتحاد المنظمات المغربية التربوية سنة 1991 فضلا عن مساهمته الفعالة في بعث لجنة التنسيق ما بين الجمعية المغربية لحقوق الانسان والعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهو ما أثمر التوقيع على الميثاق الوطني لحقوق الإنسان سنة  1990 من لدن خمسة منظمات حقوقية.

  وبما عرف عنه من انتصار للوحدة، عمل دوما على إيجاد القواسم المشتركة بين الجمعيات للدفاع عن حقوق الشباب والأطفال وحقوق الانسان وإشاعة قيم التطوع، لاقتناعه على ما يبدو بأن الخصم الواحد لا يمكن أن تنجح كل هيئة بمفردها في الانتصار عليه . وترسيخا لثقافة حقوق الانسان، اضطلع بدور ريادي في تأصيل العمل الحقوقي، بالمساهمة الفعلية في تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان AMDH التي تولى رئاستها ما بين سنوات 1989 و1992 والمحافظة علي الجمعية الحقوقية، قائمة الذات حتى في أحلك الظروف التي عاشتها والتي كانت مهددة فيها بالحل.

محمد الحيحي الإنسان والمناضل الوطني ومربي الأجيال والحقوقي، وصاحب الأيادي البيضاء على عدة أجيال، رأى النور سنة 1928 بحي المشور السعيد بتواركة في الرباط. فنبوغه، ظهر مبكرا منذ طفولته، وتتلمذ في المراحل الأولى على يد كبار مشايخ عصره، أبرزهم العلامة شيخ الإسلام مولاي محمد بلعربي العلوي. ولما أتم تعليمه الأساسي سنة 1940،التحق بثانوية مولاي يوسف العصرية.

فاعل مجتمعي

ونتيجة مساهمته في مقاومة الاستعمار، وفي انتفاضة تلامذة هذه المؤسسة التعليمية، في أعقاب تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، تعرض للطرد من هذه المؤسسة التعليمية الوطنية .وفى هذا الصدد يحكى عبد الرحمان اليوسفي ( 1924 – 2020 ) عن بداية علاقته بالحيحي  بالقول: ” عرفته في انتفاضة الجماهير الطلابية الشهيرة في شوارع العاصمة الرباط، عقب تقديم وثيقة الاستقلال، وهو في طليعتها، يندد بسياسة الحماية، ويستنكر الاستغلال والقمع والاستبداد في ظروف كان الصدع بالحق الوطني والمطالبة بالاستقلال، جريمة يعاقب عليها بأقصى عقوبات السجن والأشغال الشاقة و المنفى السحيق”، كما أبرز في كلمة الذكرى الاربعينية لرحيل محمد الحيحي، عبد الرحمان اليوسفى ( 1924 – 2020  ) الذي أضاف بأن جيل الاستقلال عرفه لا كرجل تعليم وتلقين فحسب، بل فاعلا مجتمعيا، يحمل لشباب المغرب الصاعد تعاليم حب الوطن والتضحية من أجل تحريره والذود عن حرمته وسيادته وعزته وكرامته.

 وبهذه القيم وهذه الصفات دخل الفضاء الجمعوي، ولعب به دورا أساسيا، رفقة عدد من المناضلين في الحقل الوطني النشيط في التأسيس لأكبر مؤسسة تربوية عرفها المغرب قبيل الاستقلال، انتاجية في تكوين أطرها وسلامة مناهجها وأصالة وسمو مبادئ تعاليمها التربوية والأخلاقية، والمقصود هنا الجمعية المغربية لتربية الشبيبة التي أصبح رئيسا لها فيما بعديردف اليوسفي الذي كان رفيقا لمحمد الحيحي.

التربية والديمقراطية

وبعد تأسيس الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، سنة 1956، تقلد محمد الحيحي، ما بين  1956و 1967، مهمة كتابتها العامة، ليتولى رئاسة  (A.M.E.J)  من  1964 الى  1998 . ومن جهة أخرى ساهم مع عدد من المناضلين في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وفيما بعد حزب الاتحاد الاشتراكي، حيث كان من أكبر الأطر الذين جعلوا من اختيارات الحزب ومبادئه، الأساس القوي لخوض شتى المعارك من أجل إرساء قواعد الديمقراطية لتحرير المغرب من قيود  الاستغلال والمحسوبية والانحراف والفساد.

محمد الحيحي مع بعض أطر جمعية "لاميج"
محمد الحيحي مع بعض أطر جمعية “لاميج”

فكان بذلك محمد الحيحي، أحد القياديين السياسيين من الحكماء المتوارين على الاضواء، محافظا على عضويته في اللجنة الادارية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعد المؤتمر  الاستثنائي في يناير 1975، وطني المرجعية، وحدوي التفكير، نقي السريرة، صادق العطاء، مع الالتزام بالصرامة في المبادئ، والصراحة والوضوح في الطرح، والمبادرة  التي يربطها بالفعل، وهي الصفات التي جعلته يحظى بتقدير كافة المناضلين، متمتعا بها. كما كافح محمد الحيحي بعناد بطولي وإرادة لا تعرف التردد والوهن، دفاعا عن الديمقراطية وحرية الرأي واحترام حقوق الإنسان، وتشهد على ذلك مواقفه النضالية من أجل اطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ومساعدة ذويهم وأسرهم ورعاية أزواجهم وأبنائهم يقول اليوسفي.

مناضل جسور

وجعله موقفه الوحدوي المبدئي من جهة، واحترامه للمؤسسات مضطرا رفقة صديقه المفكر محمد عابد الجابري ( 1935 – 2010 ) إلى تجميد نشاطه الحزبي، متمسكا في الآن ذاته بالروح الاتحادية، وبآرائه والتعبير عن وجهة نظره، ولا سيما لأصدقائه الحميميين، وأبنائه من المقربين منه بجمعية  AMEJ.  و كمناضل جسور وخبير بظروف الاعتقال السياسي والعمل الحقوقي الجاد والمسؤول على المستوى الوطني والخارجي، انتخب في مرحلة صعبة ودقيقة، رئيسا للجمعية  المغربية لحقوق الإنسان مابين 1989 و 1992، متمسكا بخياراته الإنسانية المبدئية تنظيرا وممارسة، وهو ما جعل المنظمة الحقوقية العالمية لحقوق الانسان هيومان راتس ووتش (Human Rights Watch)، تبادر الى تكريمه في حفل كبير سنة 1991 في مدينة نيويورك الأمريكية.

 ويحسب للحيحي قيد حياته، القيام ببلورة التصورات الدقيقة للعناية بالرأسمال البشري، و توحيد جهود تنظيمات الشباب التي تكللت بإشرافه على تأسيس إتحاد المنظمات المغربية التربوية، الذي انتخب رئيسا له إلى غاية سنة 1996، وإحياء اتحاد المغرب العربي للطفولة.  فضلا عن مساهمته الفعالة في تفعيل الإطارات التضامنية مع الشعوب المضطهدة، وعلى الأخص الشعبين الفلسطيني والعراقي.

الــبقاءُ حــيًّـا

كان  محمد الحيحي يـعتــبـر المواطنة مشاركـةً في كل ما يسـاعـد على خدمة المجتمع والوطن، ويُـجسّــد الانتماء بـكيفية إيـجابية ومـلــموسة، كما كتب الأديب محمد برادة في استهلال كتاب “محمد الحيحي: ذاكرة حياة” لمؤلفيه الفاعل الحقوقي عبد الرزاق الحنوشي والكاتب الصحفي جمال المحافظ من منشورات حلقة الوفاء في ذاكرة محمد الحيحي الذي أدى رسالته نحو طفولة المغرب وشبابه وأخلص أحسن ما يكون الإخلاص وأسمى ما يكون الوفاء، للوطن. فالساحة الوطنية والتقدمية، لم تخسر وحدها محمد الحيحي رجل الممكن في زمن المستحيل، وإنما خسرته إلى جانبها كل القيم النبيلة، والشريفة التي تحلى بها قيد حياته، وبجسدها في سلوكه. ويعود له الفضل في الانتباه مبكرا لأهمية تأطير الأطفال والشباب.

وفي ذكرى رحيله، وكما تعودت على ذلك سنويا، نظمت حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي اليوم الجمعة، زيارة لمقبرة الشهداء بالرباط للترحم على روحه الطاهرة، بحضور أعضاء من المكتب التنفيذي والحلقة، ونجله جمال الحيحي المقيم بكندا و فعاليات من المجتمع المدني.   

شارك هذا الموضوع

جمال المحافظ

باحث متخصص في شؤون الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!