في أزمة المحاماة: بين العقلانية النقدية ومراجعة الوسيلة
مصطفى المنوزي
حين تتحول الوسيلة من اختيار نضالي إلى يقين غير قابل للمراجعة ، يرتبك التحليل ويشوب الغموض عملية استشراف الآفاق ؛ فليس أخطر ما يمكن أن يقع في معركة مهنية طويلة أن نختلف حول الوسائل، بل أن نفقد القدرة على التمييز بين المبدأ الذي نقاوم من أجله، والوسيلة التي اخترناها للمقاومة ؛ وهنا يفيد التمييز بين «العقل الإيماني» و«العقلانية النقدية»، شريطة ألا نستعمله لتصنيف الزملاء أو توزيع شهادات العقلانية بينهم. فالعقل الإيماني، بالمفهوم الذي نقصده، ليس عقلًا دينيًا بالضرورة، وإنما طريقة في التفكير تجعل من قناعة سابقة مرجعًا لقراءة الوقائع؛ وقد تصبح إشكالية عندما تنتقل قوة الإيمان بالمبدأ إلى الوسيلة نفسها، فتكتسب هذه الأخيرة نوعًا من الحصانة ضد النقد ؛ ففي أزمة المحاماة، يمكن الاتفاق على جملة من المبادئ: استقلال المهنة، كرامة الدفاع، ضمان المحاكمة العادلة، حماية الحقوق والحريات، ورفض كل ما يُنظر إليه باعتباره انتقاصًا من الوظيفة الحقوقية للمحاماة؛ فهذه مبادئ.
أما التوقف عن تقديم الخدمات فهو وسيلة اختارتها المؤسسات المهنية للدفاع عنها؛ وهذا التمييز البسيط يقود إلى نتيجة جلية وأساسية: استمرار أسباب النزاع لا يعني منطقيًا، وبصورة آلية، استمرار الوسيلة نفسها؛ فالحجة القائلة: «ما دامت أسباب رفض القانون قائمة، فيجب أن يستمر التوقف» تحتاج إلى حلقة وسطى كثيرًا ما تغيب عن النقاش: هل ما زال التوقف، في اللحظة الراهنة، الوسيلة الأكثر قدرة على تحقيق الأهداف التي اعتمد من أجلها؟
لكن الإنصاف الفكري يقتضي تطبيق الاختبار نفسه على الاتجاه المقابل ، فالقول: «لقد طال التوقف وارتفعت كلفته، ولذلك يجب تعليقه» لا يصبح عقلانيًا لمجرد أنه يدعو إلى المراجعة؛ عليه أيضًا أن يجيب: ما البديل؟ وما ضمانات ألا يتحول التعليق إلى رجوع مجرد؟ وكيف نحافظ على القوة التفاوضية التي راكمتها المهنة؟
لذلك لا ينبغي وضع الصمود في مواجهة العقلانية، ولا التعليق في مواجهة المبدأ، كلاهما احتمال استراتيجي ينبغي اختباره ؛ فقد يكون الاستمرار اليوم هو القرار الأكثر عقلانية إذا أثبتت عملية التشخيص أن الجسم المهني قادر على تحمله، وأن التوقف ما زال ينتج ضغطًا مؤثرًا، وأن له أهدافًا مرحلية واضحة، وأن احتمال تحقيق مكاسب إضافية يفوق كلفته المهنية والإنسانية والمؤسستية ؛ وقد يكون التعليق المؤقت هو القرار الأكثر عقلانية إذا تبين أن مردودية الوسيلة تتناقص، وأن كلفتها تتزايد، وأن السياق تغير، وأن بالإمكان الانتقال إلى أدوات دستورية وتشريعية وقضائية وتفاوضية وتواصلية أكثر قدرة على استعادة المبادرة.
العقلانية النقدية لا تعطينا الجواب مسبقًا؛ إنها تحدد شروط صحة الجواب ، وهنا يظهر الفارق بين الثبات على المبدأ والثبات على القرار ؛ الأول فضيلة؛ أما الثاني فلا يكون فضيلة إلا بقدر استمرار ملاءمته للواقع؛ فالقرار المهني ليس عقيدة ؛ إنه تقدير بشري صدر في سياق معين، لتحقيق أهداف معينة، وبناء على معطيات معينة. وكلما تغيرت تلك المعطيات أصبح من المشروع، بل من الواجب، إعادة فحص العلاقة بين الوسيلة والغاية؛ ولا يغير من ذلك كون الاتجاه الأغلبي يميل إلى الاستمرار. فالأغلبية تمنح القرار شرعية تمثيلية مهمة، لكنها لا تمنحه العصمة المعرفية. لذلك ينبغي أن نضيف إلى سؤال: كم منا يريد الاستمرار؟ سؤالًا أكثر صعوبة: بأية حجج نريد الاستمرار، ولتحقيق ماذا، وإلى متى، وبأية موارد، وبأية مؤشرات سنعرف أننا نتقدم؟
هنا تصبح جودة التعليل جزءً من جودة القرار الديمقراطي نفسه، حيث ينطبق الأمر بصورة أوضح على مفهوم الصمود؛ فالصمود ليس مجرد إرادة أو حماسة أو استعداد للتضحية؛ إنه اقتدار، والاقتدار موارد بشرية ومادية وتنظيمية ونفسية، وقدرة على تحمل الزمن والكلفة، ولذلك فإن السؤال: كيف نصمد دون أن نقيس قدرتنا على الصمود؟ ليس سؤال المترددين، بل سؤال التدبير المسؤول للمعركة؛ فالزملاء والزميلات لا يقفون جميعًا في المواقع الاقتصادية والمهنية نفسها، ولا يتحملون الكلفة بالدرجة ذاتها، ومن ثم فإن تشخيص أوضاع الشباب والفئات الأكثر هشاشة لا يضعف الوحدة؛ بل يمنع أن تتحول الوحدة الرمزية إلى إنكار للفوارق الواقعية داخل الجسم المهني.
ومن هنا يمكن الانتقال من ثنائية الاستمرار والتعليق إلى مفهوم أوسع: الانضباط النقدي.
أن ننفذ القرار الجماعي ما دام قائمًا، وأن نحترم المؤسسات التي أصدرته، لكن من دون تعطيل ملكة السؤال ؛ فالانضباط لا يلغي النقد، والنقد لا يعني العصيان ، والوحدة لا تستوجب التطابق،
بل إن قوة المؤسسة تظهر عندما تستطيع أن تقول في اللحظة نفسها: هذا قرارنا، وسننضبط له؛ وهذا أيضًا قرار بشري، من ثمة سنواصل تقييم شروطه ونتائجه؛ ولربما تكون الحلقة المفقودة في النقاش، إذن، ليست الاتفاق على الاستمرار أو التعليق، بل الاتفاق على منهج مراجعة القرار: تشخيص الواقع الداخلي للمهنة، قياس القدرة على الصمود، تحديد الأهداف المرحلية، تقييم ما تحقق وما لم يتحقق، تقدير الكلفة، بناء البدائل، ثم إعادة المفاضلة على أساس معطيات محينة، وعندئذ لا يصبح من يراجع موقفه متراجعًا بالضرورة، ولا من يستمر متصلبًا بالضرورة ، كلاهما مطالب بأن يقدم أسباب موقفه وأن يحدد الشروط التي يمكن أن تدفعه إلى مراجعته؛ وهذا هو الاختبار الأعمق للعقلانية النقدية: هل نستطيع تحديد الواقعة التي، إذا ثبتت، تجعلنا نعيد النظر في موقفنا؟
فإذا لم يكن هناك أي معطى يمكن أن يجعلنا نراجع قرارنا، فنحن لم نعد أمام اختيار استراتيجي قابل للتقييم، بل أمام يقين مغلق على نفسه.
وفي آخر التحليل ، ليس امامنا سوى الالتزام جماعيا بالمراجعة، فليس المطلوب أن يعيد طرف واحد النظر في موقفه، بل أن نقبل جميعًا بالقاعدة نفسها: تحيين الحجج بتحيين الوقائع؛ فليعد دعاة الاستمرار اختبار حجج الاستمرار، وليعد دعاة التعليق اختبار حجج التعليق؛ ولنضع جميعًا أمامنا الواقع الداخلي للمهنة، والقدرات الإنسانية والموارد المادية، وتغير السياق العام، وما تحقق من الأهداف وما تعذر تحقيقه؛ ذلك أن الوفاء للمبدأ لا يقاس بمدى تشبثنا بأول قرار اتخذناه، بل بقدرتنا على إبقاء الوسائل في خدمة الغايات، نثبت على المبدأ ولا نقدّس الوسيلة؛ ننضبط للقرار ولا نحصّنه من النقد؛ نحترم الأغلبية ولا نعفيها من جودة التعليل؛ ونلتزم جماعيًا بمراجعة مواقفنا كلما تغيرت الوقائع؛ فالمعركة التي تخشى مراجعة أدواتها قد تستنزف قوتها، أما المعركة التي تجعل من النقد والتقييم والاستدراك جزءً من صمودها، فهي التي تستطيع تحويل الاختلاف من مصدر للاستقطاب إلى مورد للمعرفة، ومن مجرد الثبات إلى أمل نقدي قادر على استعادة المبادرة؛ أو علينا أن ننتشي بشعار “نحن في عطلة، لا داعي للسرعة!”.
