صعود الإنجليزية وتراجع الفرنسية: الخريطة اللغوية الجديدة في لبنان

صعود الإنجليزية وتراجع الفرنسية: الخريطة اللغوية الجديدة في لبنان

حين يزداد الأساتذة ويتناقص الطلاب

د. زياد أسعد منصور

        تتزايد الشكوى في بعض الجامعات اللبنانية، بما في ذلك في الجامعة اللبنانية، من ظاهرة تستحق أن تتحول إلى موضوع بحث جدي: تراجع أعداد الطلاب الراغبين في التخصص باللغة الفرنسية وآدابها، في مقابل عدد من الأساتذة يبدو كبيرًا قياسًا إلى حجم الإقبال الطلابي. فإذا أثبتت الأرقام أن عدد الأساتذة ازداد أو حافظ على مستواه فيما تقلص عدد الطلاب، فنحن أمام اختلال ينبغي ألا يعالج بالتجاهل ولا بالدفاع العاطفي عن الفرنكوفونية، بل بالبحث والإحصاء.

وهنا يبدأ واجب الحياد العلمي. فتراجع الموقع النسبي للفرنسية أمام الإنجليزية في التعليم اللبناني تؤيده مؤشرات ودراسات منشورة، لكن تحديد حجم هذا التراجع داخل كل جامعة وكل فرع، وتطور نسبة الأساتذة إلى الطلاب، يحتاج إلى بيانات جامعية متسلسلة زمنيًا.

والأمر نفسه ينطبق على تفسير الأسباب. فهل المشكلة في سوق العمل؟ أم في مناهج التعليم؟ أم في صورة فرنسا؟ أم في الخيارات الاجتماعية للطلاب؟ أم في صعود لغات أخرى؟ الإجابة الجدية تحتاج إلى مسح سوسيولوجي وطني للغات في لبنان، لأننا أمام تحول يتجاوز قسمًا جامعيًا ليطال الخريطة الثقافية والاجتماعية للبنان.

هل الأزمة في الفرنسية أم في طريقة تعليمها؟

ليس من الإنصاف إرجاع كل شيء إلى صعود الإنجليزية أو تراجع النفوذ الفرنسي. فثمة سؤال ينبغي أن يوجَّه إلى تعليم الفرنسية نفسه.

بعد سنوات طويلة من الدراسة، قد يخرج الطالب متقنًا قدرًا معتبرًا من القواعد والتصريف وقادرًا على اجتياز الامتحان، لكنه يتردد عندما يُطلب منه إجراء محادثة طبيعية باللغة. وهذه ملاحظة سبق أن أثارتها تقارير ودراسات فرنسية ولبنانية حول الحاجة إلى مراجعة المناهج وطرائق التعليم.

المشكلة ليست في القواعد؛ فهي ضرورية. المشكلة في أن تتحول القواعد إلى غاية بدل أن تكون وسيلة. فالطالب يحتاج إلى الحديث والاستماع والكتابة والمناظرة والمسرح والإعلام والبحث والثقافة الرقمية، وأن يشعر بأن الفرنسية لغة يستطيع أن يعيش ويعمل ويفكر وينتج المعرفة بها.

كما أن تأهيل الأساتذة وتكوينهم المستمر وتجديد طرائق التدريس ينبغي أن يخضع لتقويم دوري. وليس المقصود إطلاق حكم عام بأن مستوى أساتذة الفرنسية قد تراجع؛ فهذا ادعاء يحتاج بدوره إلى دراسة. المقصود مساءلة نموذج تعليمي قد يكون بعضه لم يتطور بالسرعة نفسها التي تغير بها الطالب والجامعة وسوق العمل.

عندما تصبح الفرنسية حِمى للنخبة

لكن وراء أزمة المنهج أزمة فلسفة أيضًا. فالفرنسية في لبنان ليست لغة أجنبية محايدة تاريخيًا. ارتبط انتشارها بالإرساليات والرهبانيات والمدارس الكاثوليكية، ثم تعزز بالنفوذ الفرنسي والانتداب، وأسهمت في تكوين قطاعات واسعة من النخب اللبنانية. وأصبحت إجادتها رأسمالًا ثقافيًا واجتماعيًا وعلامة تمايز.

والمفارقة أن مصدر القوة التاريخي هذا قد يصبح عنصر ضعف إذا بقي لدى بعض المدافعين عنها تصور بأنها ينبغي أن تظل لغة النخبة، أو أن بعض المناطق البعيدة والطبقات الاجتماعية الأقل حظًا ليست في حاجة إليها.

إنها فلسفة تضر باللغة التي تريد حمايتها.

فالفرنسية لا تُحمى بحصرها في بيروت والمتن وكسروان أو في مدارس وجامعات بعينها؛ بل بأن تكون متاحة للطالب في طرابلس وعكار والبقاع وبعلبك والنبطية وصور وصيدا كما هي متاحة في المراكز التقليدية للفرنكوفونية.

اللغة التي تتحول إلى حِمى اجتماعية تضيق، أما اللغة التي تصنع نخبًا جديدة وتبقى مفتوحة للمجتمع فتتجدد.

الإنجليزية: المنتصر الأكبر حتى الآن

في المقابل، استطاعت الإنجليزية أن تقدم نفسها في لبنان بصورة أكثر عبورًا للطوائف والمناطق. فالطالب يراها لغة البحث العلمي والتكنولوجيا والإنترنت والجامعات الدولية والشركات والهجرة والاقتصاد العالمي.

ولهذا فإن انتصار الإنجليزية لا يقاس فقط بعدد المدارس أو الطلاب، بل بالصورة التي استقرت في ذهن الجيل الجديد، فيعتبرها البعض لغة المستقبل والفرص.

وهنا تكمن معضلة الفرنسية. فقد يبقى الطالب قادرًا على التحدث بها، وقد يحب أدبها وثقافتها، لكنه عندما يصل إلى لحظة الاختيار الجامعي والمهني ينتقل إلى الإنجليزية. بمعنى آخر فإن اللغة قد لا تموت، لكنها تفقد موقعها في لحظة الاختيار الحاسمة.

الروسية: من إرث الاتحاد السوفياتي إلى شبكة جامعية وثقافية متجددة

وبعد الإنجليزية، تبرز الروسية بوصفها حالة لبنانية تستحق اهتمامًا أكبر مما تحظى به عادة. فالروسية لا تبدأ من الصفر. هناك إرث متراكم من اللبنانيين الذين درسوا في الاتحاد السوفياتي السابق ثم في روسيا، ونشأت عبر العقود روابط خريجين وعائلات وشبكات علمية وطبية وهندسية ومهنية وثقافية مرتبطة بهذا الفضاء.

واللافت اليوم أن هذا الرصيد البشري يجد امتدادات جامعية ومؤسساتية جديدة.

ففي الجامعة اللبنانية يستمر تعاون في تعليم الروسية بدأ عام 2022، ووصل طلاب إحدى دورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية سنة 2025 إلى المستوى الثالث. كما تتضمن برامج الكلية دراسة متخصصة في العلاقات الروسية–الشرق أوسطية.

وفي الجامعة اللبنانية الأميركية LAU يوجد مقرر جامعي رسمي للروسية للمبتدئين، يهدف إلى إكساب الطالب مهارات التواصل الأساسية.

وتضاف الآن إلى هذه الصورة جامعة البلمند، حيث يقدم قسم اللغات والترجمة مقررات في اللغة الروسية إلى جانب لغات أخرى. وقد عرفت برامج الجامعة مقررًا جامعيًا مستقلًا بعنوان «اللغة الروسية 1» من ثلاثة أرصدة.

وهذا مهم لأنه يبين أن تعليم الروسية لم يعد محصورًا في مؤسسة واحدة أو في نشاط ثقافي خارجي، بل نجد له آثارًا في أكثر من مؤسسة جامعية لبنانية.

وتكتسب حالة البلمند بعدًا إضافيًا بسبب العلاقات الأكاديمية والثقافية والدينية التي تربط بيئتها الأرثوذكسية بمؤسسات روسية. وقد شهد عام 2026 برنامجًا في روسيا لطلاب من معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في جامعة البلمند للتعرف إلى الكنيسة الروسية ومؤسساتها التعليمية.

ولا ينبغي تحويل ذلك إلى استنتاج بأن الأرثوذكس اللبنانيين يتجهون جماعيًا نحو الروسية؛ فلا توجد لدينا إحصاءات تسمح بهذا الحكم. لكنه يكشف وجود قناة ثقافية ودينية وأكاديمية روسية–لبنانية تستحق أن تدخل في أي دراسة سوسيولوجية لجاذبية الروسية.

وإلى الجامعات يأتي نشاط البيت الروسي في بيروت، ودورات تعليم اللغة، وروابط خريجي الجامعات السوفياتية والروسية، والمنح، وشبكات مدرسي الروسية والنشاطات الثقافية التي تمتد إلى مناطق لبنانية متعددة.

لذلك لم يعد دقيقًا وصف الروسية بأنها مجرد لغة «بدأ اللبنانيون يهتمون بها». الأدق أننا أمام حضور قديم يتجدد ويتحول إلى شبكة متعددة المستويات: خريجون، جامعات، مقررات، دراسات عليا، بيت روسي، منح، وعلاقات أكاديمية، وثقافية، ودينية.

وإذا توسعت مستقبلًا العلاقات الاقتصادية والأكاديمية والسياحية اللبنانية–الروسية، ولا سيما إذا خفت العقوبات والقيود الدولية على روسيا، فمن المحتمل أن ترتفع القيمة العملية لتعلم الروسية. لكنه احتمال مرتبط بالتطورات الدولية وليس نتيجة محسومة.

الصينية: حين تصنع التجارة الحاجة إلى اللغة

أما الصينية فتشق طريقها من بوابة مختلفة: الاقتصاد والتجارة. فمع اتساع العلاقات التجارية اللبنانية مع الصين تزداد الحاجة إلى مترجمين وخبراء ووسطاء ورجال أعمال يعرفون اللغة والثقافة وآليات السوق الصينية.

ولهذا يكتسب وجود الصينية في المؤسسات الجامعية دلالة خاصة. فهناك تعليم للصينية في الجامعة اللبنانية، فيما يمثل معهد كونفوشيوس في جامعة القديس يوسف حضورًا مؤسساتيًا واضحًا ومستمرًا لتعليم الصينية وثقافتها.

والمفارقة الرمزية لافتة: واحدة من أبرز الجامعات المرتبطة تاريخيًا بالفرنكوفونية اللبنانية تحتضن مؤسسة لتعليم لغة القوة الاقتصادية الآسيوية الصاعدة.

وهذا لا يعني أن الصينية أصبحت منافسًا عدديًا للفرنسية؛ بل إن الطالب بدأ ينظر إلى اللغة بوصفها استثمارًا في اتجاه حركة الاقتصاد العالمي.

التركية: حين يسبق المسلسل الصف

وتقدم التركية نموذجًا ثالثًا مختلفًا. فقد دخلت إلى جمهور لبناني واسع عبر القوة الناعمة قبل أن تدخل إلى قاعات تعليم اللغة. ولعبت المسلسلات التركية دورًا واضحًا في خلق ألفة مع اللغة وتركيا ومدنها وتاريخها وموسيقاها وأنماط حياتها.

ثم جاءت المؤسسات لتبني على هذا الاهتمام. ويقوم مركز يونس إمره بدور بارز في تعليم التركية ونشر الثقافة التركية في لبنان، مع نشاط يتجاوز بيروت إلى مناطق لبنانية أخرى.

كما تتداخل مع اللغة عوامل السياحة والمنح الجامعية والتجارة والقرب الجغرافي والروابط التاريخية وتجدد الحضور التركي السياسي والاقتصادي والثقافي في لبنان والمشرق.

والحالة التركية تكشف شيئًا مهمًا عن القوة الناعمة الحديثة: قد تدخل الدولة إلى غرفة الجلوس عبر الشاشة قبل أن تدخل لغتها إلى الصف والجامعة.

فالدراما صنعت فضولًا ثقافيًا، ثم جاءت السياحة والمنح والمؤسسات التعليمية والعلاقات الاقتصادية والسياسية لتمنح هذا الفضول أسبابًا إضافية للاستمرار.

الألمانية والإسبانية: لغة الفرصة وفضاء عالمي آخر

وللألمانية جاذبية مختلفة. فهي ترتبط في ذهن قسم من اللبنانيين بالدراسة الجامعية والعمل والهجرة والتخصصات العلمية والتقنية، وتدعمها بنية مؤسساتية ثقافية وتعليمية يمثلها خصوصًا معهد غوته.

أما الإسبانية فتفتح بابًا إلى فضاء عالمي واسع يمتد من إسبانيا إلى معظم أميركا اللاتينية، وتحضر في التعليم الجامعي والثقافي اللبناني إلى جانب اللغات الأوروبية الأخرى. وهكذا لم يعد الطالب اللبناني واقفًا أمام ثنائية الفرنسية والإنجليزية وحدها.

الفارسية والعثمانية: اللغة مفتاح التاريخ والسياسة

وتكتمل الصورة بحضور الفارسية والعثمانية في بعض المسارات الأكاديمية.

فللفارسية حضور مؤسساتي، ومنه قسم اللغة الفارسية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية. وتجمع دوافع دراستها بين الأدب والحضارة والترجمة والحاجة إلى فهم إيران وموقعها الثقافي والسياسي في المنطقة.

أما العثمانية فوضعها مختلف؛ فهي ليست منافسًا في سوق اللغات الحية، وإنما أداة بحثية للمتخصصين في التاريخ العثماني وتاريخ لبنان وبلاد الشام. فالباحث الذي يريد الوصول إلى الوثائق العثمانية من دون وسيط يحتاج إلى لغة الوثيقة وخطها، ومصطلحاتها الإدارية، والسياسية، والاجتماعية.

وهكذا تصبح اللغة أحيانًا طريقًا إلى الوظيفة، وأحيانًا إلى السوق، وأحيانًا إلى السياسة، وأحيانًا إلى الأرشيف والذاكرة التاريخية.

هل تتشكل خريطة اجتماعية وطائفية للغات؟

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل بات اختيار اللغة الأجنبية في لبنان يحمل أبعادًا اجتماعية ومناطقية وطائفية أيضًا؟

يمكن افتراض استمرار ارتباط تاريخي بين الفرنسية وقطاعات من المؤسسات والبيئات المسيحية، بينما تبدو الإنجليزية أكثر عبورًا للطوائف. وقد نجد اهتمامًا بالروسية في أوساط خريجي الاتحاد السوفياتي وروسيا، وربما في بعض البيئات الأرثوذكسية أو الشيعية وغيرها. وقد تتأثر التركية والفارسية بدورها بشبكات اجتماعية وثقافية وسياسية معينة. لكن الانطباع ليس إحصاءً، والفرضية ليست حقيقة.

فوجود علاقات بين جامعة البلمند ومؤسسات روسية، مثلًا، لا يسمح وحده بالقول إن الأرثوذكس يتجهون إلى الروسية. كما أن وجود اهتمام بالفارسية في بيئة سياسية معينة لا يثبت أن اختيارها طائفي. ولهذا نحتاج إلى سوسيولوجيا فعلية للغات: من يتعلم ماذا؟ وأين؟ ولماذا؟ وما أثر الطائفة والمنطقة والمدرسة والطبقة الاجتماعية والأسرة والهجرة والمنحة الجامعية والإعلام والسياسة في الاختيار؟

وقد تثبت الدراسة بعض هذه الفرضيات، وقد تنقض بعضها. وهذه هي قيمة البحث العلمي.

من إفريقيا إلى لبنان: ماذا يحدث للجاذبية الفرنسية؟

ولا يمكن فصل السؤال اللبناني تمامًا عن التحولات التي أصابت موقع فرنسا الدولي. فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا واضحًا للحضور والنفوذ الفرنسيين في عدد من مناطق الحضور التقليدي في إفريقيا، ولا سيما الساحل. وانتهى أو تقلص الوجود العسكري الفرنسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد والسنغال، فيما تقدمت قوى أخرى في بعض هذه المساحات، وبينها روسيا. لكن الدقة هنا أساسية.

هذا لا يعني انهيار اللغة الفرنسية عالميًا.  فالفرنسية ما زالت لغة دولية كبرى، وعدد المتحدثين بها كبير، بل إن مركز الثقل الديموغرافي للفرنكوفونية يتحرك بصورة متزايدة نحو إفريقيا.

الذي تعرض للتراجع في عدد من البلدان هو النفوذ الفرنسي التقليدي وجاذبية النموذج السياسي الفرنسي أو قدرته على الاحتفاظ بالموقع الذي امتلكه سابقًا.

وقد يزداد عدد المتحدثين بلغة في الوقت نفسه الذي تتراجع فيه القوة النسبية للدولة التي ارتبطت بها تاريخيًا.

لبنان وفرنسا: حين لا تعود الذاكرة كافية

لبنان ليس الساحل الإفريقي، ولا يجوز إسقاط تجربة على أخرى. لكنه يطرح سؤالًا مشابهًا: هل تؤثر صورة الدولة في جاذبية لغتها؟

تمتلك فرنسا في لبنان إرثًا هائلًا من المدارس والجامعات والإرساليات والرهبانيات والمؤسسات الثقافية والعلاقات السياسية. وهذا الحضور ما زال قويًا ولا يجوز إنكاره. لكن قوة الإرث لا تعني أن الأجيال الجديدة ستمنحه تلقائيًا القيمة نفسها.

فالخطاب الفرنسي يكرر خصوصية العلاقة مع لبنان والصداقة التاريخية والفرنكوفونية، بينما قد يقيس اللبناني المعاصر فرنسا أيضًا بفاعلية سياستها وبقدرتها على التأثير وبالفرص العلمية والاقتصادية والمهنية التي يستطيع الارتباط بها أن يوفرها.

ولا نستطيع علميًا أن نقول إن تراجع الثقة بالدور الفرنسي أدى مباشرة إلى تراجع تعلم الفرنسية. إثبات علاقة كهذه يحتاج إلى استطلاعات رأي ودراسة سوسيولوجية.

لكن من المشروع طرح السؤال: هل تتأثر جاذبية لغة ما عندما تتغير في ذهن المتعلم صورة الدولة والنموذج الثقافي والسياسي اللذين ارتبطت بهما؟

اللغة مرآة لتحول مراكز القوة

ما يحدث في لبنان، إذن، ليس «موت الفرنسية»، ولا مجرد انتصار للإنجليزية. إنه إعادة رسم للخريطة اللغوية اللبنانية بالتوازي مع إعادة تشكيل علاقات لبنان بالعالم.

فالإنجليزية في الصدارة لأنها تقنع الطالب بأن وراءها منظومة عالمية للعلم والعمل والتكنولوجيا.

والروسية تستند إلى إرث بشري وأكاديمي قديم، وتجد اليوم حضورًا في الجامعة اللبنانية وLAU وجامعة البلمند، إلى جانب البيت الروسي وشبكات الخريجين والمنح والعلاقات الثقافية. والصينية تتحرك مع الاقتصاد والتجارة. والتركية تجمع بين المسلسلات والسياحة والمنح والقوة الناعمة وتجدد الحضور التركي. والألمانية ترتبط بالدراسة والعمل والهجرة، والإسبانية بفضاء عالمي واسع، فيما تمنح الفارسية والعثمانية مفاتيح لفهم الثقافة والسياسة والتاريخ.

أما الفرنسية فلديها ما لا تمتلكه معظم هذه اللغات في لبنان: عمق تاريخي واجتماعي وثقافي ومؤسساتي استثنائي. لكن الإرث وحده لا يكفي.

فإذا أثبتت الأرقام أن عدد طلابها يتناقص، فلا يكفي الإبقاء على البنى القديمة كما هي. وإذا كان الطالب يدرسها سنوات ولا يستطيع استخدامها بطلاقة، فلا بد من مساءلة المنهج. وإذا تحولت في بعض البيئات إلى علامة امتياز اجتماعي، فلا بد من إخراجها من الحِمى إلى المجتمع كله. وإذا كانت فرنسا تراهن على الذاكرة التاريخية، فعليها أن تدرك أن الطالب عندما يختار لغة أجنبية لا يختار ماضيها فقط، بل المستقبل الذي يتصور أنها ستفتح أبوابه أمامه.

ولهذا يحتاج لبنان إلى مرصد وطني سوسيولوجي للغات يتابع أعداد الطلاب والأساتذة سنة بعد سنة، والتوزع الجغرافي والاجتماعي، ومستويات الإتقان، ولغات المدارس والجامعات، ودوافع اختيار الفرنسية والإنجليزية والروسية والصينية والتركية والألمانية والإسبانية وغيرها، وصلتها بالهجرة والعمل والمنح والهوية والإعلام والسياسة والعلاقات الدولية.

عندها فقط نستطيع الانتقال من الانطباعات إلى الأرقام، ومن الدفاع الأيديولوجي عن لغة أو الهجوم عليها إلى فهم التحول الحقيقي. فاللغة لا تتقدم بجمال قواعدها وحده، ولا تعيش على أمجاد تاريخها. فوراء كل لغة جامعة واقتصاد وعلم وثقافة وإعلام ودولة وشبكة مصالح وصورة عن المستقبل.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الأهم اليوم: كم لبنانيًا ما زال يعرف الفرنسية؟

بل السؤال الأكثر دلالة: كم شابًا لبنانيًا ما زال يرى في الفرنسية لغة يحتاج إليها لصناعة مستقبله؟

الجواب: العدد يتناقص بشكل متسارع.. هذا دون أدنى شك.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!